طريقك مسدود مسدود

14/03/2016
خضر سلامة
أحدث قرار إحدى مجموعات التحرك الاحتجاجي لحل موضوع النفايات بالدعوى إلى عصيان مدني وقطع طرقات – لم ينجح في إثبات نفسه أو حشد تضامن معه – جولة اتهامات وشتائم جديدة بين أطياف هذا التحرك الذي لم يجد بعد من يدفنه، ويبني على نتائجه ودروسه: لماذا خسرنا الناس؟ وهل كانت المعركة على الوصول إلى الكاميرا مجدية حقاً؟
“بس هني كمان بيقطعو طرقات”
صحيح، عادة قطع الطرقات ليست جديدة في لبنان، ولكن عدم الأخذ باعتبار ماهية القطع وهويته وتالياً لماذا يحصل وينجح غالباً أزمة.
“كوبي بيست” وسائل الضغط لا يعني بالضرورة نجاحها، فكر أولا: ما هي طبيعة الدولة اللبنانية؟
طبيعتها طائفية، إذا، فإن حوادث قطع الطرقات على خلفية طائفية، ضد برنامج كوميدي او ضد اعتقال ارهابي او ضد تعيين وزير او استقالة آخر، تهم الدولة وقد تضطر لإعادة حساباتها.. لأن هذا التحرك يمس بتوازن هويتها: لا تزعلو السنة ولا تزعلو الشيعة وانتبهو ما يغضبو الدروز أو ياخدو ع خاطرهم المسيحيين.
بطبيعة الحال هذا الاحتجاج يولد ردة فعل واستجابة مباشرة من الدولة، التعاطف الشعبي ليس مطلوباً في هذه الحال لأن من يقطع الطريق يقطعها في دائرة نفوذه السياسي والحزبي حيث الاعتراض = خيانة.Untitled.jpg
في حالة النفايات، الأمر ليس مشابهاً، قطع الطرقات والعصيان المدني لن يؤثر على الدولة: نحن همشنا سلفاً عامل الضغط الاقتصادي وهو الحجة الأبرز للعصيان المدني، أي تعطيل الدورة الانتاجية اليومية وتسبيب الخسائر للدولة. فاقتصاد الدولة في لبنان لا يقوم على عمل انتاجي حقيقي، والتوازن الطائفي ليس مهدداً بحالة عصيان “مدني ذو مطالب عامة”، ولا الأمن القومي من حيث تفادي اضطراب بين مكونين غريبين (كحالة جمهور النجمة حيث استجابت الدولة خوفاً من “ثقافة الغريب” خارج منطقته).
فهم الدولة اللبنانية ومكامن ضعفها ضرورة… كنت قد نأيت بنفسي (اقتداءاً بالنجم الصاعد ميشال سليمان) عن التعليق على ما تبقى من “التحرك الاحتجاجي لحل موضوع النفايات” بعد أن خرج من جعبة “مشاريع القادة” رزمة تخوين واتهامات وشتائم بحق الفئات الشعبية والحزبيين والعقائديين وكل من لا يشبههم أدى إلى تفصيل حراك “على حجمهم”، وثقافة تفكر بجذب انتباه الكاميرا أكثر من جذب انتباه المجتمع أو مراكز القرار والتأثير على الأقل.
ولكن هذا التنكيل الذي يحصل بحق التجربة الجيدة نوعاً يتطلب ملاحظة، قد لا يؤخذ بها، مش مهم بقى.
الدولة لن تكترث لتسكير البلد على أهله، وفي الأفضل الأحوال ستصرف جهداً ضئيلاً على فض اعتصام هنا أو هناك لا يملك مفاتيح القوة (العمل المباشر، العنف، الحشد)، الدولة ستكترث لو تعرضت سمعة شركة كبرى كسوكلين للضرر الجدي، أو مصالح البنك الذي تتعامل معه للضرر الجدي، أو …. ولكن أن يغلق تيار “مدني” الطريق على الناس، فستترك الدولة العمل للناس غالباً..
الناس ليسوا أعداءكم، وخطاب “نحن وأنتم” معيب، والناس ليسوا “حمير”-أغلبهم عالأقل يعني- والحركة الاحتجاجية في أي بلد بالعالم غير مرتبطة بالعدد بل بالفعالية وأدوات الاحتجاج المفصّلة على قياس المجتمع الموجودين فيه، لا المنسوخة من وسائل تدريبية تليق بدول تملك نظاماً طبقيا وانتاجيا “معروف ربه”…
مشكلة النفايات متل أي مشكلة ثانية في البلد، هي مشكلة مع الشركات والبنوك ومراكز القرار، ليست المشكلة مع الشارع، الشارع في لبنان ليس ناخباً وليس رأياً عاماً -هيديك بأوروبا يمكن-
من هي الشركة الخصم؟ مع أي بنك تتعامل وينظم لها وارداتها ونفقاتها؟ من هي الشركة التأمين التي تغطيها؟ ما هي ظروف عمل العمال الأجانب فيها وأوضاعهم القانونية والصحية؟ من هم أصحابها وما هي ميزاتهم وشبكة علاقاتهم؟
ربما تحرك مباشر (مستمر لا “مرقة طريق”) يعطل أعمال هذه الكتلة من المؤسسات المتصلة ببعضها، ستضطر الدولة إلى التحرك أكثر من محاولة إحراجها أمام شعب تبين أنها لا تكترث لمعدل سرطاناته ولا سلامة غذائه ولا مائه.
عموماً، كما عودتنا التجربة سيلجأ بعض المهزومين إلى تحميل المسؤولية بالتدرج للناس، لبعض اليسار، لناشطين آخرين، للإعلام… ولكن لن يخرج أحد ليقول لمرة في تاريخ العمل الشبابي: لقد فشلنا، فشلت أساليبنا، فشلت طريقتنا في الكلام مع الناس، ربما يجب أن نجرب شيئاً آخراً غير الغرور وتربيح المجتمع “جميلة” الثورة التي لم تجر أحداثها يوماً.

الطاعون في بلادنا

04/01/2016

خضر سلامة

في رواية “الطاعون” لألبير كامو، تموت الجرذان في شوارع مدينة وهران الجزائرية لسبب غامض، يدب الذعر ويبدأ الناس بالموت من بعدها بعوارض متشابهة، إنه المرض وقد تفشى بسبب عدم كفاءة السلطة وسوء إدارتها للناس، انتشر الطاعون ببطء تحت ستار من جهل الدولة وفسادها وانشغال الناس بشؤونهم اليومية.

العلاج المتوفر لا يكفي الجميع ويكفي فئة معينة فقط، سيمكنها من النجاة لأن حظها سمح بذلك، فيما يكتشف الناس أنهم جميعاً صاروا مرشحين للمرض وينتظرون عوارضه لتظهر.

تسقط المدينة شيئاً فشيء بين أنياب الموت الأسود كما سمّاه الرواة الدنماركيين أو الموت العظيم حين قتل ثلث سكان القارة العجوز في القرن الرابع عشر (أكثر من 80 مليوناً على الأقل) ثم تقفل السلطات التي تصل متأخرة كالعادة بوابات المدينة وتعزلها، تبدأ هنا علاقات الناس المعزولين عن العالم بالتغيّر ويصبح الطاعون لاعباً أساسياً في المجتمع، يُصبح الموت رخيصاً ويتم تشييع الموتى سريعاً ودون مشاعر ومجرد عدٍّ للقتلى بالطاعون.

بعضهم يحاول الفرار خارج المدينة ويخاطر بنقل الطاعون إلى بلاد أخرى، بعضهم يعتبره عقاباً إلهياً وامتحاناً سماوياً، بعضهم يحتكر التجارة أو يجني ربحاً عبر استغلال يأس الناس وبيع حبال النجاة، وبعضهم يضحّي بالبقاء والصمود، ويتجه إلى التكتل والتعاون والأهم: المقاومة.Banksy Graffiti Artwork Appears In London

ينتهي الطاعون أخيراً، ويعود الناجون إلى حياتهم، يموت الذين نحبهم كالعادة، بعضهم يُجَن وبعضهم يكتب عن المعركة.

بعيداً عن الرواية، لقد قتل طاعون القرن الرابع عشر في أوروبا حين ضربها الكثيرين بسبب المرض كما ذكرنا، لكن التعصب والتطرف دفع إلى اتهام الأقليات، كالغجرية واليهودية آنذاك، لأن الجهل افترض أنهم سبب غضب الرب، وقد قتل الطاعون حتى القرن التاسع عشر مئات ملايين الناس في مصر والسلطنة العثمانية والصين والهند في موجات متعاقبة. وتأخر العلماء كثيراً حتى اكتشفوا أن القوارض الصغيرة هي سبب العدوى.

وأظننا اليوم، أننا لم نأخذ حذرنا من الجرذان في مكتبتنا الوطنية: تقضم كتب الدين وتصنع رواياتها وتفسيرها للحديث، تعشعش في كتب التاريخ وتمنع البحث والتدقيق وتعتمد على الأقوال ونقل الإشاعات ودعايات الخلفاء من قرن لقرن. لم نأخذ حذرنا من الجرذان في الجامعة تجعل التعليم مجموعة معاملات ورقية واستثمار مصرفي هائل، من الجرذان في مقرات الأحزاب تهتك زمن كتاباتها وأفكارها التي لم يفكر أحد في طباعتها على حاسوب حتى، فخربت، من الجرذان في إدارات الدولة الرسمية تعض جيوب الناس وكراماتهم… لق أساءت السلطة الفاسدة إدارة نفاياتنا وتوجيهنا، وقد انتشر الطاعون على شكل الخراب في كل شيء وبعضنا يدفع الثمن غالياً، بفوضى أمنية أو مجزرة أو ديون مبرحة أو فساد مطلق، وبعضنا يحاول النجاة والهرب، وبعضنا يصمد ويقاوم الوباء، وآخرون يتاجرون بخوف الناس، ويربحون.

والطاعون باقٍ ويتمدّد إلى حين، في ثقافتنا ونكاتنا ومعارض كتبنا وفي نشرات الأخبار وأحوال الطقس والسجون والمشانق والأنظمة.

ولكن، ماذا يجب أن نفعل بعد انتهاء الطاعون يا كامو؟

صورة تذكارية مع احتفالات الآخرين

29/06/2015

خضر سلامة

عشرون دولة سبقت الولايات المتحدة إلى الزواج المثلي منذ أقرته هولندا عام 2001 وصولاً إلى أيرلندا قبل شهرين فقط.
وما يميز أيرلندا بالذات عن الولايات المتحدة، أنها أقرته بالاستفتاء الشعبي – قبل أسابيع فقط – بنسبة تأييد بلغت أكثر من 62 في المئة، فيما أقرته المحكمة الأميركية قضائياً.
ولكن ما يميز القرار الأميركي عن سابقاته أنه مدعوم من قبل الصناعة الإعلامية المسيطرة (مواقع التواصل الإجتماعي خصوصا) وهكذا، فرض علينا الاحتفال به متوافقاً مع أسبوع pride السنوي عالمياً.

المشكلة أين؟ أن اقتباس الانجاز الحقوقي في أميركا، أتى على طريقة تلقف النتيجة فقط لأن المحيط الثقافي فرض فجأة الخبر عليك وأشعرك أنك يجب أن تبتهج. رغم أن الحركة المثلية لم تكن لتخرق في هذه المجتمعات لولا حضورها الحقوقي والقانوني والمطلبي الاحتجاجي، ثم الدخول في منظومة القرار السياسي والاقتصادي أيضاً على مدى القرن الفائت بعد أن عبدت الطريق أمامها عدة حركات احتجاجية مطلبية سابقة، مستفيدة من سلة الحقوق المدنية المتاحة (نظرياً) وفق دستور، بُني على قاعدة اقتصادية انتاجية واضحة (سواء صائبة أو لا)، ووفق سلطات واضحة المهام (سواء صادقة أو لا) وإعلام يلتقي خطابه الاستهلاكي وأفلامه البسيطة السهلة التسويق، مع هذا الترف الحقوقي الصوَري (الزواج لا محاربة رهاب المثلية من جذوره)، متجاوزاً مطالب انسانية أقل غرائزية لا يلتفت إليها عادة (العدالة الاجتماعية، التشرد، التمييز العرقي إلخ)11540832_993701520663146_8916168405508384056_n

ثم يجيء من يعتبر هذا الترف القانوني (حق الزواج لا التسامح مع المثلية) انتصاراً له على بعد آلاف الكيلومترات وآلاف السنين وآلاف خطوط الانتاج والسلطة، فيما هو، المثقف الناشط، في عزلة عن مجتمعه، ينتقده من بعيد، يفضل أن يصطدم به وأن يهينه لا أن يستوعبه، يشتمه ويعلن يأسه منه، يرى أن معارك بلاده هي معارك طوائف لا دور له فيها، بينما هو على علاقة وظيفية – غير نقدية وهنا المشكلة – مع شركاء بفكر نقيض.
وفيما حركته المطلبية المفترضة في هذا الموضوع أو غيره، مرتبطة بشبكة مالية غير مستقلة تعتمد على مبادرات “إنسانية” خارجية بخطاب مترجم لا يستقبله العامة، أو بشبكة علاقات محلية تقليدية “متبرعة” تفرض هوامشها حين تريد.
وفيما وثيقته المدنية ورؤيته للمنظومة الحقوقية غير موجودة، يملك فكرا قائما على رد الفعل: صدى الخارج أو السخرية من الداخل، ولم ينجح في تشكيل جماعات ضغط لأنه ملتهم من قبل الفردية في التفكير وفي المصلحة وفي العمل، وقد تخلى طوعا عن الإيمان بالتجارب الحزبية أو النقابية.
وفي هذا الوقت، يعيش في بلاد لا يستطيع فيها المواطن أن يشتري بيت في منطقة ما بسبب هويته الدينية أو المناطقية أو بسبب الواقع الاقتصادي الهجين، ووسط غياب أي سلطة تشريعية أو قانونية أو أمنية يمكن الاعتماد عليها لتأمين الحق الأهم للمواطن، وهو حق الحياة ببساطة.

قيل قديماً في السخرية من اليساريين العرب الذين لم يحاول معظمهم استيعاب مجتمعهم في عقيدة منسوخة عن مجتمع الآخرين، أنهم يحملون مظلة عندما تمطر في موسكو.. وأعتقد أننا نقترب من مثال جديد: البعض يغير صورة بروفايله، عندما يتغير شيء في العالم.

تصالح مع مجتمعك، وابني معركتك وفق أولويات الحقوق البشرية البديهية لتصل يوما لترف قوننة الزواج المثلي.. داعش تبتلع كل شيء من المحيط إلى الخليج وباقية وتتمدد، والدولة الوطنية انهارت في معظم البلاد التي تعرفها، والعجلة الاقتصادية تتآكل والبطالة ترتفع والمجتمع يتفكك والسلطات التقليدية الثلاثة تختفي من حولك والناس تعود بثقافاتها إلى أكثر مراحلها انغلاقا.

هل سأل أحد عن رأي أبي بكر البغدادي بالموضوع؟

الحرب الأهلية معدية كالإنفلونزا

22/05/2015

خضر سلامة

لم يُكتب تأريخٌ حقيقي للحرب الأهلية اللبنانية، لملمت ما استطعت من وقائع من ذاكرة والدي الذي دخل الحرب وهو على بوابة العشرين من عمره، وخرجت منه وهو يقف تحت نافذة الأربعين.

يحتفظ صديقي الأقرب بمفتاح ذاكرته ويشق بابها قليلاً كلّما كدتُ أختنق بواقع أوطاننا اليوم، يروي كيف اعتُقل عند الكتائب على سبيل التسلية حين كان الجنود يتزينون بسلاسل من آذان مقطوعة لضحاياهم، وهرب مشياً على الأقدام من محور إلى محور، أقنعه البعض بأن يبلغ الجيش الذي أخذه… كي يعيده إلى معتقليه لولا تدخل “الطائفة” التي كان يتكابر على الولاء لها

يقول أني ولدت على عجل على درج المستشفى، لأن النعاس غدر به وهو ينتظر استراحة القناص كي يعبر من مبنى إلى آخر ليسعف أمي الحامل، وأن الحواجز الألف على الطريق لم تكن تفهم معنى الولادة، فعند الحاجز يا ورثة الحرب، تذوي رهبة الولادة… الحاجز لا يفهم إلا الموت321.

قتلت الحرب أحلام جيل، كان يحرس مداخل الفنادق التي اكتشفوا لاحقاً أن زعمائهم كانوا يلعبون البوكر فيها مع زعماء الآخرين بغرض الحوار فيما جنود الرقعة يقتلون بعضهم، كانت شعارات جيلهم تنطفئ كلّما اضطروا للوقوف في الصف في ساحة البلد كي يملأوا جرة ماء، أو كلّما أُعلن النفير العام في الحيّ لأن المخبز فتح أبوابه أخيراً وطلّ الرغيف الجميل بعد غياب القمح أو السكّر.

لم يفهموا يوماً كيف صنع الآخرون ثرواتهم، وكيف ضاعت مدخراتهم حين لعب الشهيد -ما غيره- بالليرة في آخر فصل من فصول الموت، فدمّر بيوتاً وأنهك ما تبقى من هواءٍ في رئة الناس.

لم يفهموا يوماً كيف أصبح الجميع أصدقاءً، وكيف انقلبت البواريد على نفسها، وكيف تحوّل الفدائيون إلى قطاع طرق، والمناضلون إلى صرّافين، وأين ذهب أصدقاؤهم الذين خرج أحدهم ليشتري حلوى لأطفاله ولم يعد بعد، وأين ذهب أقاربهم الذين فرّوا من لوائح المطلوبين لمزاجات المحتل المتقلبة ولم يعودوا بعد، وكيف لا يذكر الناس أماكن المقابر الجماعية المعروفة، وكيف ينسى المجرمون البقعة البحرية التي رموا فيها الفائض من أسراهم.

لم يفهم كثيرون من أهل الحرب الأهلية هذه الحرب، وكيف ضاعت أعمارُهم فداءً لقضايا قدمت أوراق هجرتها إلى أثينا فجأة، وكيف أغلقت الصحف القصص المعروفة عند الناس عن من قتل من، ومن خطف من، ومن باع من.

أغلب الظن أن الحرب الأهلية لا تنتهي أبداً، لو فتّشت جيداً ستجدها تفتك بالعطر في ورود أمك الذابلة، في قصة القذيفة التي استقرت بين سنارتيها وهي تحيّك كنزةً لابنتها، في قصة الحصار الطويل لبيروتٍ لم نعد نسمع أخبارها منذ ظن الناس أن الحرب لم تكن حربهم، بل حرب الآخرين.

كان الناس كومبارس الحرب ولا زالوا، في لبنان كما سوريا واليمن وليبيا وغيرها، هؤلاء الممثلون الثانويون الذين لن يتساءل أحدٌ في آخر الفيلم بعد انتصار البطل ونجاته، عن ما حدث لهم.

الحرب لا تنتهي، الحرب إنلفونزا مُعدية، تصيب صف البلاد الكسولة كلها.

الجرجوف السعودي

06/05/2015

خضر سلامة

حظيتُ بوالدةٍ “أصيلة”، لم تكن أمي بنت مدينة تماماً. فحافظت في تربيتها على ما حملته من قريتنا قبل أن يبلعها “غول” التمدّن، ولا زالت قصص الشاطر حسن ترنّ في أذني. ولم أفهم ماذا كان يعجبنا في قصص يُقطّع أبطالها أو يُذبحون إلى أن وجدت نفسي في صالة سينما الشرق الأوسط الكبير، وفهمت أن قصص الناس لا يمكن إلا أن تشبه يومهم العاديّ.

وهكذا كان، في كتاب “قول يا طير” الذي صدر قبل حوالى خمسة عشر عاماً اكتشفنا أن نفس القصص “حرفياً” تُحكى في فلسطين (وهذا دليل على أن النظرة الاستشراقية التي يتعاطى بها المثقفون مع أهلنا على أنهم مجرد منطقيّات وطوائف متناحرة لا يمكن أن تتعايش هي نظرية حمقاء) كون القصة تجربة، لا يمكن أن تخلد إلا إذا كانت تحوي نفس المنظومة الأخلاقية والتراثية التي تضمن استمرارها من جيل لجيل.

إلى أن وقعت عاصفة القُبح السعودية على أعرق مجتمعات العرب وأكثرها اتصالاً بالتاريخ، أي اليمن.

طبعاً اصطف من اصطف خلف الحوثيين كحركة في محور إقليمي معين بعضهم لأسباب طائفية وبعضهم لأسباب محض سياسية، واصطف الديمقراطيون والسياديون وأنصار حقوق الانسان والصحافيون بالأجرة وأصحاب محطات البنزين، خلف حرب أغنى أسرة في العالم على أفقر شعب في العالم، لأسباب لا صلة لها أبداً طبعاً بالمنح المالية التي وزعها السفير السعودي في الأسبوعين الماضيين مثلا على مجموعة من الصحفيين اللبنانيين تقديراً لجهودهم لا في تغطية أخبار المجازر، بل التغطية عليها.

وهكذا، استبيح شعب اليمن وبنيته التحتية وقدرات جيشه الدفاعية على مدى أربعين يوماً ولا زال، وفجأة عاد الخطاب “القومي العربي” الذي كان قد أحيل إلى التقاعد من قبل المثقفين أنفسهم منذ السادات واعتبروه “خشبياً”، واستعيدت مفردات صدام (الذي أحضروا هم أميركا لاسقاطه) عن الفرس والمجوس وغيرها.

ما علينا، لم يعد النقاش مهماً اليوم، فهؤلاء حسموا ازدواجياتهم القيَمية والانسانية في أكثر من ساحة ولا يمكن إحراجهم أخلاقياً.

متظاهرون في صنعاء ضد الاعتداءات الاسرائيلية على غزة / 2014

متظاهرون في صنعاء ضد الاعتداءات الاسرائيلية على غزة 2014

ما يزيد في الوجع الناجم من صدور آراء فلسطينية ولبنانية مشجعة للحرب على اليمن، (رغم أن شوارع اليمن وحدها من بين شوارع العرب كلها رافقت الحروب الاسرائيلية على لبنان وفلسطين مؤيدة للمقاومات ومتظاهرة بمئات الآلاف ضد الحروب الاسرائيلية، فبادلته بعض الشعوب بالغدر) ما يزيد من هذا الشعور بالألم، أني وقعت على قصة ثمينة من اليمن، يبدو أنها تتطابق في مصطلحاتها وحبكتها مع قصص بلادنا أيضاً.

الغول في اليمن يُسمى الجرجوف.. ومن القصص التي تُروى قصة الفتاة الفقيرة التي نصبت لها رفيقاتها فخاً وأقنعوها بتسلق شجرة دوم ثم تركوها ورحلوا، قبل أن يمر ست جراجيف دون أن ينقذوها، توقف السابع واشترط عليها أن تتزوجه إذا وقعت على أحد أصابعه وهكذا كان.

تزوجت الفتاة من الجرجوف، قبل أن تكتشف الغرفة التي يأكل فيها ضحاياه وتُصدم بحقيقته وتحزن… تلتقي الفتاة بأخيها بعد غياب طويل فيوقع به الغول ويقطع لحمه، ثم يعطيه للفتاة كي تطبخه. تكشف الفتاة الحيلة فتتظاهر بأكل اللحم وتقوم بجمعه ثم زرعه وتسقيه.. فينبت طفلٌ تقنع الجرجوف أنه ابنه، إلى أن يكبر ويشتد عضده، فتدفع إليه سيفاً ليقتل الجرجوف بضربة واحدة لا غير.

الجرجوف السعودي اليوم يحوم تحت شجرة الدوم اليمنية، ويحاول أن يتصيد أجمل أحلام الناس الفقراء، لا شك أن قصوره كثيرة وغرفها كثيرة، وحال الأمير السعودي كحال الجرجوف في القصة، يستطيع أن يأخذ ألف شكل، يظهر تارة بشكل صحفي يقف بالصف على باب السفارة ثم يحمل الناس مسؤولية قتل الطائرات لهم، وتارة بشكل ثوريّ في فندق خمس نجوم يتكلم عن معاناة شعبه قبل أن يلحق بطيارة جديدة إلى فندق جديد، وتارة بشكل شيخ دين يبيع الملوك حصصاً من خبز الله، ويقيم حد التكفير على الجياع حصراً.

الجرجوف السعودي كحال أي غول شرير لا يفهم بالأصول، “يفصفص لحمك عن عظامك” حتى ولو رميت السلام عليه، فهذا طبعه.. ولكنه سينتهي كما تنتهي غيلان القصص، هذه حكمة التاريخ. هناك شعوبٌ لا تحتاج إلى استعطاف العالم ولا تسوّل عواطف طائفية أو قومية كما يفعل البعض، وهناك شعوبٌ لا تقف بالطابور ليرضى عنها عدوّها أو لتثبت له “حداثتها”. هناك شعوب تزرع لحوم أبنائها في التراب، وتسقيه بالدموع وتنتظر الثأر.

وهذا ما يخيف الجراجيف وخدمهم.

لا زلنا هنا

01/03/2015

خضر سلامة

ملاحظة: أختم المقال بفيديو أنصح الأصدقاء ال”سميعة” بضرورة مشاهدته.

“بالله إن متُّ شوقاً.. بأدمعي غسّلوني”

أيها العالم الذي يتفرج علينا من فوق، نحن هنا… نحن الذين نلوّح من فوق الأطلال كي تنتبه الحضارة لنا: انسوا مجموعة المختلين الذين ترميهم مطارات الدول الكبرى في بلادنا، انسوا مجموعة ربطات العنق التي ترميها مصارف أسواق المال في بلادنا

نحن هنا، نحن الذين نلوّح بموّال عراقي حزين، بموشح حلبي قديم أو بقصيدة عربية فوق خراب سد مأرب.. نلوّح بعقالات رعاة الإبل المخيطة بالعرق لا عقالات الأمراء المخيطة بالذهب، بعباءات النسوة التي جُمعت على عجلٍ كي نخرج في تغريبتنا الأولى في فلسطين قبل سبعين عاماً.. وتغريباتنا الألف في العراق وسورية ومصر وغزة وليبيا، نلوّح لكم كي تنتبه كاميرا واحدة لأغانينا وأدياننا ولغاتنا الأصيلة، التي لا تتسع لها شاشة روتانا ولا تويتر داعش ولا مقالات الحداثيين ومن بعدهم.

نحن الذين ثقب أبناء تيمية دفوفهم في بوادي الجزيرة قبل مئتين وخمسين عاماً ثم أتوا يتصيدون طبول أعراس جبالنا، نحن الذين كسر مقاتلو الحرية أعوادهم في قندهار قبل ثلاثين عاماً ثم أتوا في طلب آخر عود يعزف طرباً في ملجأ العامرية رغم أنف الطيارات الأميركية، نحن الذين دخل سنداغو التتري مرة أخرى إلى موصلهم وخذلها طغاتها مرة أخرى.. نحن الذين تركنا حناجر الحدائين تصدح وحدها في براري الشام، حين أقفلنا آذاننا عن مقامات الموسيقى وانشغلنا بخطابات المنابر.

نحن الذين أخطؤوا حين لم يتعلموا كار الفلاحة من أجدادهم، فصارت بساتينهم مفتوحة على احتمالات الصحراء.. وكذلك مكتباتهم… نحن الذين جرحوا مشاعر ابن رشد حين فتشوا .عن دولة في ورشات عمل الآخرين

نحن الذين لم نفهم أن الدين يكتبه من يحكم.. كيفما يريد، وأن الأنبياء لا يملكون بطاقات هوية، بل أن الأنظمة تسميهم كما تشاء: ذباحين أو رحماء، قتلة أو قتلى، حبّاً أو فتنة بين الناس.

نحن أبناء الناجين من محارق الاحتلال الانكشاري والانتداب الأممي والوصاية الدولية والهبات النفطية وصحف الغاز.. نحن أبناء البسطاء الذين يحبون الله بصدق، كما لا تريد داعش، ولا تريد أميركا.

نحن المهددون بالانقراض.

الفيديو: جلسة طرب بين منشد عراقي ومنشد حموي وغيرهم، يغنون قصيدة هيمتني لمولانا الشاعر الحمصي أمين الجندي (القرن التاسع عشر) الذي اشتهر بالقصيدة التوسلية التي كتبها بعد أن أصيب بالفالج وفيها يتوسل إلى النبي محمد للعطف عليه، وصولا إلى “على العقيق اجتمعنا” لمولانا السهروردي (القرن الثاني عشر) المقتول حرقاً بعد أن جُوِّع، مروراً بقصيدة مولانا ابراهيم بن موسى الشاطبي الأندلسي (القرن الرابع عشر) “يا رسول الله خذ بيدي”.. فمن بعدها مقتطف من قصيدة للشاعر الدمشقي الشاب الظريف التلمساني (القرن الثالث عشر)

هذا تاريخنا، هذه أرضنا، موسيقانا وأدياننا وأنبياؤنا وناسنا وكتبنا وشعراؤنا وفلاحونا ومقاتلونا المرابطون أمام وحوش العالم وهي تصدّر إلى بلادنا، ومؤامرات الثقافة وهي تحاك ضدّنا في حلف الغبار والدولار. هؤلاء نحن، باقون هنا.

إنه العدو التركي

27/02/2015

خضر سلامة

إحرق – دمر – إقتل.

Yak – Vur – Oldur

ينسب الضابط الفنزويلي المرتزقة في الجيش العثماني، رافايل دي نوغاليس في كتابه “أربع سنوات خلف الهلال” هذه الكلمات الثلاث إلى برقية أرسلها وزير الحرب التركي طلعت باشا إلى والي ديار بكر، ليعلن بدء ما سيعرفه الشتات الأرمني والسرياني بعام المذبحة.
الآشوريون يسمون عام 1915 بشاتو دسيفو، أو عام السيف.. قتل الأتراك في حملاتهم ربع مليون آشوري سرياني وكلداني، وأكثر من مليون أرمني، انخفض الوجود المسيحي من 33 بالمئة إلى أقل من 1 بالمئة في أربع سنوات فقط.. وغيروا ديمغرافيا ما سيعرف لاحقا بتركيا ونسفوا تاريخها وأقاموا دولتهم..

ياك فور أولدور: إحرق، دمّر، إقتل.13681365721863126986

وإذا استثنينا الأخونجيين العرب وحلفائهم العلمانيين، لا يتنكر أحد لحقيقة أن داعش ربيبة المخابرات التركية (والأموال القطرية والفقه السعودي).. ليس صدفة أن المقاتلين تختفي آثارهم دائما في اسطمبول، وليس صدفة أن التنظيم الذي يفتك بالجيش العراقي والسوري واللبناني والمصري، وقف متفرجاً على مئات الجنود الأتراك قبل أيام في استعراض القوة.. وليس صدفة أن أي عملية خطف تنتهي بوساطة تركية أو قطرية، لكن هذه كلها ليست حججاً مقنعة لمن يقدم مصلحته الشخصية وتخبطه السياسي وفشله منذ سنوات، على مصلحة بلاده وهي تحترق بنار سياسات العثمانيين الجدد.

لقد دمرت عصابات داعش العثمانية متحف الموصل، وكانوا قد أنهوا الوجود المسيحي هناك.. وهم يلاحقون ما تبقى من آشوريين في الحسكة، هناك حيث لجأت الآلاف القليلة التي نجت قبل مئة عام.

لكن الأتراك لاحقونا بعد أن أعاثوا خراباً في أرض أجدادنا، وثمة من يبرر لهم ولعصاباتهم ويحمل أهل البلاد مسؤولية الوحش الجديد.. قد تكون الخلافات الفكرية مع السوريين القوميين كثيرة، لكن ونحن على باب عيد الميلاد ال111 لزعيمهم أنطون سعادة، تبقى أصالة الفكرة في مقال له عام 1937: “إن الخطر اليهودي (أقول: الصهيوني) هو أحد خطرين أمرهما مستفحل وشرهما مستطير، والثاني هو الخطر التركي”.

ياك – فور – أولدور:

إنه العدو التركي مجدداً، فالمثل الشعبي كان ولا زال نبيّاً كما يقول حكماء بلادي.. والمثل يقول: “عدوّ جدّك.. ما بودّك”.

صندوق الفرجة

20/02/2015

“صندوق الفرجة”
*
يدور صاحب صندوق الفرجة في القرى، يركن عربته تحت شجرة في ساحة القرية كما يركن الغجر سيركاً كاملاً كأنه كامنٌ في صندوق… وكون “صندوق العجب” من وسائل الترفيه النادرة آنذاك، كان أطفال الضيعة يتهافتون صوبه كلما سمعوه قادماً:
“شوف تفرج يا سلام.. شوف احوالك بالتمام.. شوف قدامك عجايب.. شوف قدامك غرايب.. تعا تفرج يا سلام.. على عبلة ام سنان.. هيدا عنتر زمانو.. شوفو راكب ع حصانو.. هيدي هيي الست بدور.. قاعدة جوا سبع بحور.. الأركيلة من كهرمان.. وسريرها من ريش نعام”.

صندوق الفرجة

**
كانت التعريفة خمس قروش (فرنك واحد).. يحصل من يدفع مالاً على حظ الجلوس على الدكة الخشبية، أما من يدفع برغيف خبز أو بيضة أو فواكه، فكان يضطر أن يتابع القصة واقفاً منحنياً. ثم يبدأ “العمّ” (وكان غالباً من أبناء قرى إقليم التفاح) ببرم البكرة التي تحمل رسومات عن عنتر العبسي قاهر الفرسان والزير سالم بطل المعارك والشاطر حسن ربيب الغيلان والست بدور الأمينة على عز البرامكة، وعلي الزيبق صيّاد الجن وغيرها من الشخصيات الشعبية، فيما يضع الأطفال رؤوسهم في الكوّات الخمس أو الست وهم يتفرجون على الرسومات بترتيب مرورها على كل كوّة من اليمين إلى اليسار.. و”العمّ” يحكي لهم القصة و”يشوبر” بيديه ويعزف بمزمار أو بوق ليدخلهم في جو المعارك المحتدمة.. داخل الصندوق.
وحين ينهي عرضه، يجر بائع الفُرجة صندوقه خارج القرية متجهاً صوب أطفال آخرين وهو يكمل أغنيته بوصية للأطفال: “الدُنيا صندوقة فرجة، لا تغرّك فيها البهجة، من يوم ما خلقت عوجة، لا تبكي عليها ولا تنوح”.
***
مع الوقت، لم يعد بائع الفُرجة يزور ساحاتنا، ربّما لأن بلادنا وُضعت على عربةٍ حتى صارت ساحاتها هي “الفُرجة”، وصار العالم كله يسترق النظر من كوة نشرات الأخبار على أوطانٍ تُهتك باسم ألف خلاف وموت واحد، ولم نعد نحن الأطفال بحاجة لعربة عجَب كي نندهش، فيومياتنا أعجب من العجب… أما المعارك، فرسوماتها صارت تأتينا زحفاً وهي تطرق أبوابنا حاملةً أبطالها صرعى باسم الحضارة.

****

قد يكون صدري آخر صناديق الضيعة يا صغيرتي، عنتر العبسي يحفر أشعاره فوق شريان يضرب به الزير سالم أعداء البلاد، ويكتف به علي الزيبق كل الجنّ الذين لا يجيدون الرقص.. تسقي به الست بدور جنائن بابل المعلّقة، ويمده الشاطر حسن حبلاً للجميلة العالقة بين أنياب الوحش.

صدري آخر صناديق الدنيا: فادفعي ما تريدين من دفء في صقيع الوطن هذا، ثم ضعي رأسَكِ في كوّة القلب وتفرّجي على صور الناس: سأحكي لكِ كل القصائد وكل الأساطير وكل القصص التي أعرفها وأخاف أن تضيع…

سنودن القطاع المصرفي برسم الإعلام اللبناني

11/02/2015

يقول البعض أن هيرفي فالسياني قد يكون “سنودن القطاع المصرفي” إذا ثبتت صحة المستندات التي سربها عن الحسابات السرية في مصرف HSBC ​

ورغم أن الضجة تثار اليوم بعد أن أنشأ 130 صحافي استقصائي من حول العالم موقعاً لنشر المعلومات عن هذه اللائحة بالتعاون مع جريدة لوموند الفرنسية، إلا أن قضية فالسياني قديمة جداً وتعود إلى عام 2007، وقد أغارت المخابرات الفرنسية على منزله وصادرت اللائحة عام 2008، كما حاول بيعها للقضاء الأميركي الذي فضل الدخول في تسوية مع المصرف قبل سنوات، وسبق لصحف عالمية أن غطت قضيته مراراً بين عامي 2008 و2013 قبل أن يهتم العالم بها اليوم.

إلا أن الجديد اليوم هو تسريب بعض الأسماء: من الممتع حقا أن تجد أسماء كسلطان عمان وملك الأردن وبندر بن سلطان ورئيس مصر المخلوع بالإضافة إلى الأسرة الحاكمة في البحرين وملك المغرب وصهر الرئيس التونسي المخلوع، في هذه اللائحة.. رغم أن عدم نشر الأسماء كلها دفع البعض للتشكيك في نوايا المجموعة الصحفية واستخدامها للقضية بأهداف انتقائية.

ترتيب البلاد حسب مجموع الأموال   المخبأة

ترتيب البلاد حسب مجموع الأموال
المخبأة

الغريب أن الإعلام اللبناني الذي يتحرك من أجل موزة زيزي لم يتفاعل بعد كما يجب: خصوصا أن هناك حديث عن أن أكثر من ألفي لبناني متورط في اللائحة التي تحوي أكثر من مئة ألف إسم من حول العالم.. بعض الأسماء واضحة والأخرى يمكن استنباطها من خلال أسماء الشركات المتورطة على قلة ما نشر من معلومات حتى الآن، فيما يحتل لبنان المركز الثاني عشر في مجموع الأموال المخبئة عن مصلحة الضرائب فيه من قبل شخصيات عامة: أكثر من أربع مليارات دولار.

مفتاح القضية قد يكون في لبنان، فعشيقة فالسياني السابقة ومساعدته، لبنانية تدعى جورجينا مخايل (وهي رفعت دعوى قدح وذم على فالسياني).. وهي رافقته في زيارته عام 2008 إلى لبنان حيث التقى بأربع مصارف عرض عليهم اللائحة وحاول أن يبيعهم إياها وقال أنه تعرض لضغوط اسرائيلية لكشف معلومات عن حسابات لمسؤولين من حزب الله وصلت إلى حد اختطافه -كما زعم- من قبل الموساد.

للأسف لم تنشر اللائحة كاملة حتى اللحظة… إلا أن قضية التسريب لا يبدو أنها ستنتهي قريباً، فهل يتحرك الإعلام اللبناني للغوص في قضية فالسياني ولوائحه وسبر أغوار الأسماء اللبنانية التي تهرب أموالها خارج البلد وتخفيها عن الضرائب وعن ضرورة التصريح عند تولي ومغادرة المناصب.. لا سيما إذا كان من ضمنها شخصيات عامة من كل القطاعات: سياسية وأمنية واقتصادية كما هو الحال مع الأسماء التي نشرت حتى الآن، وهل يستحصل الصحفيون على حقيقة ما حصل مع فالسياني خلال زيارته للبنان، ومن هي المصارف التي عرضت عليها اللائحة، وما علاقة HSBC لبنان بالمصرف الأم وهل لعب دوراً في تهريب أموال المتورطين؟

أسئلة كثيرة… تضعها مدونة جوعان برسم الإعلام اللبناني والنيابة العامة التمييزية لتتحرك كما فعل القضاء في أكثر من دولة حتى الآن في موضوع يمس المصلحة العامة.. خصوصا أن الواضح أن الدول تملك القدرة على الدخول في تسويات تعيد جزءًا من الحقوق إلى الخزينة العامة (الولايات المتحدة حصلت على قرابة ملياري دولار من المصرف مثلا فيما استعادت اسبانيا حوالي ثلاثمئة مليون ونصف من الأموال المستحقة)

وطني ليس دائماً على حق

08/02/2015

خضر سلامة

تقولُ يا صديقي، أنني أحاول أن أفقأ عين التاريخ المدرسي الذي نعرفه كثيراً وذلك لا يخدم الوطن ولا قصص الوطن،

فما هو الوطن وما قصته؟

دعني أحكي لك قصةً طويلة ومملّة ربما، لكنك لن تجدها في كتب المدرسة ولا الأناشيد الوطنية ولا برامج السياسة:

كان العام 1920، وكانت المقاومة في ما سماه الاحتلال الفرنسي “المنطقة الغربية”، وضم منطقة جبل عامل حتى غوطة الشام تتصاعد.. يحكي العجائز أن موقعة كبيرة وقعت في قرية الخربة اللبنانية اليوم، أوقعت عشرين قتيلاً من الجيش الفرنسي وأعوانه هزّت فرنسا.

حاول الفرنسيون أن يحولوا المقاومة إلى حرب طائفية، وأنشؤوا المثال الذي تعلمه الاسرائيليون لاحقاً في تجربة جيش لحد، وضعوا ضباطاً مسيحيين من قرى جبل عامل في إدارة متطوعين محليين عملاء (عرفت بالميليشيا)، وكادت المقاومة أن تقع في الفخ.

جرى مؤتمر وادي الحجير في نيسان 1920 على عجل، ورسم الخطوط العريضة للقضية وأصر على رفض الاحتلال الفرنسي وأفتى بحُرمة الاقتتال الطائفي.

عندها عرف الفرنسيون أن مشروع الفتنة انتهى: جردت فرنسا في أيار حملة عسكرية بقيادة الكولونيل نيجر آمر فصيلة صور آنذاك وضمت إلى أمرته فصيلة ارلابوس في النبطية، دعمتها صحف بيروت آنذاك لا سيما لسان الحال والبشير، وابتدأ القتل.

أدهم خنجر وصادق حمزة

أدهم خنجر وصادق حمزة

دمرت معظم قرى جبل عامل بالمدفعية، وانكفأ معظم أهل البلاد إلى شمال فلسطين، أما من بقي في قريته كما حدث لأهل قرية فارة، فقد عملت فيهم الرشاشات.

قُتل الآلاف في أيام، ولم تكن المقاومة البسيطة تملك حظوظاً كبيرة مع تخلف الدعم العربي.. لكنها أوقعت بالاحتلال هزيمتين كبيرتين في مرجعيون بدعم عربان الجنوب السوري، وفي كمين في قاقعية الجسر، وصمد صادق حمزة مع رجاله على طريق بنت جبيل حتى نفذت ذخيرتهم وانسحبوا.

إلا أن أشهر معارك حملة نيجر الدموية، كانت معركة المصيلح، حيث اختار نبيه بري قبل سنوات بدهاء أن يضع قصراً، بعد أن أنهت حملة نيجر المكونة من 4500 جندي فرنسي ومعهم الميليشيا من نهب قرى خط ساحل صور توجهت إلى النبطية، هناك كمن لهم أدهم خنجر ومعه أقل من خمسين مقاتلاً: استمرت المعركة لسبع ساعات متواصلة بين البنادق القديمة والعربات الثقيلة حتى نفاذ الذخيرة ولم يقتل مقاوم واحد.

من بعدها.. نهبت ما تعرفه اليوم بمنطقة جنوب لبنان تماماً ودمرت قراها وقتل من بقي فيها من أهلها، ونتحدث هنا عن خسائر على حجم كارثة وطنية، ثم فرض الفرنسيون “تعويضاً” لقتلاهم وجرحاهم على أهالي القرى بمئة وخمسين ألف ليرة ذهبية جُمعت من بيع الأراضي والأملاك الشخصية البسيطة.

الآن، عليك أن تتخايل ما حدث لأبطال هذه القصة بعد حملة نيجر التي لا يدرس عنها أحد: أعدم أدهم خنجر مع مئات من الثوار بعدها بأشهر، واغتيل صادق حمزة، أبيدت عائلات المقاتلين الذين كان يملك العسكر الفرنسي أسماءهم، أنهك المعقل الأخير للمقاومة المسلحة في ما سيُعلن الحاكم الفرنسي عن ولادته بعدها بخمسة أشهر في أيلول 1920: دولة لبنان الكبير التي فرضت على المهزومين سياسياً شمالاً وبقاعاً وجنوباً بعد هزيمة يوسف العظمة في معركة ميسلون في يوليو-تموز وانتهاء حلم الحكم العربي، مُحي اسم جبل عامل من الدولة الجديدة وسمّي “جنوب لبنان”، تم تدمير البنية التعليمية والاقتصادية لسنوات كان ثمنها بداية نزوح قاسٍ نحو المدينة-العاصمة الجديدة. (سرّعه الاحتلال الاسرائيلي لاحقاً)

ثم أصبحت فرنسا مدرسة في الديمقراطية والحرية بل ونتضامن معها ضدنا أحياناً وكتبنا تاريخاً مدرسياً لا يزعجها، وينزعج مثقفونا حين نحكي لهم قصصاً خشبية كهذه، حتى أن لبنان التمام والسلام احتفل قبل أشهر فقط من عام 2015 بمرور 125 عاماً على إعلان لبنان الكبير دون أن يتكلم أحد عن كيف أنشئ هذا اللبنان الكبير، مسلّمين ب”قداسة قصة الوطن”.

لا مشكلة شخصية بيني وبين لبنان اليوم، فهو اليوم الوطن الذي أعرفه وأحبه لأن أهلي وأرضي وقبور الناس الذين أعرفهم وبيوتهم، هنا، لا أكتب معترضاً على شرعيته ولا طامحاً بوطن أكبر أو أصغر، أنا أفتش في التاريخ فقط لأن آلاف القتلى في حملة نيجر الفرنسية عام 1920 لهم أشقاء ولا شك في كل دول العالم، لا يراد لأحد أن يقرأ عنهم.


%d مدونون معجبون بهذه: