عن علي شعيب وإضراب المصارف وأشياء أخرى

11/04/2014

خضر سلامة

لقد أخرجتك دموع الأمهات قبل الآوان”

إلى نهايتك المبكرة”

المصارف تضرب اليوم، عام 2014، بعد أن أثبت قطاع المصارف في الغرب أنه قائد كارثي (وطبيعي) للاقتصاد الرأسماليّ.. تضرب اليوم في لبنان، لأن المجلس النيابي تجرأ وفرض 2 بالمئة ضريبة على ودائعها.. بعد أن تضخمت الضريبة اللبنانية على المواطن ذو الدخل المحدود مئات المرات بالمئة في السنوات الأخيرة، مقابل إعفائها..

كان ذلك في الثامن عشر من تشرين أول 1973، كثيرون من جيل ذلك الزمن عاصر عملية بنك أوف أميركا، وقلائل يتحدثون عنها (أو يتذكرونها)، لم يكن علي شعيب وحيداً، بل كان مع رفاقٍ منهم الشهيد جهاد أسعد، ولم يكونوا بلا رأس، كان عقلهم وقلبهم مرشد شبو، “أفقر أمين عام حزب في لبنان” كما وصفته إحدى الصحف في الثمانينات بعد وفاته ومطلق مكافحة الصهيونية في الستينات بلبنان والحرس الثوري والحركة الاشتراكية الثورية، وابن برجا الفقير الذي مات “ببيجاما واحدة فقط”، كان علي شعيب أشهر رموز العملية، لأن حظه أنه وقع شهيداً في قصيدة عباس بيضون الشهيرة “يا علي” التي غناها مارسيل وذاع صيتها، حتى صار الناس يغنوها دون أن يعرفوا من عليُّ القصيدة.

ولكن هذا الرجل الذي نسيه اللبنانيون ولم يكتبوه في التاريخ، كان صانعاً لمعجزات أخرى، لا يعرفون عنها أيضاً، أو يهملون أهميتها، نسيها حتى مثقفوهم وآخرون فضّلوا التنكّر لها إن تذكّروها، فعلي شعيب كان من منظمي انتفاضة التبغ ورموزها في النبطية، التي أسست لأول وعيٍ فلّاحي مهّد للتحرر من البكوات ثم الشركات الكبرى، كذلك مناضلاً في اعتصام عمّال معمل غندور الشهير الذي صقل التجربة الحزبية في الصفوف العمّالية وكرّس العداء للنظام الاقتصادي اللبناني، والمفصلي في تاريخ لبنان السياسي آنذاك أيضاً..

ولكننا بكل حال، نفضل أن نتكلم بالسياسة، بما نجده في فتات وطوائف وزواريب حاضرنا، دون عناء إنصاف الماضي وأبطاله وأفعالهم وإرثهم وثقافتهم.

في ذلك اليوم من تشرين، دخل الرفاق “الاشتراكيين الثوريين” كما سموا حزبهم، واحتلوا مبنى البنك، في اليوم التالي، اقتحمت فرقة من الشرطة اللبنانية (بأوامر من الضابط علي الحسيني، مسؤول الشرطة القضائية آنذاك حسب ويكيليكس)، وبشخص الوزير “الطيّب” اليوم، الضابط حينها، مروان شربل، وأعلنت الشرطة مقتل “أفراد العصابة” كما قتلت عن طريق الخطأ مدنيين لبنانيين ومدنياً أميركياً في حقل الدم الذي فتحته رغم أن المفاوضات كانت جارية تحت رعاية السفارة الجزائرية، ولم تكن مطالب الرفاق واضحة لأنهم كانوا أصحاب رسالة واحدة، أعلنوا عنها بأنها تحدي النظام المالي العالمي، وتحكم مصارف أميركا بالسياسة والاقتصاد العالمية (هذا ما نجده اليوم شعارات مملة –وخشبية- بالعربية، بينما نجدها هي نفسها “مودرن” وثورية، بالانكليزية في حركة مناهضة العولمة والرأسمالية الأميركية مثلاً)

على كلٍ، كانت الأيام اللاحقة للعملية، كفيلة بكشف كلام عن أن من بقي حياً لم يمت في الاشتباك لاحقاً، بل بإعدام ميداني بعد الأسر بأوامر من حكومة تقي الدين الصلح مباشرة حسب ما أشيع.Image

بكل الحالات قُتل علي شعيب، وجهاد الأسعد، ومات معلمهم شبّو مجهولاً مكسوراً لا يملك ثمن علاج كليته، وكذلك نسي التاريخ أن هؤلاء، خرجوا على شرفة المصرف ليرموا الدولارات للناس، ليقنعوهم أن حقوقهم محبوسة هنا، ونسي معظم اللبنانيين تاريخهم وفضلوا تاريخاً ينتهي عند مسرحية الاسقلال في قلعة راشيا، ولا يكمل إلا بعد الحرب الأهلية، واستحى ورثة النضال بآبائهم وأفكارهم.. وتدهور التاريخ، وجفّت الذاكرة وانحدرت السياسة حتى أصبحنا في زمنٍ.. تُضرب فيه المصارف معترضةً على حقوق المواطنين.

أصحاب المصارف..

السيّء في وجودكم بيننا، ليس أنكم ترعون كل تجارة السلاح والمخدرات وتبييض المال وتزوير الحسابات ومنظومة الفساد المالي في الدولة اللبناني فقط، ولا أنكم تبتلعون خدمة الدين العام فقط، ولا أنكم تجبرون المواطن العادي على تكلف الضريبة المضافة، لاعفائكم من المشاركة في سدّ ما اقتُرض لأجلكم أصلاً، السيء في وجودكم بيننا، ليس أنكم آلة السرقة الأنيقة التي تلبس بذلة وربطة عنق، ويدافع عنها اللبنانيون البسيطون لأنها أنيقة فقط، السيء في وجودكم، أنكم أكبر دليل على أننا دولة فاشلة بذاكرتها، بتاريخها، بسلّمها الحضاري وبثقافتها.

ولكن… ولكننا.. “لكننا .. ذات يوم ..سنوجه سكك محاريثنا الى قلوبهم السمينة الفاجرة” تقول الأغنية.

ملوك لا يعرفون الشطرنج

08/04/2014

خضر سلامة

سواء كان الخلاف القطري السعودي هو كلمة السر أو لا، كان لا بد أصلا لترهل المؤسسة السياسية المتمثلة بأبناء عبد العزيز الملوك وتصادماتها مع التحولات السياسية في المنطقة، وتضخم المؤسسة الدينية المتمثلة بالوهابية وتصادمها مع الخيارات الجهادية العالمية وحسابات شيوخ البلاط، وصعود المطالب الشيعية وظهور هوية سياسية اجتماعية لها، ثم تحكم النفس الليبرالي في مفاصل المدن الكبرى السعودية وبناها الوظيفية، أن تنفجر، وهي ستنفجر عاجلاً أم آجلاً بكل الحالات.. فالعالم الجديد لا يناسبه وجود الدولة السعودية بمقدراتها الضخمة طويلاً بنفس الشكل، ولكم في ليبيا والعراق عبرة.

كم ستستطيع سياسة الترقيع في المناصب أن تحتوي الانهيار؟ لا أحد يستطيع أن يحدد ذلك، فالتوازنات تتبدل يومياً في هذا العالم الذي يتحرك بسرعة لم يشهدها منذ انهيار جدار برلين، في شرق أوروبا كما غربها كم في شرق آسيا، كما في الشرق العربي والشمال الأفريقي أيضاً.. حروب الغاز تتنقل وبورصة النفط تبدّل مؤشراتها، دول إقليمية تفرض نفسها على الدول العالمية.. كل ذلك يحدث يومياً، فمن يعرف ماذا يخبئ الغد للدولة التي كانت حتى الأمس، صرّافاً آلياً عند الغرب، ومحطة بنزين كبيرة، أهملت الإعداد منذ عهد فهد الدموي، لمراجعة سياسية واحدة في علاقتها بتنوّعاتها الديمغرافية والطبقية وتبدّلاتها الاجتماعية.

ولكن، ينسى البعض أحياناً دور المعركة الكبيرة في الدولة الصغيرة، حيث حسابات خلافات القبائل منذ مئات سنين، ومطامع الإيرانيين، وتمزق المجتمع الصغير – الصورة عن مجتمعات أخرى دُجّنت بالقوة (قبائل الغرب في السعودية، شيعة الشرق، المؤسسات الدينية السنية المحلية)، دور هذه المعركة الصغيرة، في رسم مستقبل خريطة الخليج السياسية كلها..

كأن أبو طاهر القرمطيّ، الذي أتى من بلاد الهَجَر (البحرين)، واجتاح مكة وأغاظ خيار الدولتين العظيمتين آنذاك، العباسية والفاطمية، يعيد شعراً قاله على أنقاض الانهيار السياسي لمشروع الدولة آنذاك، في سنة ظهر فيها النجمان (المشتري وزحل) في السماء، وانشغل العباسيون مع إله الحرب (المريخ) بثورات العراق، وكان الترك يصعد نجمهم، كذلك شعوب الخزر (الروس) وقيروان تونس تزدهر.. لخص أبو طاهر القرمطي، رمز الفوضى في تلك المرحلة والذي أصبح شيطاناً في كتب التاريخ والدين وإله الفوضى، رسالته إلى العالم الذي سيتخرب كله بعد ذلك بسنوات كأنه يبشر بأن فكرته ستنتشر.. قال:

checkmateأغرّكم منّي رجوعي إلى الهَجَر؟

فعمّا قليلٍ سوف يأتيكمُ الخبَرْ

إذا طلعَ المريخُ في أرض بابل

وقارنهُ النجمان فالحذر الحذَر!

سأملك أهل الأرض شرقاً ومغرباً

إلى قيروان الرومِ والتٌركِ والخزَر.

فماذا كان القرمطيّ ليقول اليوم، وأحجار الرقعة تتهاوى ميّتة بخيانات بعضها البعض، أحصنة تُعزل وقلاع تسقط وملوك تموت ووزراء ينطفؤون وأفيال تُعقَر، يبقى الجنود المقسومون إلى لونين، وحدهم، يتفرجون على فراغ المشهد السياسي في الشرق.

مدونة جوعان

المجتمع اللبناني: قاضي مجرم

27/03/2014

خضر سلامة

علينا كبشر أن نتقبل فكرة أن السجن، أو القانون بشكل عام، هو للإصلاح لا للعقاب فقط، بمعنى، فكرة أن يحكم القاضي على قاتل لعشر سنوات مثلا، لا لمدى الحياة أو للاعدام، هي لاصلاحه عن طريق العقاب المؤقت، كي لا يكرر فعلته، ولكن، وضمن منطق الثأر الجماعي القبلي الذي يحكم الانسان، يحكم على من يرتكب خطأ بالنفي والعزلة الاجتماعية والاقتصادية غالباً.
من هنا، أعتبر أن كل من ينشر فيديو عن تجاوز قانوني فاضح (بحال كان فردياً طبعاً)، مع إظهار وجه الفاعل – المتهم، بما أننا غالباً لا نعرف قصة الفيديو الأصلية حتى يثبت عليه التهمة، كل من ينشر هذا، مرتكباً لتجاوز أخلاقي آخر، تختلف قساوته حسب حجم ضرره، ويكون أقرب للإعدام، هو “التشهير”.
من هنا، أنا لا أعرف قصة الأستاذ الذي ضرب تلميذه (وهذا يجري كل يوم وكل قليل)، وانتشر الفيديو المصور له على كل حساب لبناني، وهو فعل مدان ويجب أن يعاقب، ولكن نشر الفيديو مع صورة الرجل واظهار وجهه، وتسابق الاعلام على البحث عن اسمه، تظهرنا بشكل الجلادين، نعم لمعاقبة كل مواطن يعتدي على مواطن آخر، مهما كان عمره ودوره، فكيف لو كانت الضحية تلميذاً، ولكن، يُعاقب المُذنب بعد تحقيق جدي، بغاية إصلاحه وتعلم أخلاق المهنة ربما لو قرر التحقيق احتفاظه بها، لا ليُشهّر به ويُعزل اجتماعياً، ما قد يزيد من جموحه العنفي ويتحول إلى أسرته ربما مع الوقت!
Imageوإذا كانت أزمة الاعلام الاجتماعي، أنها تفتح المجال لنشر المواد دون الرقابة الذاتية على عدم تجاوز حدود الضرر بالفرد وتالياً بعلاقته بالمصلحة العامة بنشر مواد مصورة دون تشويش على الوجه ربما بانتظار قيام المسؤولين عن مراجعة الموضوع وصدقيته، فإن إعادة الإعلام التلفزيوني نشر الفيديو دون تغطية وجه المتّهم، ذنب أكبر وتجاوز أخلاقي نشهده يومياً على التلفزيون بكل الحالات، أنتُم، عن حسن نية ربما، لانصاف ضحية، خلقتم ضحيةً أخرى: كان يجب أن تُعاقب وفق أصول مهنية وقانونية، وعوقب الآن، بواسطة ماكنة تشهير شخصي في مجتمع لن يرحمه طبعاً، لا هو ولا أسرته.
الموضوع معقد، طب ماذا عن تشهير كاتب هذه الأسطر أحياناً، بشخصيات سياسية واقتصادية كبرى، واتهامها بالفساد أو القتل مثلاً، وبالأسماء أيضاً؟ صحيح، سؤال يُطرح، دعني أبرر ذلك بأن هذه الشخصيات تتعاطى على مستوى العامة، أي على مستوى الرأي العام كله المعني بالقضية التي يتعاطون فيها (خيارات سياسية، أمنية، اقتصادية، تشريعية)، الموظف المرتشي، أو الأستاذ العنيف، أو غيرهم، هو حالة فردية ضمن نطاق تأثير محدود بقيود نقابية وقانونية واضحة مباشرة، تحويل قضيته إلى قضية رأي عام واجب مهني واعلامي، صحيح، ولكن مع مراعاة عدم تجاوز هذا الواجب، إلى تعدٍّ لا يراع رد الفعل الشعبي على هذه الحالة الفردية محدودة التأثير ومعروفة طريقة معالجتها، وعرض الإسم أو الوجه، لن يغيّر من القصة ولن يزيد من حجم الفضيحة.
أنا أدعو للتحقيق ومعاقبة الأستاذ المعتدي على التلميذ، ولكن، أطالب أيضاً بأن يراعي جميعنا، أخلاقية التشهير و”طبقيّته”، باختلاف تأثيرها بين حياة مواطن عاديّ، ومحيطه الأسري والاجتماعي، وحياة شخصية عامّة أكثر حماية وبريقاً، في التفاصيل، تفاصيل حساسية نشر الاسم الكامل، أو الصورة الواضحة، بدون رواية رسمية من أهل الاختصاص (الوزارة، الرابطة والنقابات والأهالي والمؤسسة وغيرهم).

