أول حالة إصابة بفيروس الإيبولا

25/08/2014

خضر سلامة

“إنه الإفلاس الروحي للرأسمالية التي تتحرك دون هامش أخلاقي أو اجتماعي”

هذه الجملة لم يقلها ماركس قبل مئتي عام، ولا غيفارا قبل خمسين عاماً.

هذه الجملة قالها الدكتور جون آشتون، رئيس كلية الصحة العامة في المملكة البريطانية المتحدة قبل شهر في مقال له في جريدة الاندبندنت معلقا على تجاهل العالم لفيروس إيبولا.

في وقت يستمتع فيه الجميع، لا سيما في بلادنا، بتقليد الأغنياء والممثلين والمطربين ولاعبي كرة القدم في تنافسهم على المشاركة في “ترند” حملة سطول الثلج الهادفة للتوعية من مرض نادر جداً لا يعرفه معظم المشاركين، غير فيروسي، لصالح جمعية بدأ الحديث عن شبهة فساد فيها، برعاية مشاهير يتبرعون بمئات آلاف الدولارات ليتم إعفائهم من ضرائب بملايين الدولارات..

في هذا الوقت، قُتل أكثر من ألف وخمسمئة أفريقي بفيروس الإيبولا في الأشهر الأخيرة، دون ضجة كبيرة، لم يهتم المشاهير به بعد، فإذاً لم يهتم الإعلام به، إذاً لم يهتم الناس الاستهلاكيون به، طالما أنه يضرب قارة منسية اسمها أفريقيا، ولم يقترب بعد من العالم الأكثر حظاً، وطالما أنه لم يحصل على حصته من وقت الممثلين وعارضات الأزياء.

الفيروس الذي لا تهتم به شركات الأدوية لأن زبائن دوائه لا يستطيعوا أن يدفعوا ثمنه، والمساعدات لا تزال أقل بكثير من مما يدين به العالم لأفريقيا على جرائمه فيها، وحملات المكافحة تقوم على جهود منظمتين دوليتين فقط، وبضع مئات من المتطوعين الأفارقة.. ومنهم كان الدكتور السييراليوني شيخ عمر خان.

0

خبر إصابة الدكتور شيخ عمر خان بفيروس إيبولا قبل وفاته لاحقاً

شيخ عمر خان بطل محليّ في سييراليون بسبب جهوده في مكافحة الأمراض، لعب دوراً مهماً في مكافحة حمى لاسّا الشبيهة بالإيبولا، وهو الخبير السييراليوني الوحيد في أمراض الحمى النزفية، لكن ذلك لم يجنبه أن ينضم لمئة عامل صحي أفريقي قتلوا بالإيبولا حتى الآن.

“إذا كان جيداً للأميركيين، كان ليكون جيداً لأخي” علّق راي شقيق الدكتور شيخ عمر لرويترز على خبر شفاء أميركيين اثنين أصيبا في ليبيريا ونُقلا للعلاج في موطنهما، محتجاً على نكران العالم حتى اللحظة وجود علاج للإيبولا أو الكشف عن أي تقدم في البحث يمكن أن تنقذ غرب القارة.

دانييل باوش الخبير في الفيروس قال قبل أسبوعين تقريباً، أن هناك تقدم كبير في العمل على محاربة المرض، لكن “الاقتصاد” يقف في وجه الباحثين.

مات البطل الوطني السيراليوني الذي لا نعرفه، لكن الأميركيّين عولجا، وابتسما للصحف المحلية الملونة، وقبل ساعات قرأت خبراً عن أن مريضاً بريطانياً نُقل أيضاً من أفريقيا إلى بلده للعلاج..

الإيبولا تعض أفريقيا، وشركات الأدوية الغربية تجري حساباتها المالية، ووزارات الخارجية الغربية تجري حساباتها السياسية، وباقي البشر يسكبون سطول الثلج على رؤوسهم ويلعبون.

كم نحن لا نفكر بغيرنا، حين لا يكون أبطال التلفزيون في صفّهم،

لا طائرات تتسع للأفارقة.

*أعتذر على العنوان غير المتعلق بالموضوع مباشرة، لكنه محاولة للفت نظر القراء إلى الموضوع

بين إدارة التوحش وإدارة التحضر

22/08/2014
 خضر سلامة

إذا كانت داعش، وأسلافها في التاريخ المشرقي عموماً تدير “التوحّش” بقطع الرؤوس لتنشر صورة مرعبة عن نفسها فتروج لقوتها وتفوقها العسكري. فثمة من قطع الرؤوس ليدير “التحضّر”.

كنت أتابع بقرف الاعلام الفرنسي وهو ينوح على الرؤوس المقطوعة بأيدي هؤلاء الهمج المسلمين الدواعش، وضيوف الشاشة يحذرون من مخاطرهم.. إلى غير ذلك. تذكرت روبسبيير، أحد أهم قياديي الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، جلاد الثورة الذي أمر بقطع رؤوس أكثر من خمسة آلاف شخص، وحين انتهت مهمته، لم يتأخر رفاقه في وضعه على المقصلة وقطع رأسه أيضاً باسم الثورة، واستمرت المقصلة تحكم العقلية القضائية الفرنسية حتى السبعينات من القرن المنصرم (!).

على كل، قد يبرر البعض أن هذا التوحّش، كان من ضرورات الحضارة الفرنسية آنذاك، لننتقل إذاً إلى الجزائر، المغرب، وغيرها.. هناك، كانت الرؤوس تقطع على يد الفرنسيين أيضاً، (وإذا كنت لم تقرأ عن التجارب النووية التي كانت تُجرى على مجاهدين أحياء في صحراء الجزائر، عليك بالقراءة).
وفي البال صورة من المغرب (مرفقة)، بطاقة بريدية فرنسية عليها رؤوس مجاهدين مقطوعة..France

وإذا زرت فرنسا، ابحث عن متحف “الانسان”، الذي لا علاقة لاسمه بمحتواه، ستجد في الداخل بقايا جثث من حول العالم، ستجد مثلاً حتى سنوات خلت، رأس سليمان الحلبي الذي اغتال الجنرال كليبير قبل مئتي عام، وظل معروضاً للجمهور في المتحف، وقد تجد عشرات الرؤوس الجزائرية، معظمها مكدس في علب كرتونية مهترأة في أرشيف المتحف، بينها رأس الثائر الشيخ بوزيان، ورأس شريف بوغلبا وغيرهما.

هذه أمور لا زالت موجودة حتى اللحظة في الثقافة الفرنسية، الأوروبية عموماً.. التي قدمت لنا في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، تجربة “human zoo”، حيث كان يُنقل الأفارقة وغيرهم من بلاد مستعمرة، ينقلون إلى معارض أوروبا ليأتي السواح ويشاهدوا هذه “الكائنات المختلفة”، ولعل سارة سآرتيج بارتمان كانت أشهرهم.. والتي ظلت بقاياها أيضاً محجوزة في متحف “الانسان” الفرنسي ما غيره، سليل ثقافة حدائق الحيوان البشري، حتى منتصف السبعينات.

إنها إدارة “التحضّر” على الهواء مباشرة، بين تبرير القتل بالصواريخ في غزة بالحرب على الارهاب، والتخويف من شعوب كاملة بسبب حفنة من المجرمين القتلة، باسم الخوف على الثقافة والحضارة، إنها إدارة التحضّر.. وهي “كول” أكثر من إدارة التوحّش، واسألوا ليبراليي العرب المعجبين بتفوق الغرب الانساني: فقتل مئات الآلاف بالطائرات والنابالم واستعمار البلاد والعباد بالحديد والنار، واستعمال القنابل النووية والصواريخ الذكية واليورانيوم المخصب، أكثر ألواناً من قطع الرؤوس بالسيف.

إنها “إدارة التحضّر”.

مصادر مفيدة 1 – 2

مدونة جوعان على الفيسبوك

سميح القاسم يخرج من معتقل أوشفيتز

20/08/2014

خضر سلامة

إلى سميح القاسم

من حُسن حظي أن خالي، وهو صديقي الشخصي منذ فتحت حساباً في مصرف الذاكرة، كان طالباً في الاتحاد السوفييتي ثم روسيا، وكان حريصاً على تصيد الكتب العربية الثمينة في ما بيع آنذاك من أرشيف دار التقدم ودار العودة وغيرها من الدور المدعومة من المحور الشرقي، في شوارع موسكو بعد الانهيار الكبير.

وكان منزلنا في بيروت، منزل العائلة كلها تقريباً، لذا كان بيتنا مكتبة المغترب أيضاً، حيث حرص على جمع عشرات الكتاب التي كان يُحضرها في كل زيارة، وفي جو “جامعة باتريس لومومبا” في موسكو، وتحت ضربات حفلات الشعر الثوري المسجلة وحفلات أغاني السبعينات والثمانينات، ربيت، فعرفت أن بوشكين أميراً، قبل أن أعترف بإمارة أحمد شوقي، وقرأت واقعية دوستويفسكي الحالمة، قبل أن أتفتح على أحلام كنفاني الواقعية، وبين أوستروفسكي وينسين ومايكوفسكي وغيرهم، قرأت عن بلاد جميلة، وأحلام جميلة أيضاً، وجدت أسباباً مقنعة لأحزن على مقتل لوركا في اسبانيا، وعرفت أسماءً لم تعد رائجة في عالم الحياة، كوديع حداد وجورج حبش وسانكارا وسلام عادل ومهدي عامل وبن بركة وغيرهم..

ولكن في رزمة الكتب المكدسة في المكتبة الخشبية المهترأة التي استغنينا عن خدماتها حين لم تصبح صالحةً لسياحة الزوار لدينا، كان هناك كتاب مأكولٌ من غلافه، كأن ثمة من “نتش” منه، لم تكن هناك كلمات كثيرة: “ديوان سميح القاسم” فقط.
الكتاب صادر عن دار العودة سنة 1973، اقتناه خالي في أوائل التسعينات ربما من مصطبة تبيع كتباً لتشتري خبزاً.. وهو من ثمانمئة صفحة، صدر في ذروة غليان العالم الثوري من تشيلي إلى الجيوش الحمر في أوروبا إلى انتفاضات أفريقيا وقيامة آسيا واشتداد فكرة التحرير الوطني في فلسطين، وهو مجموعة قصائد الشاعر الفلسطيني سميح القاسم حتى تاريخه، أي في الرابعة والثلاثين من عمر المناضل الفذ.
أنغولا، شيكاغو، فييتنام، موسكو، الكونغو، برلين، بيروت، عودة إلى حيفا سيراً على اليدين كغزال تائه يبحث عن وطن، هكذا مشيت مع سميح، أذكر كل صفحة وأنا أقلب في الكتاب اليوم بعد عشر سنوات تقريباً على قراءة الديوان، هل هو المسؤول عن نحت جزءٍ من القلب؟ لا أعرف..

ديوان سميح القاسم ورسائله إلى محمود درويش

ديوان سميح القاسم ورسائله إلى محمود درويش

أعرف أني عرفت بالصدفة عن موته بالأمس، كنا نرسم في الشارع لوحةً عن الطفل محمد أبو خضير، الذي قتله النازيون نفسهم في قصيدة القاسم، في نفس نسخة أوشفيتز التي وصفها.. قالوا أنه مات، ثم أكملوا الحديث، عُدت لأتوقع أن أفتح الشاشة لأمل من خبر موت شخص أحبه كالعادة، بفضل الجرعات الزائدة من النواح، لا الحزن، على مواقع التواصل الاجتماعي، وسنتخطى الخبر كالعادة بموت آخر غداً ربما، أو زواج فنانة شهيرة.
ولكن، لم أجد الكثير عنك يا سميح، لم يحزن كثيرون… بعد أربعين عاماً من ديوانك هذا، لم تعد نجماً ثورياً، ربما فاتك أن تنتبه، لكن الكثيرين اليوم في العشرين من عمرهم، أو في الثلاثين من عمرهم، لم يسمعوا بسميح القاسم، وربما يخطؤون في معرفة مكان الناصرة على الخريطة، والليمون صار يباع في أسواق أوروبا، على أنه من بساتين اسرائيل.. هذه أمور تحدث يا سميح، لم ينتبه كثيرون أنك مت، ولم يكترث آخرون.
ولكني اليوم، أجلس مع ديوان سميح القاسم نفسه، بعد عشر سنوات ربما على قراءتي الأخيرة لديوان له صدر قبل أربعين عاماً، كان سميح القاسم نفسه، صاحب آخر مداخلة شعرية في قصة حب طويلة عرفتها، وكتابه الأحمر المقضوم من رأسه، في يديّ الآن، أقلب في صفحاته حزيناً، لأن أحداً لم يحزن على الشاعر الميّت، كي أمل الحزن ولا أفكر في انقراض مرحلة من عمر بلادنا الأدبي والسياسي والثوري، دون أن تمتلك حق التوريث لجيل ضائع بين روتانا وداعش.

في الكتاب، أقرأ من قصيدة يوسف لسميح القاسم:
“أحبائي أحبائي، إذا حنّت عليّ الريح
وقالت مرة: ماذا يريدُ سميح؟
وشاء أن تزوّدكم بأنبائي..
فمُرّوا لي بخيمةِ شيخنا يعقوب
وقولوا إنني من بعد لثم يديه عن بُعدِ
أُبشّرهُ أبشّرهُ، بعودة يوسف المحبوب!
فإن الله والانسان..
في الدنيا على وعدِ!”

لا أعرف هل اهترأ الكتاب في المكتبة في فترة السقوط السريع في التسعينات للذاكرة الثورية، أو أن خالي كان قد اشتراه من على رصيف في شارع في موسكو بغلافه المقضوم هذا.. لكني أتخايل الآن، أن جائعاً للإنسان في تلك السنوات اللئيمة، قضم من شعر سميح القاسم في ليلة برد قارسة..
صورة جميلة في البال، أبتسم.

مات سميح القاسم، لكنه لن يختفِ، لا يُمكن لأحد أن يهزم ميّتاً لم يعد لديه ما يخسره، وشعره لا زال في الأرجاء، بين الكتب التي نجدها في أرشيف المدينة، وتكون الكتب الأجمل…
شعره لا زال في الأرجاء، كذلك وطنه.

سميح القاسم تحرر من سجنه، الحاكم العسكري النازي الذي تحدث عنه دائماً، يكمل إدارة المعتقل.. لكنه سيسقط، و”روما أبقى من نيرون” يا سميح.

مدونة جوعان على الفيسبوك

من باع فلسطين؟

09/07/2014

خضر سلامة

إذا وضعنا اليمين العربي جانباً، كخصم مسلّم به للحقوق الفلسطينية، نستطيع أن نضيف في الآونة الأخيرة بعد الحرب السورية والعراقية انضمام فئات واسعة من عامّة “اليمين الوسط” الجديد في بلاد الشام والعراق للخصومة مع الحق الفلسطيني على قاعدة التموضع السياسي للفصائل الفلسطينية، خصوصا حماس.

وعليه، عادت خبرية “هم باعوا أرضهم” للانتشار كموقف يبرر “النأي بالنفس” عن الأحداث الفلسطينية الدموية على يد المجرم الاسرائيلي..

في نظرية “باعوا أرضهم”: هذه النظرية سوق لها الاسرائيلي نفسه في سنوات احتلاله الأولى، ووجدت جمهوراً عنصرياً جاهزاً لتلقفها.. تماماً كما نظرية “رمي اليهود في البحر” التي لم تكن يوماً شعاراً رسمياً عربياً… بل نوعاً من “المظلومية” البكائية الصهيونية التي استخدمها بعض الحمقى وأعجبوا بها وصارت شعاراً لهم.

إذاً، جاءت نظرية “باعوا أرضهم” كمرافق لاختراع الوكالة اليهودية التي قامت بشراء الأراضي الفلسطينية، ممتاز: ولكن ممّن اشرت الوكالة الأراضي؟جنبلاط-سلام

قبل حرب 1948 (النكبة) التي باعت فيها الأنظمة العربية (مصر، الأردن، لبنان وسورية) جيوشها للموت والهزيمة بمؤامرة متفق عليها وإهمال مقصود في العدة والعتاد والتجهيز. كان اليهود الصهاينة قد تحصّلوا على 2 مليون دنم من الأراضي الفلسطينية (أي أقل من عشرة بالمئة من مساحة فلسطين) وذلك في معظمه إما عبر ملكيات شرعية للأقلية اليهودية العربية، وإما عبر تسليم المندوب السامي البريطاني أراض كاملة للمهاجرين اليهود بأسعار رمزية، واشترت الوكالة القسم المتبقي من.. الملاكين السوريين واللبنانيين.

وهنا نذكر العائلات التالية: القوتلي والجزائري والمرديني واليوسف السورية، سرسق وتويني وبيهم وقباني وتيان وسلام اللبنانية  وهذه العائلات (وغيرها) باعت وحدها ما يفوق الستمئة ألف دنم للوكالة اليهودية.

وربما من الأمثلة الفاضحة، الصراع السياسي بين الراحلين كمال جنبلاط وصائب سلام قبل عقود، حينها قام كمال جنبلاط بفضح عمليات البيع التي قام بها سلام لليهود في سهل الحولة الخصب شمال فلسطين.

فيما أن الملاكين الفلسطينيين، لم يبيعوا أكثر من ثلاثمئة ألف دنم من المليونين، أي نصف ما باع السوريون واللبنانيون، وتذكر المصادر أن معظم الفلسطينيين الذين قاموا ببيع أراضيهم كان يتم تصفيتهم من قبل المقاومة الشعبية أو عزلهم اجتماعياً، وكذلك السماسرة الذين تعاملوا مع المهاجرين الصهاينة… فيما أن العائلات السورية واللبنانية الخائنة، أصبحت قيادات سياسية محترمة في بلادها.

لذا، عزيزي اللبناني والسوري، خصوصا الممانع جداً: حين تريد أن تتهم شعباً أنه باع أرضه، سائل قياداتك القبلية والاقطاعية، عن الأراضي التي كانوا يمتلكونها وبيعت وقُبض ثمنها مراكز سياسية في الدول الناشئة آنذاك، مستفيدين من الصراع البريطاني الفرنسي على قاعدة كسب رضا لندن، لمناكفة العائلات الأخرى الموالية لفرنسا.

بالمناسبة، نظرية “الفلسطيني باع أرضه” لم تعد تتداول حتى في الداخل الاسرائيلي نفسه، حيث أن المؤرخين الجدد (المُراجعين) المعادين للصهيونية أثبتوا في أبحاثهم زيف الادعاء، ومن أهم الكتب الدامغة بوثائقها وأدلتها كتاب “التطهير العرقي في فلسطين” للمؤرخ الاسرائيلي المعادي للصهيونية، إيلان بابه (متوفر بالعربية عن مركز الدراسات الفلسطينية) الذي أثبت في بحث علمي ومن وثائق المؤسسة العسكرية الاسرائيلية، أن نظرية خروج الفلسطيني طوعاً هي بروباغندا من ضمن ماكنة الحرب الصهيونية نفسها آنذاك.

الفلسطيني أُخرج من أرضه بالمذابح والقتل، تماماً كما أخرجت آلاف العائلات العربية في لبنان ومصر وسورية والأردن من قراها في السبعة عقود الماضية بفعل إرهاب مبرمج، وهزائم موسمية، ناتجة عن خيانات الأنظمة التي وعدت كثيراً… ولا تزال.

#فلسطين_تقاوم فماذا تفعل أنت؟

مرجوحة في شعر رابونزيل

30/06/2014

خضر سلامة

*رابونزيل هي شخصية في قصة ألمانية للأطفال جمعها الأخوة غريم ويعتقد أنها متشابهة مع قصة الأميرة رودابه في ملحة شهنامه الفارسية.. وتروي قصة أميرة يستعمل حبيبها ضفائر شعرها الطويلة، ليصعد إلى لقائها..

 

لست حزينا

لست سعيدا

لم أصبح حجرا تماما، ولكن قلبي أرخى عصاه وجلس عند قارعة الصدر، ولم يعد يتدخل بشؤوني اليومية، لم أعد أشعر بالخوف منذ زمن، وهذا أمر سيئ، لا أشتاق ﻷحد، لا أفكر بأحد، لا أشتهي نوعا من الحلوى ولا أتذكر موعد عرض فيلم أحبه.
لا تشغلني الخلافة الجديدة، ﻷنها تأتينا بلا شعراء هذه المرة، وكل خلافة بلا شعراء لا تدوم، لن ترجم الكعبة كما فعل غيرها، ﻷن الله غير مكان اقامته، لن تجد حلاجا واحدا تشنقه كما فعل غيرها، ﻷن الصوفيين تركوا الحب ويعملون في التجارة اليوم، لن تقتل اللغة العربية كما فعل غيرها، ﻷن الضرب في الميت حرام شرعا.

لا أكترث للخراب في المنطقة، فالخراب في يومي أكبر بكثير، ثمة مجزرة تحدث كل يوم بحق ذكريات وأمكنة وأسماء في داخلي، بداعي الواقعية المفرطة في عصر الذاكرة القصيرة، ثمة قصف يومي على أعصابي من زحمة الناس والاحتمالات والكمبيالات والافكار الجاهزة للكتابة، ثمة تقسيم تفرضه الطوب الكبرى على مبادئي: حرية ضد الوطن وشعب ضد الشعب وسلام ضد السلامة وحروب دون طائل.

أنا بشريٌّ من كوكب الأرض، يتكلم العربية بطلاقة عصفورٍ يلفت انتباه فوهات البنادق إلى حنجرته، فيدفع ثمن تحرّشه بضجيج آلات الطباعة المدفوعة الأجر، أسكن في ظلال الناس، أكبر كلما اقتربت شمس الحب من وجوههم، وأتقلّص كشمعة تذوب، كلما غابت، ألعب كما الأطفال لعبة النرد، وحين أخسر، أرهُن فرحي للتجار، وحين أربح، لا أكسب سوى متعة المحاولة.Image

أنا بشريٌّ من كبد هذا الكوكب، من شرق المتوسط تحديداً: أحاول أن أحافظ على ما أورثتني الممالك المندثرة من وصايا: لا تهاجر عن ناسك، لا تنسى أحبابك، لا تترك قلمك ولا تحمل مظلة تحت المطر… فالمطر لا يزورنا كثيراً.

أنا من هُزِم لسنوات، ﻷنه لم يختر يوما معركة، بل وجد نفسه عابرا في وسطها، أنا آخر ما تبقى من مشاعر ثقيلة الظل، في قهوة منكوبة على شاطئ البحر تحت حذاء فندق جديد، أتمسك ببلاد أحببتها، قرأت عنها وعشقتها، أتمسك بقصائد وأغان وطنية، وأسماء قادة وشهداء لا يذكرهم كثيرون، أتمسك بوعود وأحلام، وألف طفل لا يعرفون أين يحطون كل يوم، لا أريد أن أنقرض، فأنا لا زال لدي ما أقوله.

“أريد أن أحيا، لا أن أنجو”.. أريد أن أعيش المرحلة، لا أن أحتمي بأحد حيطانها، أريد أن أجد شعرا طويلا كشعر رابونزيل قي القصة، أصعد على ضفائر الجميلة إلى شرفتها، كي أراقب وإياها غروب الشمس فوق المدينة.

وأذكرها، أني سأهديها يوما كل المدينة.. بأبطالها ولصوصها وخمرها وكتبها، بفرحها وحزنها وضوئها وعتمتها، سنطفئ عواميد إنارة رصيف البحر قبل الفجر بقليل، كي ينام أهلنا لمرة واحدة دون خوفٍ من أن يأكل وحش الحكاية أولادهم.

نحن البشر الأشرار

17/05/2014

خضر سلامة

قبل سنوات، كنتُ أؤمن أن البشر فصيلة طيبة، وأن الأشرار هم بعضهم لا أكثر، اليوم، أنا أميل إلى قناعة أن البشر فصيلة شريرة، مزعجون وهم يمارسون شرّهم اليومي، وأن الخير هو استثناء فيهم لا أصل، قليلون هم من سيضحون من أجل آخرين، قليلون لن يركعوا للسائد، قليلون لن يتكيفوا مع الشاشة وينافقونا بالمال وقليلون هم الذين يموتون وهم راضون عن رأسهم وقلبهم، وهؤلاء هم الطيبون… والطيبون من البشر ينتهون دائماً مجروحين بشيء.

الطيبون.. لهذا أحزن حين أخسر حبّاً لخصام، عتب، خلاف شخصي أو سياسي، موت أو هجرة.. أو نسيان، أحزن حين أخسر طيّباً، لأني أعرف أنهم نادرون.

***

غسان كنفاني كان يخاف أن تصبح الخيانة وجهة نظر، وصارت، اغتيل كنفاني في السبعينات بسيارة مفخخة، لا مأساة في أن تُقتل على يد من تكره، المأساة هي أنه لم يستطع إنجاز مدرسته الفكرية والسياسية التقدمية، قصص الأطفال والروايات والرسم والنقد الأدبي، كان ماكنة انتاج فكري عطّلها الأشرار في ليلة، لم تنته المأساة هنا، المأساة حين تحتاج إلى مقدمات طويلة لتعرف أحداً إليه، وحين تكتشف أن من كتب وناضل لأجلهم، استبدل بعضهم رجاله العالقين في الخزان وقطاره العائد إلى حيفا، بنسيان دوت كوم.

“كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقاً صغيراً يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود”

***

صلاح جاهين كان ساخراً، شاعراً ورسام كاريكاتور، رجل بنوافذ كثيرة، انتهى صلاح جاهين منتحراً، لم يجد غير الانتحار حلاً لهزيمة طويلة عاشها منذ النكسة، هزيمة لم يكن يراها أحد من خلف ابتسامته، لأن أحداثها كانت تجري في قلبه الصغير، كان الموت الطريقة الوحيدة لحث العين على النوم قليلاً.. مات صلاح جاهين، وقلبه مزيكا بمفاتيح.. ولم يخبرنا من هو؟

Imageيا باب يا مقفول … إمتى الدخول

صبرت ياما و اللي يصبر ينول

دقيت سنين … و الرد يرجع لي: مين؟

لو كنت عارف مين.. أنا كنت أقول.

عجبي !!”

***

نجيب سرور، سلطان “البحر بيضحك ليه” كان مجنوناً لأنه فكّر، وكان مجرماً لأنه لم يسكت، في الاتحاد السوفييتي خيبت الصفقات آماله الثورية فعاد إلى مصر، وهناك كان من سوء حظه أن تختاره مخابرات صلاح نصر ليكتشف جديد التعذيب في الستينات، لم ينعم بحرية عريضة، لأن خطيئته حين قرر أن لا يسكت عن مجازر الملك حسين بحق الفلسطينيين في الأردن والكارثة السياسية التي فعلها، فرد بمسرحية الذباب الأزرق، حركت المخابرات ضده فزجته بتهمة الجنون في مصح أمراض نفسية، عملت الدولة فيها على تحطيم عقله، بعد أن حطمت الخيانات والهزائم قلبه.. لكنه خرق الموت بقصيدة “كس امياتكم” التي انتشرت لحد أن السادات اللعين نفسه، كان يحفظها.

“بلد المنايك بلدنا، الكل ناك فيها

شوف الخريطه تلاقيها فاتحه رجليها

ربك خلقها كدا راح تعمل ايه فيها”

***

ناجي العلي كان صارخاً، غاضباً، واضحاً: يرى الطريق إلى فلسطين خطاً مستقيما لا كما يراها “الواقعيون”، كانت الأمور واضحة لديه: احمل بندقية واتجه إلى قريتك المحتلة، لم يكن رساماً فقط، كان نحاتاً لأنه نحت مرحلة وأرّخها، فعوّض تزوير التاريخ قليلاً، ولم يكن رجل دولة، كان رجل وطن، وهذا هو الفارق بينه وبين من أرسل رجلاً ليقتله عقاباً لأن الرسام الوطني سخر من عشيقة الزعيم، أو الزعيم نفسه، أو حراس الزعيم، لا فرق، لكن ناجي قُتل برصاصة صديقة، كان من الطبيعي أن لا يقبل عدوه الاسرائيلي أن يدفن في قريته الشجرة، ولكن أن يحرمه آخرون حق موته في أن يستريح في مخيمه بعين الحلوة، ليس طبيعياً..

“الحُزن أنبل من الفرح.. فالانسان يستطيع أن يفتعل الفرح، لا الحزن”

الحُزن يا ناجي.. الحزن.

أيها الراعي: لا تذهب إلى الذئب

05/05/2014

خضر سلامة

كان الأول من أيلول حتى عام 1954 عيداً رسمياً في لبنان، عيد الإعلان عن دولة لبنان الكبير سنة 1920، أو ما يسمى اليوم بالجمهورية اللبنانية، ومن المتعارف أن البطريرك الماروني الياس الحويك كان صاحب المشروع، باسم خلق كيان جغرافي اقتصادي سياسي مسيحي خاص في المشرق، وحيث أن المتصرفية الصغيرة في “جبل لبنان” أثبتت فشلها اقتصادياً بالمجاعة الكبرى عام 1915، حين مات ثلث أهلها وجلّهم من المسيحيين، طرح برعاية فرانسوا بيكو السفير الفرنسي في لبنان آنذاك، مشروعاً تقسيمياً للدولة السورية المطروحة كانت مع فيصل ابن الشريف حسين، اسمه لبنان الكبير، يضم إلى جبل لبنان أراض زراعية خصبة في عكار والبقاع وجبل عامل والساحل الجنوبي اليوم، وتحول المشروع الذي هدف إلى حماية المسيحيين إلى فشل سياسي وأيضاً على المستوى الطائفي، إذ ذاب المسيحيون في الفضاء المسلم فعلاً، كما حذّر الرئيس الفرنسي جورج كليمنصو البطرك في مؤتمر الصلح قائلاً له: “يبدو أنك تجهل تاريخ بلادك يا غبطة البطريرك”، رغم أنه لا شك أيّده لتوافق المشروع مع ضرورات سياسية وأخلاقية، تعني انشاء كيان إثني طائفي مقابل، اسمه “اسرائيل”.

وأحد أبرز السياسيين الطائفيين المسيحيين آنذاك، شبل دمّوس، قال في شعر شهير مندداً بمشروع البطريركية:

أبناءَ مارون هلّا كان سعيكمُ، إلا وبالاً عليكم غير ميمونِ

ظننتم كبر لبنان يشرّفكم، فتهجرون مقام الذل والهونِ

تالله ما قدركم إلا “الصغير” ففي، تكبير لبنان تصغيرٌ لمارونِ

واليوم… المشكلة في من يسخف الأمور، أنه لا ينتظر من الآخر أن يفكر، يأخذ البطريرك الراعي الناس (خصوصا المسيحيين) بطبيعة الزيارة الدينية إلى فلسطين المحتلة (يقولون اسرائيل، طيب).Image

وحين يقول البعض أن زيارة بابا الفاتيكان، ومرافقيه، إلى الكيان الاسرائيلي هي زيارة دينية فقط، يعني أن نقتنع أن الفاتيكان، مؤسسة كاثوليكية دينية فقط (تماما كما يصوّر البعض مؤسسة ولاية الفقيه الشيعية). وهذا ما لا يُمكن أن يقبله أحد: الفاتيكان هو أحد أكبر اللاعبين الاقتصاديين في العالم، وبنك الفاتيكان هو شريك في حكومة الظل المصرفيّة في هذا الكوكب، وله في تجارة السلاح وتبييض الأموال وصفقات الديكتاتوريين تواجد، وتبعاً، لم يكن الفاتيكان يوماً بمنأى عن السياسة، فيوحنا بولس الأول، مات في ظروف مفاجأة بعد أيام على انتخابه وسط إشاعات كثيرة، ليخرج إلى النور يوحنا بولس الثاني، البولندي صدفة، ليتحول لاحقاً إلى أهم من سيشارك في فرط الاتحاد السوفييتي من بوابة كاثوليك بولندا وحرب الكنيسة الشعواء على العقيدة الشيوعية، ثم مبشّراً ليبرالياً معتدلاً في التسعينات، فترة بلقنة العالم من بوابة الديمقراطية والحرية الوطنية والعرقية.

واليوم، الأرجنتيني فرانسيس بابا الفاتيكان الجديد، بعد شبه سابقة بتنحي بندكتوس العجوز، يتحول البابا الجديد إلى روميو التواصل الاجتماعي، عنوان الصفحات الأولى للصحف، ولننتظر دخوله المباشر في السياسة، لنفهم دوره في التحرك السياسي الجديد لأوروبا من أوكرانيا وصعود اليمين من جديد.

ثم، يذهب ومعه الطيّب بشارة الراعي، إلى “اسرائيل”، القدس تحديداً، لو أن الزيارة هي بهوية القدس الدينية فقط، كان يمكن أن نلعب دور الأغبياء ونناقش في الأمر، زيارة البابا من بوابة القدس “عاصمة سياسية لاسرائيل”، ولقاءات سواء شارك فيها الراعي أو لا، تمثل قبولاً عُرفيا من الفاتيكان باللقاء الرسمي خارج تل أبيب، وهذا حتى في كلام الراعي الاستسلامي التبريري باسم السلام، تنازلاً وذلاً وتطبيعاً أكبر.

أين الخطر في ذلك؟ الخطر يا غبطة البطريرك ورعيّته ومؤيديه، أن المنطقة تشهد تصعيداً اسلامياً متطرّفاً خطيراً، قضى على الوجود المسيحي في العراق خلال فترة قصيرة بالفوضى وانعدام الأمن والتهديد، وتحوّل سيفا بيد أمن الدولة المصري لسنين بوجه الكنيسة القبطية، ولا تحتاج إلى إعطائهم ذريعةً جديدة طائفية، في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد والمنطقة، أضف إلى أن الكنيسة المسيحية نفسها التي تمثل، رفضت لسبعين سنة لقاءً (مباشراً على الأقل) مع الوجود الاسرائيلي السياسي حتى في عز تحالف اسرائيل، قبل تخليها، عن اليمين الماروني في لبنان.

في نوفمبر 1977، رفض البابا شنودة الثالث مرافقة أنور السادات إلى القدس المحتلة، كان للموقف آنذاك سببان: سبب لاهوتي يعنى بموقف الكنيسة الأرثوذكسية القبطية من الاستيلاء الاسرائيلي على بعض أوقافها، وكذلك نظرة دينية لجذور اسرائيل وفكرة الشعب المختار.. وموقف سياسي يعنى بعلاقته مع السادات آنذاك والصدامات الدموية مع الرجل الذي فتح أبواب الاسلام السياسي ليحارب به أعدائه في الداخل.
المهم، رفض شنودة آنذاك الزيارة، بل وطلب من المسيحيين عدم زيارة القدس طالما تكون الزيارة بتأشيرة اسرائيلية (رغم أنه لم يعارض فكرة السلام بدايةً).. وتلاقى بعدها مع الحركة الوطنية الرافضة للتطبيع وتحول لرمز حتى مماته.
البطريرك الراعي سيزور الأراضي الفلسطينية، الفارق بين الموقفين حوالى أربعة عقود.. وخمسة حروب شاملة شنتها اسرائيل ضد لبنان، تغيرت فيها النفوس والثقافات والمعسكرات، حوصر المسيحيون ثقافة ووجوداً وسياسة في لبنان “الكبير”، وخسروا في العراق “الجديد”، وعالقون في أزمة الانفراط السوري، لم يرجع السادات إلى حظيرة العرب، بل لحقه العرب إلى اسرائيل، شيوخاً وأمراء وصحافة وسينما…
فهل تذهب الكنيسة المشرقية أيضاً من نافذة الغربية؟ وهل يكون الفخ السياسي اليوم (مفترضين صدق الراعي في التزامه بأن اسرائيل كيان عدو)، هو فخ الاعتراف “بيهودية” اسرائيل من جهة، وبالجهة الأهم التي تعني الفاتيكان والمسيحيين، القبول الضمني بشرعية السيطرة السياسية الامنية لاسرائيل على مدينة القدس وزيارة الفاتيكان إليها على أساس العاصمة السياسية ل”اسرائيل”
.. كما فعل يوحنا بولس الثاني بزيارة في التسعينات بعد تبادل العلاقات مع الكيان الصهيوني، بتنازله عن تحفظات الفاتيكان على حدود ال1967 واحتلال القدس، وقبوله بالشكل السياسي لما بعد أوسلو.. فماذا يخبأ لنا فرانسيس بزيارته؟ وماذا يخبّأ من مفاجآت كارثية عودنا عليها الفاتيكان، لمسيحيي الشرق.

لا تذهب أيها الكاردينال، لم تصل الكنيسة المارونية في ذروة حماقاتها السياسية التدميرية منذ مشروع “دولة لبنان الكبير” إلى حلف بغداد فالحرب الأهلية إلى اليوم، إلى هذا الدرك من الغباء في قراءة التاريخ والجغرافيا والانتحار السياسي والأمني، لا تنحدر أكثر.

مدونة جوعان

سأقولُ أنك أنا

03/05/2014

خضر سلامة

أعرفُ يا صديقي، أنك لا تشرب الكحول كي لا تقع في خطأ البكاء، ولا تدخّن الحشيش كي لا تقع في خطيئة الضحك، وتجتنب مخالطة النساء كي لا يصيبك شيطانهنّ بنهدٍ من عسل، تحاول أن تحافظ على وعيك لأن المرحلة تقتضي ذلك، وكلما غرقت في الوعي تكتشف فداحة الهزيمة، وكلما زارك النعاس، أصابك سهم الندم كي لا تغفو وشيءٌ ما يحترق… ربّما هي أعصابك، ربّما هي حدائقك الصغيرة يبست ورودها وزادها وجعاً زجاج خمر العابرين في قبلة، فاشتعلت غيرةٍ ثم بعثر الريح رمادها.

لا شيء يُسكرك، تأكل كتاباً في اليوم كما يأكل طفلٌ واجبه المنزليّ على مائدة الأم، قبل موعد الباص، ثم تحتسي نشرة الأخبار كي “تهضم” الأفكار والجيوش والقذائف وأنابيب الغاز.

لا شيء يُغريك، تمرّ على الحانات وتبصق على جيلٍ تشعر أنه يسبقك بعشرة قرون من الفرح، فيما علقت أنتَ في حزن بغداد يوم أكلها المغول، تحدّق بالبحر، كان لك قهوةً بلا بلاط فاخر هنا، لتكتب وتحب، ومنذ كسّرتها الدولة لم يعد تغريك بيروت للكتابة.

لا شيء يُنسيك، عندما تنساك كل الأمكنة والوجوه، تعلق أنت في “كمبيالات” مصرف الذاكرة، النسيان سيفٌ لا حلول معه، فإما أن تكون خلف السيف أو يكون السيف داخلك، فإما أن تكون أنت الجاني فتقرر أن تعترف بأنك ثقبت ذاكرتك وارتكبت جريمة النسيان، أو تكون أنت الضحية، فتنتظر من الصباحات الجميلة سدّ ديونها وأنت من صنعها، لا تسوية في النسيان، لا عدالة.Image

أعرف يا صديقي أنّك تغضب لأي شيء، تغضب لأن من يحمل صور الأطفال ويدور بها ليتسوّل مكاناً في المرحلة، لم يجرب النوم مرةً في العراء، ولا في القبر، وأنك تغضب لأن الشرطيّ الذي يطرد الفقير من الأرض لأنه لا يملكها، هو نفسه سيزوّر صكوك ملكية الغنيّ لها، كي يجرح وجهها، وتغضب أيضاً، لأن الدوريّ الذي كان يطرق شباك غرفتك القديمة، لم يزرك منذ قرّر أهل الحيّ أن يسدوا ثقوب الرصاص في البنايات القديمة، ففقد العصفور الذاكرة.

أعرف يا صديقي، كم هو صعبٌ أن يفقد عصفور ذاكرته في بيروت: كم من خيبةٍ سيقطف كلّما فتّش عن بيته، في زحمة الباطون هذه؟

لا، لا أريدك أن تحزن ﻷني حزين، الوحدة ليست رغيف خبز كي نتقاسمه، أو كي “نغطها” بالشاي حينا، أو بالذكريات أحيانا. الوحدة كالقصيدة، الوحدة هي أن تنتظر وردة واحدة غير مشذبة، لسبب عميق في اللغة، ولا يأتيني من الغيب سوى الباقات الأنيقة، الوحدة هي أن تنتبه في منتصف المسرحية للقاعة الخالية، فيبدأ صوتك بالانطفاء شيئاً فشيء، ثم ترحل. هي الخيبة الصغيرة: أن تنتظر قوس قزح، فيصدر مرسوم من الشرطة ليلغي فصل الشتاء،
وثلاثة فصول فقط، لا تصنع عاما كاملا، بل تسعة اشهر..

(ألهذا يولد الأطفال وهم يبكون؟) تسأل نفسك.

أعرف يا صديقي أنّك طيّبٌ جدّاً، أنت ناعمٌ جداً، ولدتَ في ورشات عمل وفنادق، ومؤتمرات وأحزابٍ ونظريّات، لم تلعب يوما معي ب”تنكة البيبسي” حين لم يكن يسمح لنا الفقر أن نحلم بطابة حقيقية، لم تكذب على أمّك يوماً، أنا فعلت: خبّأتُ الشهادة المدرسية، كي لا تحمّلني وزر حزنها، وحين اكتشفَت خدعتي الغبية، لم تميّز بين الكذبة وخوفي على عاطفتها.. أنتَ لم تضربك الشرطة يوماً وأنت في يد والدك لأنكما مشيتما في مظاهرةٍ بلا طائفة، فكرهت الدولة التي تكرهك، ومددت لسانك للنشيد الوطنيّ فعوقبت في المدرسة.

أعرف يا صديقي، أنّك مشغولٌ بقضايا الكوكب، تحلم بعالمٍ آخر للفقراء، وهم يحلمون بأن يكفيهم رغيف اليوم ليوم آخر فقط، تتحدث كثيراً عن زمنٍ جميل وشهداءٍ وشعراءٍ ومقاتلين، ولا تنتبه أن الكوكب بدّل سبعاً وعشرين رزنامةً منذ وُلدتَ، أعرف أنّك تطرق على أبواب الجيران ليلاً في السرّ لتعطيهم حصّتهم من عشائك، لكن الأبواب الموصدة لم تعد تُفتح منذ سنينٍ خوفاً من اللصوص والضيوف الثقيلين، أنتَ تريد أن تستيقظ الشعوب، والشعوب متعبةٌ، وأنا متعبٌ أيضاً.. لو أنّك تنام قليلاً يا صديقي..

لو أنّي أنام.

عن علي شعيب وإضراب المصارف وأشياء أخرى

11/04/2014

خضر سلامة

لقد أخرجتك دموع الأمهات قبل الآوان”

إلى نهايتك المبكرة”

المصارف تضرب اليوم، عام 2014، بعد أن أثبت قطاع المصارف في الغرب أنه قائد كارثي (وطبيعي) للاقتصاد الرأسماليّ.. تضرب اليوم في لبنان، لأن المجلس النيابي تجرأ وفرض 2 بالمئة ضريبة على ودائعها.. بعد أن تضخمت الضريبة اللبنانية على المواطن ذو الدخل المحدود مئات المرات بالمئة في السنوات الأخيرة، مقابل إعفائها..

كان ذلك في الثامن عشر من تشرين أول 1973، كثيرون من جيل ذلك الزمن عاصر عملية بنك أوف أميركا، وقلائل يتحدثون عنها (أو يتذكرونها)، لم يكن علي شعيب وحيداً، بل كان مع رفاقٍ منهم الشهيد جهاد أسعد، ولم يكونوا بلا رأس، كان عقلهم وقلبهم مرشد شبو، “أفقر أمين عام حزب في لبنان” كما وصفته إحدى الصحف في الثمانينات بعد وفاته ومطلق مكافحة الصهيونية في الستينات بلبنان والحرس الثوري والحركة الاشتراكية الثورية، وابن برجا الفقير الذي مات “ببيجاما واحدة فقط”، كان علي شعيب أشهر رموز العملية، لأن حظه أنه وقع شهيداً في قصيدة عباس بيضون الشهيرة “يا علي” التي غناها مارسيل وذاع صيتها، حتى صار الناس يغنوها دون أن يعرفوا من عليُّ القصيدة.

ولكن هذا الرجل الذي نسيه اللبنانيون ولم يكتبوه في التاريخ، كان صانعاً لمعجزات أخرى، لا يعرفون عنها أيضاً، أو يهملون أهميتها، نسيها حتى مثقفوهم وآخرون فضّلوا التنكّر لها إن تذكّروها، فعلي شعيب كان من منظمي انتفاضة التبغ ورموزها في النبطية، التي أسست لأول وعيٍ فلّاحي مهّد للتحرر من البكوات ثم الشركات الكبرى، كذلك مناضلاً في اعتصام عمّال معمل غندور الشهير الذي صقل التجربة الحزبية في الصفوف العمّالية وكرّس العداء للنظام الاقتصادي اللبناني، والمفصلي في تاريخ لبنان السياسي آنذاك أيضاً..

ولكننا بكل حال، نفضل أن نتكلم بالسياسة، بما نجده في فتات وطوائف وزواريب حاضرنا، دون عناء إنصاف الماضي وأبطاله وأفعالهم وإرثهم وثقافتهم.

في ذلك اليوم من تشرين، دخل الرفاق “الاشتراكيين الثوريين” كما سموا حزبهم، واحتلوا مبنى البنك، في اليوم التالي، اقتحمت فرقة من الشرطة اللبنانية (بأوامر من الضابط علي الحسيني، مسؤول الشرطة القضائية آنذاك حسب ويكيليكس)، وبشخص الوزير “الطيّب” اليوم، الضابط حينها، مروان شربل، وأعلنت الشرطة مقتل “أفراد العصابة” كما قتلت عن طريق الخطأ مدنيين لبنانيين ومدنياً أميركياً في حقل الدم الذي فتحته رغم أن المفاوضات كانت جارية تحت رعاية السفارة الجزائرية، ولم تكن مطالب الرفاق واضحة لأنهم كانوا أصحاب رسالة واحدة، أعلنوا عنها بأنها تحدي النظام المالي العالمي، وتحكم مصارف أميركا بالسياسة والاقتصاد العالمية (هذا ما نجده اليوم شعارات مملة –وخشبية- بالعربية، بينما نجدها هي نفسها “مودرن” وثورية، بالانكليزية في حركة مناهضة العولمة والرأسمالية الأميركية مثلاً)

على كلٍ، كانت الأيام اللاحقة للعملية، كفيلة بكشف كلام عن أن من بقي حياً لم يمت في الاشتباك لاحقاً، بل بإعدام ميداني بعد الأسر بأوامر من حكومة تقي الدين الصلح مباشرة حسب ما أشيع.Image

بكل الحالات قُتل علي شعيب، وجهاد الأسعد، ومات معلمهم شبّو مجهولاً مكسوراً لا يملك ثمن علاج كليته، وكذلك نسي التاريخ أن هؤلاء، خرجوا على شرفة المصرف ليرموا الدولارات للناس، ليقنعوهم أن حقوقهم محبوسة هنا، ونسي معظم اللبنانيين تاريخهم وفضلوا تاريخاً ينتهي عند مسرحية الاسقلال في قلعة راشيا، ولا يكمل إلا بعد الحرب الأهلية، واستحى ورثة النضال بآبائهم وأفكارهم.. وتدهور التاريخ، وجفّت الذاكرة وانحدرت السياسة حتى أصبحنا في زمنٍ.. تُضرب فيه المصارف معترضةً على حقوق المواطنين.

أصحاب المصارف..

السيّء في وجودكم بيننا، ليس أنكم ترعون كل تجارة السلاح والمخدرات وتبييض المال وتزوير الحسابات ومنظومة الفساد المالي في الدولة اللبناني فقط، ولا أنكم تبتلعون خدمة الدين العام فقط، ولا أنكم تجبرون المواطن العادي على تكلف الضريبة المضافة، لاعفائكم من المشاركة في سدّ ما اقتُرض لأجلكم أصلاً، السيء في وجودكم بيننا، ليس أنكم آلة السرقة الأنيقة التي تلبس بذلة وربطة عنق، ويدافع عنها اللبنانيون البسيطون لأنها أنيقة فقط، السيء في وجودكم، أنكم أكبر دليل على أننا دولة فاشلة بذاكرتها، بتاريخها، بسلّمها الحضاري وبثقافتها.

ولكن… ولكننا.. “لكننا .. ذات يوم ..سنوجه سكك محاريثنا الى قلوبهم السمينة الفاجرة” تقول الأغنية.

ملوك لا يعرفون الشطرنج

08/04/2014

خضر سلامة

سواء كان الخلاف القطري السعودي هو كلمة السر أو لا، كان لا بد أصلا لترهل المؤسسة السياسية المتمثلة بأبناء عبد العزيز الملوك وتصادماتها مع التحولات السياسية في المنطقة، وتضخم المؤسسة الدينية المتمثلة بالوهابية وتصادمها مع الخيارات الجهادية العالمية وحسابات شيوخ البلاط، وصعود المطالب الشيعية وظهور هوية سياسية اجتماعية لها، ثم تحكم النفس الليبرالي في مفاصل المدن الكبرى السعودية وبناها الوظيفية، أن تنفجر، وهي ستنفجر عاجلاً أم آجلاً بكل الحالات.. فالعالم الجديد لا يناسبه وجود الدولة السعودية بمقدراتها الضخمة طويلاً بنفس الشكل، ولكم في ليبيا والعراق عبرة.

كم ستستطيع سياسة الترقيع في المناصب أن تحتوي الانهيار؟ لا أحد يستطيع أن يحدد ذلك، فالتوازنات تتبدل يومياً في هذا العالم الذي يتحرك بسرعة لم يشهدها منذ انهيار جدار برلين، في شرق أوروبا كما غربها كم في شرق آسيا، كما في الشرق العربي والشمال الأفريقي أيضاً.. حروب الغاز تتنقل وبورصة النفط تبدّل مؤشراتها، دول إقليمية تفرض نفسها على الدول العالمية.. كل ذلك يحدث يومياً، فمن يعرف ماذا يخبئ الغد للدولة التي كانت حتى الأمس، صرّافاً آلياً عند الغرب، ومحطة بنزين كبيرة، أهملت الإعداد منذ عهد فهد الدموي، لمراجعة سياسية واحدة في علاقتها بتنوّعاتها الديمغرافية والطبقية وتبدّلاتها الاجتماعية.

ولكن، ينسى البعض أحياناً دور المعركة الكبيرة في الدولة الصغيرة، حيث حسابات خلافات القبائل منذ مئات سنين، ومطامع الإيرانيين، وتمزق المجتمع الصغير – الصورة عن مجتمعات أخرى دُجّنت بالقوة (قبائل الغرب في السعودية، شيعة الشرق، المؤسسات الدينية السنية المحلية)، دور هذه المعركة الصغيرة، في رسم مستقبل خريطة الخليج السياسية كلها..

كأن أبو طاهر القرمطيّ، الذي أتى من بلاد الهَجَر (البحرين)، واجتاح مكة وأغاظ خيار الدولتين العظيمتين آنذاك، العباسية والفاطمية، يعيد شعراً قاله على أنقاض الانهيار السياسي لمشروع الدولة آنذاك، في سنة ظهر فيها النجمان (المشتري وزحل) في السماء، وانشغل العباسيون مع إله الحرب (المريخ) بثورات العراق، وكان الترك يصعد نجمهم، كذلك شعوب الخزر (الروس) وقيروان تونس تزدهر.. لخص أبو طاهر القرمطي، رمز الفوضى في تلك المرحلة والذي أصبح شيطاناً في كتب التاريخ والدين وإله الفوضى، رسالته إلى العالم الذي سيتخرب كله بعد ذلك بسنوات كأنه يبشر بأن فكرته ستنتشر.. قال:

checkmateأغرّكم منّي رجوعي إلى الهَجَر؟

فعمّا قليلٍ سوف يأتيكمُ الخبَرْ

إذا طلعَ المريخُ في أرض بابل

وقارنهُ النجمان فالحذر الحذَر!

سأملك أهل الأرض شرقاً ومغرباً

إلى قيروان الرومِ والتٌركِ والخزَر.

فماذا كان القرمطيّ ليقول اليوم، وأحجار الرقعة تتهاوى ميّتة بخيانات بعضها البعض، أحصنة تُعزل وقلاع تسقط وملوك تموت ووزراء ينطفؤون وأفيال تُعقَر، يبقى الجنود المقسومون إلى لونين، وحدهم، يتفرجون على فراغ المشهد السياسي في الشرق.

مدونة جوعان


تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 458 other followers

%d bloggers like this: