خضر سلامة
إلى روح الرفيق نور.
نور مرعب، اسمٌ سيشغل بال الناشطين السياسيين والحقوقيين لأسبوع بعد وفاته، قبل أن ننساه جميعاً.. اختار نور أن يطفئ حياته بيده دون دين يكبله، ودون قائد يلهمه، ودون ضابطٍ يحكمه، علّه ينير بوصيته، قليلاً من الظلمة التي تحكم عالمنا، لم يقبل أن يطفئها تهديد من حزبٍ فاشي يخاف من الحرية، أو مطرقة محكمة عسكرية غير شرعية لعسكر فاشل يحتكر الشرعية، ويعبر عن عقده النفسية بمعارك وهمية مع مدنيين أبرياء، أقفل نور أعوامه الستة والعشرين، أظنه، بابتسامة هادئة كعادته، أو ربما كلمات أخيرة لن نعرفها، إلا حين نلتقي، على كأسٍ وعالمٍ آخر، لا قضايا فيه، إلا أخبار الأحياء التي فاتته.
نور، صديقي، المشغول بفكفكة روايات الأنظمة، وتعرية نفاق المجتمع المدني اللبناني، وفساد أحزابه السياسية الوطنية والطائفية على حد سواء، المريض بالحرية المطلقة، بحق الجميع في شتمه، وحقه في أن يرد بهدوء، المتصل في آخر الليل، ليعرف رأي الرفاق في استراتيجية نضال لا عنفي جديدة، والمتأبط لهاتف لا يهدأ، ليطمئن على حال القضية الجديدة، والحامل عبء ألف صفحة وصفحة، يشرحها لنا، ليعرفنا إلى حق من حقوقنا القانونية، أو واجب علينا، علّه يجد في هذه المزرعة الكبيرة، مواطناً واحداً.
اكتشفته يوماً، حين كان يزعج الدكتور السوداني عبد المنعم موسى ابراهيم، المضرب عن الطعام احتجاجا على العنصرية اللبنانية، بنصائحه الكثيرة وأفكاره الجديدة لتحرك الدكتور، وبعدها صار حاضراً في كل حدث لبناني جديد، في كل ثورة عربية جديدة، يعارض ويوافق، يكثر الكلام، ويوزع الابتسامات، كان حدثاً متنقلاً، وحديثاً مستمراً، يؤمن بأن لا حدود للعقل الانساني، ويكفر بكل سياج فكري، ديني أو سياسي أو فئوي، وحين نشرت الصحف خبر “انتحاره”، لم تحتج إلى نقاشاته الطويلة، ومداخلاته المستفيضة، اكتفت بسطرين، عن جثة شاب، وشريط فيديو، وحزن كبير.
لا أريد أن أرثيك، لأني أعرف أن الأموات لا يحبون الثرثرة، ولا أريد أن أبكيك، لأني أعرف أن المناضلين لا وقت لديهم لكفكفة الدموع وشرح الرحيل، أريد فقط أن أتهمك، بالخيانة، وأن أشتمك للمرة الأخيرة، أيها اللعين، الكافر، القبيح، المغرور حدّ جرح السماء، وسرقة الوقت: هذا الأنبوب المعد للتفجير، المسمى مجازاً لبنان، كان صغيراً عليك، لماذا لم تحمل حقيبتك وتهرب كغيرك؟ لماذا لم تختر الصمت والانهزام إلى زاوية اليأس كغيرك؟ لماذا كان لزاماً عليك أن تحرجنا بموتك؟ لماذا اخترت بين كل الاحتمالات الكثيرة أن تقتلنا نحن، وتجعلنا نعود إلى دفاترنا لنحصي عدد الباقين في محطة انتظار التغيير الذي لا يأت؟![]()
قتلك النظام الطائفي، أتهمه.
قتلك الحكم العسكري، أتهمه.
قتلك الظلام العربي، أتهمه.
قتلك الساكتون والمرتهنون والمستزلمون والعبيد، أتهمهم.
يا ابن أرضي، ومرضي، هذا الحمل ثقيلٌ على القلب، ماذا أصنع بشهادة وفاتك؟ أعلقها خبراً في صفحة الوفيات اليومية؟ أو نعياً على حائط كنيسة تسرقك وتسرقني وتتاجر بموتك وحياتي؟ أتلفها لئلا تصبح منبراً لنائب يحصي عدد الأصوات في قريتك يوم دفنك؟ أخبئها كي لا تراها العين، فتغار وتطلب حرية كحريتك حيث أنت الآن؟ يا صديقي، ألم تقرأ فيما قرأت، أن الميت هو متهم دائم؟ هو الوحيد الذي لن يدافع عن نفسه بعد اليوم، كالملايين التي، ولو مت ألف مرة، لن تعي لحقها بالدفاع عن لقمة عيشها، وعن حريتها، ألم تقرأ فيما قرأت، أن الميت سينساه الأقارب والخصوم، ويلتهون بحب جديد، أو عدو جديد؟ ألم تقرأ فيما قرأت، أن حريتك تقف عند أحزان الآخرين.
لا مكان يتسع لقبر جديد في القلب.. احمل جثتك وابحث عن أرض تقبلها، هنا، السماسرة لم يتركوا لك قبراً، والزعماء لم يتركوا لك ناراً، ورجال الدين لم يتركوا لك رحمة، وأصحاب البنوك لم يتركوا لك منبراً، والعسكر لم يتركوا لك صوتاً. لا مكان في القلب لجرح جديد، وما عاد في البال عشٌ لعصفور مثلك، مثلك لا يحطّ.. مثلك يحلّق، وحين يتعب، يضع رأسه على كتف جهنّم، علّ هذا العالم المرتهن للمال وللطوائف، يحترق بمن فيه.
تباً لك نور مرعب، يا صديقي الخائن.
17/09/2011 عند 2:34 م |
ويل لوطن لم يعد من مكان فيه للشرفاء
17/09/2011 عند 3:14 م |
مقالتك مؤثرة وصائبة يا أستاذ خضر سلامة
18/09/2011 عند 11:16 م |
الله يرحموا,يمكن لو كنا ببلد تاني كان تحرك حدا….خضر,معقول ما نعمل شي؟هيك نترك القصة تمرق ببساطة؟؟؟
19/09/2011 عند 12:44 ص |
اذاكان هناك جنان فانت فيها لايستحقها غيرك ماذا عساي اقول انا اسف لأننا جبناء………
19/09/2011 عند 11:44 ص |
رائعة يا خضر. يا ريتك شتمتو أكتر بعد.
اشتقتلو كتير
05/10/2011 عند 6:08 م |
[...] his death, however, one truth risks being drowned out by the fervor to write his death as a heroic gesture, a revolutionary position. That truth, rather quietly, is that Nour had struggled for many years [...]
02/11/2011 عند 12:43 م |
[...] لا يتصارع مع محاكم عسكرية ولم ينتحر نور مرعب من أجل ذلك، لا تهدد فيه حرية التعبير والصحافة التي [...]