ماذا لو أن من صور الفيديو، لم يضعه أونلاين، وفكر في أن يتواصل مع إدارة المدرسة ليرى ردة فعلها قبل أن ينشره، ماذا لو أن من شاهده، لم يعاودوا نشره قبل أن يتواصلوا مع النقابة، ماذا لو أن الاعلامي الذي حوله إلى ريبورتاج تلفزيوني، فكر أن يصله للرأي العام، ماذا لو أن من نشره بأي طريقة ، شوه وجه الرجل أو غطى على اسمه، كي لا يؤذي محيطه معنويا بالحد الأدنى، أسئلة انسانية بحتة، في حالة مثالية، يبحث فيها الفرد عن فائدة حقيقية، لا عن “لتّة” في سهرة، أو اسم في ريبورتاج، أو Show انساني..

هنا فقط، في الوعي لأهمية المحاسبة ونتيجتها، قبل أهمية “السكوب”، هنا يكون الفارق الأخلاقي بين إصلاح الفرد، وانتقام الجماعة منه.

Blue Gold: من يريد أن يسرق مياه لبنان؟

25/03/2014

خضر سلامة

لا تصوتوا لبلو غولد Blue gold لا يجب أن يمر، لا تفعلوا ما يقول لكم التلفزيون اللبناني

كلما تحدثنا عن مخاطر تحويل المجتمع المدني من مفهوم حقوقي تطوعي مستقل إلى مفهوم انتفاعي ينتج دكاكين مفتوحة أمام بورصة استثمارات رؤوس الأموال، الأجنبية والمحلية “الخيرية”، استفز البعض، وغضب آخرون، ولكن، ماذا عن مثال حي؟ يظهر كيف يتسلل رجال أعمال إلى المجتمع المدني، والبرامج الاعلامية، تحت ستار “المبادرة الوطنية” من أجل أن يسرقوا؟ أن يسرقوا أربعة ملايين مواطن لبناني وملايين أخرى من المقيمين في لبنان، سرقة فاضحة تتخطى أبسطة حقوق الانسان البديهية: الماء

في شباط من العام 2013، دُعيت مع مجموعة من الأصدقاء وآخرون، من ناشطين الكترونيين معروفين إلى لقاء تحت سقف شركة علاقات عامة في الجميزة ببيروت، مع منظمة من المجتمع المدني تسمي نفسها “لقاء التأثير المدني”، عرف مدير الندوة نفسه والمنظمة التي تتشكل من “لبنانيين مهتمين بالشأن الخدماتي” عارضاً مشروعاً يسمى “الذهب الأزرق Blue Gold” هدفه، خصخصة القطاع المائي ودخول القطاع الخاص إلى المشروع، مناصفة مع “الدولة”.
وطبعا، ضمن سلة الدعاية والترويج، عرض المنظمون علينا عريضة يراد التسويق لها ليوقع عليها اللبنانيون لتعرض على الحكومة، ومن هذه الطرق الدعائية، حملة تلفزيونية (ظهرت منذ أيام فقط على الاعلام اللبناني، كل تلفزيونات الأحزاب على اختلافها)، وأيضا، طلب من مجتمع الانترنت اللبناني، و”الناشطين” المشاركة في الترويج لهذا المطلب “الشعبي” الخدماتي طبعاً.
اعترضت وعددٌ محدود من الموجودين على المشروع، أولاً، لأنه خصخصة لقطاع حياتي وجودي في الوطن، أهم من النفط والجيش حتى، وهو يُعنى بوجود الفرد وأمنه المباشر، ولا يجوز أن يفتح على استثمارات محلية فما بالك بالأجنبية، بالإضافة لضبابية كلمة “دولة” وتالياً، الفساد الذي سيُراكم عملية التلزيم والمناقصة، وانتهى اللقاء واعتقدت أن الفكرة ماتت لثقتي أن الرأي العام أذكى من أن يبع مائه!
إلى أن أتى الشتاء، شحيحاً كما لم يأتِ منذ زمن، مع توقعات علمية بسنوات جفاف قادمة، ومع تضخم متوقع على الطلب في السنوات القادمة مع عدم وجود أفق لحل سياسي في سورية واهمال الدولة اللبنانية للزيادة السكانية الطارئة بفعل الحرب في الجوار، ما ضخم الطلب على الماء بنسبة 25 بالمئة، مع موارد أصلاً انخفضت بنسبة النصف على الأقل منذ العام الماضي، أي أننا أمام صيف جاف في المنازل وفي القطاع الخدماتي المائي.dont vote blue gold lebanon cih
وهذا الصيف سيتكرر، مع عدم وجود أفق لخطة رسمية لتأهيل القطاع المائي وايجاد الموارد البديلة، سياسة اهمال عودتنا عليها الدولة ولكن… لماذا؟ هل هي مقصودة؟ هل ثمة من يريد أن يحول القطاع المائي إلى ما يشبه القطاع الكهربائي، أي اهمال مقصود وفساد مقصود، من أجل ايصال الناس إلى مرحلة يأس، خصوصا أن الماء أصعب من الكهرباء، لتقبل فكرة الخصخصة؟ هل هناك تواطؤ بين أحد في الدولة، يملك السلطة على كل هذا الاعلام الذي عرض المقطع، والذي يحضر بعضه حسب معلوماتي، لبرامج ترويجية أكبر بالتعاون مع مجموعة رجال الاعمال هذه؟ ماذا يحضر للماء في لبنان؟
إلى أن وصل هذا الأسبوع إلى الاعلام، على جميع شاشات الأحزاب اللبنانية المتناحرة على كل شيء، يعرض هذا المشروع ويدعو اللبنانيين للتصويت، اتفق اللصوص على شيء إذاً! هناك مشروع خطير قادم، عزيزي المواطن، صديقي، رفيقي، خصمي، أياً كنت، هناك من يحضر لتجفيف الماء في بيتك، من أجل اقناعك بحتمية بيع الأنهر والآبار الجوفية وكامل احتمالات انتاج الماء.
وتذكر جيداً وأنت تقرأ هذه السطور غير مبالياً، مهتما بوضع شبه جزيرة القرم أو حرب سورية أو الديمقراطية في فنزويلا أو بخلافات علي وعمر قبل 114 قرناً أو حروب الشوارع والطوائف، تذكر جيداً: لبنان الذي نعرفه انتهى، لبنان الأخضر غزير الماء، والنبع والثلج والأنهر، إلى زوال، الخبراء يتحدثون عن تغييرات مناخية سيدفع أهل شرق المتوسط حصتها الأكبر، أي أن الماء، سيصبح كما السيولة: تتحكم به المصارف التي يملكها رجال الأعمال، الذين يستثمرون باسم المجتمع المدني ودكاكينه، عبر الاعلام المأجور، من أجل اقناعك، وكيّ وعيك.
إنهم يسرقون الماء! لذا، أدعو أنا، خضر سلامة، المواطن اللبناني العادي، كل اللبنانيين إلى عدم التوقيع على هذا المشروع، وأدعو إلى عريضة مضادة من قبل خبراء بيئيين وقانونيين وناشطين مستقلين ومجتمع مدني حقيقي ذو ضمير، لأجل رفض مشروع هذه المنظمة الخاصة، والمطالبة بخطة ماء وطنية من هذه الحكومة، والحكومة اللاحقة.
وللحديث تتمة، مشروع CIH لن يمرّ.

وإلى لحظة كتابة هذه الأسطر، الترويج لمشروع بلو غولد بدأ بطرق واضحة، من الاعلانات المدفوعة الأجر على تلفزيونات الطوائف كلها، إلى مشاركة تسعة جامعات مهمة في استقبال مندوبي هذا المشروع وبعضها حسب شهادات حية، أجبرته الادارة (كالجامعة العربية) على التصويت للمشروع، ووضع الاعلان لمشروع السرقة هذا على قناني مياه الشرب، وفي بعض المقاهي، أي  إنها خطة يشارك فيها الجميع.

أرجو نشر المقال على أوسع نطاق، من أجل رفع نسبة الوعي ضد حملات التسويق لهذا المشروع.

to be continued soon on jou3an’s Blog

هذه ليست طرابلس

22/03/2014

خضر سلامة

في أواخر القرن التاسع عشر، وفي الثلث الأول من القرن العشرين، كانت مدينة طرابلس تشهد نهضة ثقافية كبيرة، وكانت عاصمة المنطقة الشمالية من ما يعرف اليوم بلبنان، والجنوبية من ما يعرف بسورية، ثقافيا، أحد أهم معالمها كان مسرح الأنجا، الذي أسسه الحاكم التركي حسن الأنجا، المعروف ببطشه وجنونه، ومن القصص الطريفة أنه عندما كان يعرف بأمر اشكال أمني، يرسل “جحشه” إلى منطقة الاشكال، وعندها يهدأ الجميع ويفهمون الرسالة.

المهم، المسرح، تحول إلى مركز ثقافي ضخم، قبل أن يحرق في الحرب الأهلية وينهب، ثم أهمل في فترة الاعمار بالمال والتملك ما أدى إلى هدمه كاملا تقريبا، وابقاء واجهته شكليا، واستبداله بمشروع مركز تجاري قبل سنوات قليلة، في ذروة الأحداث الأمنية، المسرق الذي استقبل أهم الفنانين والموسيقيين والمسرحيين وأحداث الأوبرا، أصبح اذا، بناء مهجورا مفتوحا للمال.

بكل الحالات، تستمر العاصفة الأمنية في ضرب طرابلس، خطاب ناري واحد، حادث أمني واحد، في أي منطقة من البلد، يمكن أن تنعكس على اشتباك صار شبه شهري، بغطاء طائفي، وبعد موغل في الحسابات الاقليمية بين الدول، وبانخراط تام من نواب المدينة وفصائلها السياسية، في تمويل وتسليح المتقاتلين من الطرفين، وداخل الطرف الواحد: أصبح الاشتباك في طرابلس، شركة استثمارية، يستثمر كل غني، ضابط سابق، نائب حالي، زعيم، فيه.

في ذروة هذه الاشتباكات، شهدت طرابلس حادثا غريبا من نوعه قبل أشهر قليلة: أحرقت مكتبة السائح التاريخية التابعة للأب ابراهيم سروج، الذي يقيم المكتبة في مبنى تاريخي هو الآخر، يملكه متمول مسيحي، يريد اخراج المكتبة من مبناه بأي وسيلة، فيخرب تارة الأساسات، وتارة يهدد الأب، قبل أن يكتشف وسيلة أذكى: لماذا لا نستثمر الجو التعصبي النامي في الأحياء الفقيرة؟ تنتشر اشاعات عن أن الأب، المعجب جدا بالدين الاسلامي وبشخصية نبيه محمد، يملك كتابا مسيئا للنبي، يقوم شباب متحمسون اكتشفوا السلفية ك”موضة” لا أكثر، باحراق جزء من المكتبة.

ولكن ما علاقة هذه الأحداث كلها ببعضها؟ الغاء ذاكرة المسرح قبل ثلاث سنوات، حرق المكتبة بتحالف بين رأس المال والشعبوية الدينية التعصبية طائفيا، والاشتباكات بين منطقتين فقيرتين جدا، على حسابات سياسية اقليمية لا دخل ولا طائل فيها للفرد الفقير – المقاتل والقتيل في نفس الوقت؟

الحقيقة، أن الأحداث كلها تتعلق ببعضها، تبشير رأسمال بالجهل، هو القوة الأبرز، للحقيقة، تتعرض طرابلس لحملة تنميط وتشويه، لا يمكن لأحد أن ينفي أن الجو التكفيري التعصبي ينتشر شيئا فشيء، ولكن، هل هي الطبيعة الطرابلسية؟ لا يمكن أن تشكل القوى السلفية في طرابلس أكثر من أقل من عشرة بالمئة حسب أحسن التقديرات، من الجو العام في المدينة، ولكنها، تحظى برعاية رسمية، وتمويل ضخم، واهمال متعمد لقضية التضخم السكاني (لأسباب داخلية وخارجية)، اهمال من قبل المسؤولين، وهم للصدفة، أصحاب أو أصدقاء أو أقرباء نفس من يقومون بتملك الأماكن التاريخية والثقافية واستبدالها بوسائل الربح السريع اللامنتجة ثقافيا والاستهلاكية: مراكز تجارية، مواقف سيارات، الخ. في نفس الوقت، وسائط تعصب أخرى تنتشر طائفيا في منطقة من لون طائفي أقلوي، تحت شعار الخوف، الخوف من الآخر، والخوف، هو محرك الأقليات الأقوى عبر التاريخ!

لماذا ترتبط الأحداث ببعضها؟ ببساطة، مقتل طفل برصاص قناص مقتنع أنه يفعل هذا ليحمي طائفته، أو منطقته، يتحمل مسؤوليته الدولة اللبنانية الموجودة في طرابلس: نواب البرلمان، الذين لم يقدموا أي تنمية حقيقية (بل تدهور تنموي اقتصادي منذ التسعينات الى اليوم)، والأسماء في كل انتخابات تكاد لا تتغير، كونهم يعيدون انتاج عامل الخوف والتعصب، ليعودوا إلى منصبهم، يستثمرون هذا الفقر ليضخموا شعبيتهم عبر خطابات تحريضية فتنوية، قوى أمنية تلتزم بالقرار السياسي بالنأي بالنفس، فلا تفعل سوى “الرد على مصادر النيران” في أفضل الأحوال، دون اعتقالات جدية لمن يختال متفاخرا بكونه “قائد محور” أو “زعيم مقاومة” للطرف الآخر في المدينة، دولة رعت منذ عشرين عاما، طمر الأبواب الثقافية للجيل الصاعد والغاء المسارح والمراكز وانهاك المدارس والجامعات، لأجل تسهيل السيطرة الدينية (السياسية الرأسمالية أيضا) على الفقراء.Image

لا يمكن فصل هذه الأحداث عن بعضها، هي كلها نتائج وارتدادات لقرار رسمي علني من الدولة اللبناني بتحويل طرابلس إلى ساحة تصفية حسابات، وتصفية الحسابات لا يمكن أن يكون إلا باستغلال الانسان، استغلالا بشعا، انزعوا من يده سبل التعليم الكريم المحايد المستقل، وانزع من يده أماكن الترفيه التثقيفية بعيدا عن ثقافة الاستهلاك، حاربه اقتصاديا حتى يصبح مرتهنا لمساعدات ومكارم بكواتية ومشيخية، ازرع فكرة ترهيب الآخر، لتبرر للآخر فكرة التعصب للخوف، وعندها، يصبح لديك ملعب كره: دائرة مغلقة.

من أحرق مكتبة السائح، كمن دمر مسرح الأنجا، كمن يتاجر بالخوف الأقلوي، كمن يتسلح بحماية الطائفة، كمن يمول المساجد والمنابر الكريهة التعصبية، سلسلة واحدة متصلة، يتحالف فيها رأس المال مع الطائفية، ويتحالف فيها الراعي الدولي مع المستفيد المحلي الصغير، من دم الجميع.

إلى حينها، طرابلس ستبقى في البال، “زهرة الفيحاء” حيث تغني أم كلثوم، يعزف عبد الوهاب، يرقص البعض الباليه، فالتشويه طارئ على وجه الصبية الفيحاء الصغيرة.

أربعون شمعة لجريدة السفير

17/03/2014

خضر سلامة

فلنطرح سؤالاً عادياً: لماذا لا تُطلق فرنسا سراح جورج عبد الله؟ بعد أكثر من ثلاثين عاماً على احتجازه، وقد جاوز الستين، وانهارت الحاضنة السياسية والأمنية التي كان يشكل ضمنها، خطراً مباشراً على الأمن؟ الموضوع ليس أمنياً، الموضوع ثقافيٌ بامتياز، جورج عبد الله دليل حي على حقبة تاريخية معينة، على جيل أصيب بنكسة الثمانينات، فصد أمر ابادته اعلامياً وسياسياً، صار جيلاً ملاحقا في كتب التاريخ، في مقالات التحليل، في عناوين الأخبار، حوصر بخيارات تصطف بين الطاغية والاحتلال، وجرّم بتهم معدة سلفاً. لأنه دليل على شيء ما، لا يشبه عبث المرحلة.

هي معركة ثقافية بامتياز، وهنا، تأتي السنة الأربعون لجريدة السفير، في هذه الخانة بالذات، السفير، هي الصحيفة التي ولدت في رحم مخاض الحرب الأهلية اللبنانية، رفعت بداياتها الثورية، وغطت مسيرتها الدموية، وقفت ضد اغتيال العراق مرتين، واعتقلت اسرائيل متلبسة بتهمة العداء الوجودي منذ الكلمة الأولى، السفير، هي الصحيفة التي قدمت لكل حقبة، تأريخاً يليق بها، ربما، أبلغ ما يُقال في جريدة السفير، أنها الصحيفة التي لا تحتفظ بها، بل تحتفظ هي بك، بعالمك، بكتب أحببتها، بنقاش طيب ذات يوم، بفطورك الأول وقهوة الصباح، هنا بالذات: الصورة البيروتية البديهية في أي وثائقي: فجر خفيف، فنجان قهوة، أغنية فيروز وجريدة السفير.

ولأن المعركة ثقافيةٌ إذاً، السفير واحدةٌ من سكاكين مطبخنا، نحن البؤساء الذين نحتل أكواخ الفقراء المقنوصين على المحاور بعد موتهم، ونناقش كيف نهرّب الأمل، والأمل سلعة محظورة، السفير واحدة من سكاكين مطبخنا، التي تعيننا على قتال جيوشٍ من تاريخ مزور، وفكر مزور، وخبز مزور، ودم مزور، لننقذ كرامتنا: نحن موجودون في الأمس، كما في اليوم، لم ننقرض بعد، لنا غدٌ إذا.

لذا، العام الأربعون للصحيفة، ليس مجرد احتفال بعيد ميلاد لصحيفة نحبها، بل هو أثر حياة، في هذه الصحراء الكبيرة، وفي جفاف الفكر والعقيدة، يدٌ من تحت ركام حصار بيروت، يدٌ من ملجأ مقصوف ببغداد، أطفال الانتفاضة الاولى ورشاشات الثانيةImage، يدٌ من بين حجارة قانا، يدٌ من تل الزعتر والخليل وعكا والقاهرة ودمشق، يدٌ تخرج بعد هزّات حروب الزواريب والخيانات والانهيارات في الأحزاب والنقابات والجامعات والنخب، لتدلّنا على نجاة الضحية، من غضب الآلهة على شعوب الشرق، وأن الذاكرة الوطنية، اليوم، “سيدة تترك الأربعين بكامل مشمشها” واسمها، جريدة السفير.

النوستالجيا، فعلٌ طبيعي في أي انسان، ولكن بطل القصة هنا، أي الصحيفة، ليست نوستالجيا فقط، فهي ممارسة يومية للذاكرة، هي المسطرة التي تضبط المسافة بين صفحة السياسة وصفحة الثقافة، وبين صفحة القضاء وصفحة الاقتصاد ربما، هي ممارسة يومية للذاكرة لكي لا تضيع، فنفقد البعد الثالث في فهم الواقع.

السفير اليوم، بعد أربعين عاماً على شغب “ترمومتر” القضية، هي أن تقرأ بالأبيض والأسود، وتفهم بالألوان.

القاضي في قفص الاتهام

12/03/2014

خضر سلامة

يتربّع مواطن عادي، اسمه رائد زعيتر، على مخزنّ رشاش قاتله، يعبس في وجهه، ويصرّ على دخول الحافلة، حتى وهو ميّت، فالطريق إلى فلسطين مجد، أما نصف الطريق، فعار.

قتلوا رائد، ليس سياسياً، ولا عسكرياً، قتلوا رجلاً عادياً، حكم إعدام سريع بدون مرافعة يصدره المجرم بحق القاضي، فالصورة في المرآة دائماً معكوسة، واسرائيل، مرآة حال بعض العرب: وقحة لأنهم جبناء، قوية لأنهم ضعفاء، متوحشة لأنهم نعاج، إلا رائد، كان استثناءً عن قاعدة السلطة: انسانٌ مكتمل القضية، واضح الحساب في الفرضية: أخطأ الجسر يوماً حين كان عربياً، فسمح لنا بالخروج، ولعلّه يُخطئ اليوم وهو عبريٌ، فيسمح لنا بالعودة.

لكن المعادلة، لم تكن مستقيمةً، كمشوار رائد، فالمعادلة معوجّة كما خطوط الجبين: بين الأذن والأذن يا رائد، يقف تاريخ الخطابات والصفقات والخيانات والرشاوى، يصطف حكام العرب وصحافة العرب وأحزاب العرب وأناشيد العرب: أين كنتم، يوم أكل الذئب، الغزالَ الأوّل في بستان الشرق، وبال على شواربكم؟

سيقولون: كان يجب أن يسكت، حين شتمه الجنديImage

سأقول: لو لم تختاروا أنتم أن تسكتوا منذ سنين، لما شتمه أصلاً

سيقولون: هل مدّ يده على الرشاش؟

سأقول: لعلّ شوقاً يُسمى الكرامة، تحكّم بيده، فقال أسلّم على الشهداء في البندقية.

فعل قتل رائد زعيتر، مفتاحٌ من مفاتيح صندوق الذكريات، من هنا خرج بعضنا، وهنا قاتل بعضهم، وهنا قُتل منهم من قُتل، وهنا صافح القادة عدوهم، وهنا حبسوا الكرامة في يافطةٍ، كي لا تقول الحقيقة.

ليس هناك من جواز سفرٍ، يعوّض الحاجة لوطن، قد يتعلم الانسان لغةً جديدة، قد يحصل على جنسية جديدة، قد يغيّر اسمه باسمٍ جديد، لكنّ الوطن هو ما تبقى من حبل سرّة الوالدة فينا، لا يُنزع.. يتشاجر الجندي مع المواطن العاديّ، يتفوّق الجنديّ على غريمه باثنتين: أن خلفه كل مصطلحات الحضارة، المجتمع الدولي والشرعية الدولية والتجارة والمصارف والديمقراطية وحقوق الأقليات والسلام، وأن أمامه أسلحة جهنّم كلها، وصكوك الجنة أيضاً، ويتفوّق القتيل بواحدة: أنه قُتل ولم يسكت، فتلبّكت مكاتب الشيطان في القصر، ليبرر فعل سيده القاتل.

رائد زعيتر مسمار جديد في نعش وجوه النخب حين تحاضر في مؤتمرات الغرب، عن رغبتها بتسوية الخلاف مع اسرائيل، وصورة اسرائيل كما هي، بدون مساحيق تجميل، هتلر حين يهرب من الهزيمة الأخيرة، إلى جسد ضحاياه، ويعود بخطة جديدة، لاغتيال ضحية جديدة.

قتلوا مواطناً اسمه رائد: يتربع رائد على مخزن رشاش عدوّه، ويصرّ على اللحاق بآخر باص يقل المحظوظين إلى الجنة، وقبل أن يقفز فوق هيبة اسرائيل ويُشعرها بالعجز، يقول كي يغيظها: أنا المواطن العادي جداً، الذي ارتقى ببضع رصاصات إلى رتبة مقاوم، وكنّس لدقائق بالجسد المصلوب على الأرض، وجه نشرة الأخبار، من وسخ السلام.. أنا المواطن العاديّ الأعزل أمام شرعية اسرائيل وسلاحها، عبرتُ الجسر.. عبرتُ الجسر!

مدونة جوعان

دردشة مع صفية

10/03/2014

خضر سلامة

اسمعيني يا صفيّة

قبل خمسٍ وأربعين عاماً، كتبك غسّان على الورق، وهمس في خدّك باللغة الفصحى: “أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو أن لا يحدث ذلك كله”

كان وطنه أن لا يحدث ما حدث، هزيمة فتقسيم وانقسام ودم في الداخل بين الأخوة، فماذا تقولين، لو أخبرتك سراً: صار بعضنا أعجز حتى من أن يُهزم، والتقسيم أعجبنا، فكررناه، والانقسام أقنعنا أننا فريدون، فجرّمنا من يُصلحه، أما دم الأخوة، فصار مسبحاً ومطعماً للسوّاح، وعرضنا أسهم استثماره في البورصة، ماذا كنتِ لتقولين لو أحرجك أحدهم، وسألك أي وطن تريدين؟

“الوطن الكوكب”؟ أجّرناه منذ البرميل الأول لشركة نفط، ونزعنا طبقة الأوزون وثبّتنا مكانها قضباناً، فصار جدار برلين سلوكاً يومياً بين كل اثنين.

“الوطن العربي؟” اكتشفنا أنه مزحةٌ سمجة. لم تُضحكنا يوماً، لم نفهمها حين رواها لنا أيتام اجتياح بيروت، وغزو بغداد، وحبس حيفا، لأنها لم تكتب يوماً بالعربية.

“الوطن الفلسطيني؟” وجدناه كبيراً علينا، فتنازلنا عن نصف، وساومنا على ربع، وعقدنا حلقة الدبكة في الربع المتبقي فرحين بالهوية، أمّا المخيمات، فوزعناها على الضباط والشيوخ.Image

يا صفيّة، لقد رفضنا قبل ذلك أن يهيننا أحدٌ خارج الوطن، ثم قبلنا بحجة الشرعية الدولية، ثم رفضنا أن يهيننا أحدٌ داخل الوطن، ثم قبلنا بحجة مشاعر القبائل، ولكن أن يصبح الوطن نفسه إهانةً لنا، فهذا ما لم نحسب له يا صفيّة…

قبل نصف قرن، كان الشعراء، في كل زاوية، يحكون عن قضية بحجم العالم، اسمها الانسان، لم نتقدم إلا في العمر، وتراجعنا في كل شيء، وحين أصبح ظهرنا للحائط، نزعنا عامودنا الفقري وجعلناه عامود إنارة، لشارع الأمم كلها، علها تجد حلاً لمعادلة لم نستطع حلها: إذا كان الشعب اثنان، والعدو اثنان، والإله اثنان، والحرية والبندقية والشهداء والجامعة والفقر، اثنان اثنان، فهل يبقى الوطن واحداً؟

لا أريد أن أخدش وجه القصة، ولا أن أجرح قلب الزيتون، بحزن الشرق العادي جداً، ولكني أريد تاريخاً واحداً يخجل حين يسجّل يومياتنا، ويأتي لخيم العزاء، أريد تاريخاً بقليل من الحياء، يحترم الأسماء في انفجار ببغداد، ولا يتركهم رقماً يرتفع كل ساعة، يعطي الأطفال في حلب، ساعة إجازة من الحرب، ليرتبوا القذائف الفارغة على شكل قلعة، تعوّضهم عن ركام المنزل، تاريخاً يأتي بالبحر ليطفئ قاتلاً انفجر جهلاً في بيروت بأهله، ليخلّص المدينة من خطر انطفاء الأغنية.

الوطن هو أن لا يحدث هذا كله..

الوطن هو حقك في يومٍ ممل، كاحتمالات باقي البشر، الوطن هو حقك في يوم تتفرغ فيه لقراءة الأبراج، وحل الكلمات المتقاطعة، وقراءة صفحة الرياضة، يومٌ تعود الصحيفة فيه عشرون صفحة، لا صفحة وفيات فقط، الوطن هو حقنا في الملل، في أن لا ننشغل بحدثٍ أو خبر، وأن لا نهرع لمستشفى أو هاتف قريب، لنرضي فطرة الخوف على ما تبقى لنا، الوطن هو أن يحدث غير ذلك: أن نشرب فنجان قهوتنا على مهل، ونعصر الوقت في إعادة أغنية نحبها، أن يكون العدو عدواً، لا صديقاً قيد الدرس، ويكون الفقر فقراً، لا سلاحاً للإيجار، ويكون الشرطي شرطياً، لا قاطع طرق، وتكون الدولة دولة، لا ثقباً أسود يبلع الأحلام جيلاً بعد جيل.

أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟

الوطن هو حيث لا يقتل الناس ناجي العلي، وحيث لا ينسون غسان كنفاني، وحيث لا يتاجرون بشهيد، ولا ينسون ذكرى اجتياحٍ ولا مجزرة، وحيث لا يستح الناس من المطالبة بمسروقاتهم الوطنية، ولا يختلفون على البديهي من الكرامة، الوطن، هو حيث لا نقرأ أخبار شعبنا، في صحف عدونا.

 مدونة جوعان

ألو بعبدا؟

04/03/2014

خضر سلامة

عزيزي الجنرال الفخامة، الرئيس ميشال سليمان،

من أربع سنين، كتبت مقالاً بعنوان فخامة الفشل، وقتها زعلت وطلبتني مخابرات المنطقة عالتحقيق، اليوم عبالي ارجع شوف الشباب الي حققوا معي وقتها واسألهم بنهاية ولايتك: فشل ده ولا مش فشل يا مخبرين يا بتوع المخافر؟

مش رح عاتبك ع شي، صدقاً، وعم اكتب بالفينيقي لأنو لازم نشيل الكلفة بيناتنا، كونك شهرين زمان وبترجع مواطن عادي، (لبناني، بما أنه ما مشي حال الباسبور الفرنسي المزور)، وكونك مع أنّك بتكبّر حكي دايماً بالفصحى (خشبية، قليلة ملا كلمة؟)، بتضلك باللبناني أحلى.

عزيزي الرئيس، اليوم بمعاركك مع خصومك اليوم، الي كانوا حلفائك بالأمس، لا بل صوتولك، حقّك يكون عندك موقفك، وبالأخير بيتحمل مسؤولية انتخابك الي بيلعب قمار بالشعارات والقضايا، ولكن، ع هيدا الأساس، مش حقّك تتخبى ورا موقع الرئاسة، ببساطة، الظروف السياسية والاقليمية الي حطّتك وقتها، راحوا، مش سامع غنية راحوا؟Image

وضمن هذا السياق، في حقيقة مرعبة، هي أنو التاريخ رح يكتب أنك بتتحمّل انهيار الجمهورية الثانية اللبنانية، هلّق ح تقلّي حزب الله معو كتير صواريخ والسلفيين مسيطرين ع ربع البلد والفساد مستشري، أنا بعرف، بس التاريخ ما معه وقت كتير، باختصار: بعد انتخاب ميشال سليمان، بيومين تلاتة، فرط البلد  لأربع سنين (واكتر يمكن).

والمشكلة الأهم هنا، حقيقة أخرى، أنك كنت آخر الاطارات المتبقية في لبنان، ولو شكلياً، انتخابك مثّل التفاهم اللبناني الأعمق منذ اغتيال رفيق الحريري، وحيادك كان هو الي مفروض يرسم معاييره، وباللحظة التي قسمت فيها أنت هذا الحياد، بموقف خشبي، صار عنا مجلس نيابي لاشرعي دستوريا، وحكومة لا شرعية نيابياً، ورئاسة لا شرعية “ديمقراطياً” (حسب مفهوم الديمقراطية التعددية الرسمية في لبنان)

بعد مية سنة، قد تكون في ذاكرة التاريخ بتشبه سليمان فرنجية الجد، لما انهار البلد بعد ممارساته السياسية الأميركية، وقد تكون بتشبه الياس سركيس عم يبكي عالتلفزيون، لأنو حتى الأميركان ما فاضيين يحكو معو، بس بكل الحالات، رح تكون رمز من رموز سنين الفوضى الي عم نعيشها اليوم، وانت فالل، وهي باقية.

الأمر مش إهانة، المقال مش شتيمة، الحكي هو حقيقة مرة، قدامك شهرين لتنهيها ع طريقتك، إذا شعرت أنو أرباح المكرمة السعودية، ونادي عمشيت، وحفلات القصر الخيرية، والتفاصيل الأخيرة، تستحق فعلاً، هيدا التمن بالبلد.

عزيزي الجنرال ميشال سليمان، على الأقل، التاريخ رح يكتب: بعهد ميشال سليمان ما كان في شي! إيه والله، ما كان في لا رئاسة ولامجلس نواب ولا حكومة ولا موازنة ولا صناعة ولا سياحة ولا شي، بلد بلا دولة، قاعد عم يكش دبان ع سطح كوكب الأرض.

*مستوحى من رسالة زياد رحباني إلى رئيس الجمهورية الأسبق سليمان فرنجية في بدايات الحرب الأهلية.

عن نهرٍ في الصحراء، اسمه معتز

01/03/2014

خضر سلامة

“إلى معتز وشحة”

خلق الرب العالم في ستة أيام، واستراح في السابع فوق عرشه،

وقاتل معتز وشحة العالم لست ساعات، واستراح في الساعة السابعة، فوق مجده.

ست ساعات، بدون كاميرات عالمية، بدون “سيلفي” نضالي من ورق، بدون صفحات فيسبوك، بدون مكبّرات صوت، بدون زيارة أميركية واحدة، ولا مكرمة ملكية، ولا شيك نفطي، ولا فتوى من الشيخ، ست ساعات، لم يحضر أي مبعوث دوليّ، وحيداً أمام العالم، لا يوجد ما هو أنقى من هذه الصورة: انسانٌ كامل البشرية، واحد، بندقية واحدة، عشرات المخازن، ومئات الجنود الأعداء في الخارج… الوحدة مرعبة أحياناً، لكنها على الأقل، واضحة، كان معتز وشحة وحده أمام عدوه، لا مسؤول في منظمة التحرير يحاضر به عن الممكن والمستحيل، لا قياديٌ منتفعٌ يدعوه لضبط النفس، لا أصدقاء يناقشونه في اختيار وقت المعركة، ولا مثقفون يشرحون له انسانية قاتله، لا فضائيات تعرض دمه لاستطلاع رأي، أو تقسمه بين ضيفين ليسلّيا الجمهور.

كان معتز وشحة، لست ساعات، في عز ظهيرة الفكرة، في كامل وضوحها: لا حسابات دولية ولا تحالفات اقليمية ولا انقسامات محليّة ولا حساسيات طائفية، الخيار كان بين اثنين، بين دبابة عدوّ قديم، وبين منزلُ يحبّه، في أرضٍ يقدّسها، في وطنٍ لا تجوز فيه التسوية.
معتز وشحة، وحيداً، و”خلفه عارُ العرب”.

 

معتز وشحة، هو البطاقة الحمراء التي تُرفع في وجه نجم الكرة المشهور، واسرائيل هي النجم: لسنوات، كانت ترتاح فوق طاولة الانقسام، وتشد غطاء التقاتل فوقها لتدفأ، لسنوات، لم تخطئ بارودة عربية واحدة صدر أختها، فلم تنخدش دبابات اسرائيل، إلى أن جاء معتز: هو واحة تقفز في زمن القحط كما يقفز أرنب من قبعة الساحر، ليبحث عن غابته، يحمل نهراً صغيراً، ليجدد ثقتنا بالماء، وينام درويش قرير العين، يحمل نخلة واحدة، كي يحفظ سلالة العرب من الانقراض، فيرتاح مظفر في أنفاسه الأخيرة، معتز هو البطاقة الحمراء التي تُحرج شهرة نجوم العالم، وتُفرج عن خوف لاعبي الفريق الآخر من تسريحة شعر المشهورين، فيستعيد الكوكب بعض توازنه، بين من يملك القدرة، ومن يملك الحلم فقط.Image

 

لذا أكتب عن معتز، أخاف أن نطويه كما نطوي كل فكرة سريعة في هذا الاستهلاك البشع اليومي للقضايا، منذ دخلنا في الشاشة ووقعنا أسراها، صارت بيانات حقوق الانسان، وأخبار المجازر، والأبطال الطارئون على قصص ذلنا اليومي، والشعوب المنسية خلف الكواليس، بعد انشغال العالم بشعوب جديدة تملك حظ الكاميرا، صار كل ذلك، وجبة سريعة، نتناولها بحديث سريع، بتعليق خفيف على المعدة والعقل، ونلتهي من بعدها بقضية انسانية أخرى… أصبحنا نستهلك كل شيء، حتى الانسان.

 

كثيرون يعرفون محمد الدرّة، الطفل الفلسطيني الذي علق خلف والده والاسرائيليون يتسلون بهما بالرصاص، ولكن، قلائل سيعرفون معتز وشحة، الفلسطيني الذي قاتل الجيش الاسرائيلي لست ساعات دون أن يستسلم، حتى قُتل، وأقول قُتل لا استشهد، كي لا ننزع عن المسرح صفة الجريمة، كثيرون ينسون في زحمة المشاعر، أن يبقوا على صفة الاسرائيلي القاتل، الفارق بين مشهد محمد الدرة ومشهد معتز، أن في المشهد الأول، صورة الضحية، صحيح، نحن ضحية هذه الآلة الهمجية العسكرية، ولكن في المشهد الثاني، صورة أخرى، صورة الضحية نفسها، حين تصبح نداً: رجل يهجم الجيش الأفضل في المنطقة، على بيته، فيقاتله لست ساعات، يوقف جنود اسرائيل وعتادها ودباباتها وأقمارها الاصطناعية وماكنات الاعلانات خلفها وشاشات العرب التي تدعمها وأقلام المثقفين التي تدير غسيلها الإعلامي، يوقف كل ذلك، ليقاتل قبل أن يُقتل: تستعيد الضحية في مشهد محمد الدرة توازنها، وتعدّل قليلاً من المشهد السابق، كبرتُ الآن، لا أختبئ خلف أبي، ولا خلف أبو مازن نفسه، أختبأ خلف حقّي أن أكون ندّاً.

 

الأمر ليس مفاضلة، للاسمين وقعهما، وصفتهما، فنحن الضحية اليومية، صحيح، كما الدرّة، ولكننا أيضاً، القادرون على أن نكون أنداداً، كما معتز، وهذا إخبارٌ قضائي ضد وعينا: أين أصبحنا في السقوط الأخلاقي لوعينا السياسي؟ قبل سنوات، كنا نخاف أن يكبر أطفالنا، ولا يعرفون الأبطال في قصص الماضي الجميل، واليوم، صرنا نخاف على أنفسنا، أن يشيخ وقتنا وعصرنا وتكبر لغتنا في العمر، ولا ننتبه لأبطالٍ عابرين في زمن الانهيار الكبير..

“معتز، لعل الشاعر كان يقصدك: أنتَ أنت، ما تبقى من بلاد في يدينا..”

مدونة جوعان على الفيسبوك


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 428 other followers

%d bloggers like this: