Archive for 30 أغسطس, 2009

عن رحيل المتنبي وانتظار الوطن

30/08/2009

رحيل المتنبي

خضر سلامة

رحل المتنبي…

الآن شُيّع إلى ضريح القافية الأخيرة…

 أبناء الوطن

ملّ شاعرنا من صوَر الموت المزروعة كالمشانق على أرصفة وطننا، مل من الدموع التي تحتل ملامح صحفنا، من الرعب المعلق على شوارع مدننا المنكوبة بالدم، معذور هو المتنبي بموته، قد آلمته طوابير التراجع الممتدة من الخليج الى المحيط، أرهقته خيبات التاريخ، وجراح الخرائط الممزقة بالتشرد!

مأساة نبينا عظيمة، كانت وحيداً بعروبته النابضة، بأمميته الساطعة، وحده كان خنجراً في وجه القلم، حتى سيف الدولة تركه وهاجر، كسر سيفه واقتنى غليوناً واصطف بانتظار العبور صوب بلاد الغرب، أحرق عمامته وأعدم كل شعراء الوطن، ثم اغتال الأبجدية العربية واستبدلها بالدولار الأمريكي، تركه سيف الدولة ، رهن الأرض والعرض، ليحتسي كأساً، باع جنده، ليشتري تذكرة سفر…

حتى صديقه اللدود الحمداني، رحل، تاب عن الشعر مزق كتبه، تطوع جندياً في جيش الأعداء وتزوج بنت ملكهم طمعاً في جنسية تشبع نهمه لوطن، داس على الهوية العربية وتباهى بجواز السفر، صار الآن يكره كل الحمائم، كل الطيور، قد احترف صيد العصافير التي تغني للحرية، كل البلابل التي اعتادت أن تغرد للقمح، صار يعشق بتر أجنحتها!

صار متنبينا وحيداً كالكرامة، مستهدفاً كالوطن، مكروهاً كالحق، معذباً كالثورة، منفياً كالقصيدة، كافور نُصِّبَ إلهاً فوق عرشه المجبول بجماجم الكادحين، يبرك كالجاموس على أرض الحجاز، يرقص رقصة الموت في الرافدين، يسبي مصر الى خنادق الخيانة، يُحرق علم فلسطين ويدوس على عيون أطفالها، صار الآن إلهاً يسبّح الفقراء بحمده ورضاه، رائحته النتنة قتلت كل الأنبياء، كل المغنين، كل الشعراء… لا فرق بين كافورٍ وكافور، فبين المحيط والخليج رائحة الهزيمة واحدة.

آه يا وجع المتنبي، يافا أُحرقت أمام عينيه، ونيرون يعزف أغنية الدمار، بغداد سباها المغول وهولاكو يزني بحضارتها الضائعة، سقطت غرناطة للمرة الألف وما أعادها لا زيرٌ ولا عنتر!

يأس الشاعر، كل سفارات العرب أنكرت عينيه المزهوتين بالحلم، أنكروا شفتيه العاشقتين لياسمين بلادي، ممنوع هنا أن تعشق، ممنوع أن تنتصر، ممنوع أن تعلن أنك عربي، ممنوع أن "تغامر"

******

"بِمَ التَّعلُّل لا أهلٌ ولا وطن … وَلا نديمٌ وَلا كأسٌ وَلا سكن!"

يستيقظ المتنبي على صوت صياح الديوك العربية، والإذاعات العربية،

يخبره جواده، أن الماء في بلادنا صار مطعّماً برائحة الصحراء، مكسواً بالغبار وبالكبريت، لكأنّ الماء فيه نكهة تشردنا…

تخبره الشمس، أنّ حبيبته خلعت عنها سمرتها، ومحت شعرها الأسود، وشوهت شفتيها العربيتين، وارتدت إسماً أجنبياً…

تخبره الريح بأن الطيارات العربية لا زالت في كبوتها، وأنّ خيوط العنكبوت الاسرائيلي لا زالت تخنق أرضنا وتسرق زيتونها وتينها ويافها وحيفها…

تخبره الأرض بأن صليل السيف استحال الى نغمةٍ في أغنية طرب، وأن طبول حربنا صودرت لتعزف عليها الأنظمة سيمفونية الصمت، وأن مدافعنا لا يعرفها الا شهر رمضان كرسياً على موائد العرب.

تخبره الطيور بأن الصياد في بلادنا صار له تاجاً ومملكة، وأن الرصاص ما عاد يُطلقُ الا ليحرق كتاباً، او يكسر قلماً، او يسحق يداً تقرأ…

يمسح دمعته بكفه المنقوش بلون الكحل في عينٍ عربية، يحلف ببسمةٍ بقيت في وجه طفلٍ من قانا، يحلف بحجرٍ مزّق دبابة في غزة، يحلف أن "كم قد قتلت وكم قد مت عندكم ثم انتفضت فزال القبر والكفن"

******

لا مكان للحلم في عصرنا الأمريكي ولا للأنبياء، لملم كتب التاريخ ورحل، ودع رفاق الدرب، قبّل جبين سميح القاسم، بكى فوق ذراعي مظفر، شدّ على أنامل ناجي العلي، كتب رثاءً في خليل حاوي، مسح الغبار عن عيني لوركا، رحل المتنبي، ترك كارلوس تحت رحمة معتقليه، ترك زنازين فلسطين ترسم رغم الجلاد وعداً بالعودة، زرع في صوت الريح الراحلة الى العراق وعداً بالحرية الحمراء، ثم عانق أرض الجنوب واختارها كفناً، يضيء قنديل شعره بلون الإنتصار… إنتصارٌ بوجه حكام الطوائف العربية، إنتصارٌ بوجه الخلاف العربي، والانقسام العربي والتخاذل العربي…

******

ما أقساك يا وطناً تموت ألف مرةٍ ولا تنتصر على نفسك، ما أقساك يا وطناً يموت أبطالك في آخر الرواية، يا وطناً تشرب كل يومٍ من نفس النهاية، يا وطناً تخاف من وجهك المشرد في المرايا!

ما أقساك أيها الممتد بين المحيط والخليج، ما أقساك يا وطني… يا وطني الرائع يا وطني…

Bookmark and Share

قيمة الرسوم المستوفاة على صفيحة البنزين في لبنان

29/08/2009

 

سعر البنزين في لبنان 

وهكذا، تبعاً للجدول أعلاه يا رفاقنا وأخوتنا وزملائنا في الوطن، تكون قيمة الرسوم التي ندفعها ضمن سعر الصفيحة حوالى 39 بالمئة، وهي القيمة الأعلى في العالم، لماذا يجب على المواطن أن يدفع في سلعة أساسية ضرورية لحياته، رسوم سد ديون دولة، تغض النظر عن مصادر أخرى يمكن أن تسد دينها عبرها، كاسترجاع الأملاك البحرية التي تحتلها مؤسسات ومشاريع أمراء الحرب والطوائف، أو فك التعديات على شبكة الكهرباء وتحسين وضع الجباية، أو إعادة النظام الجمركي الذي ألغته قوانين منظمة التجارة العالمية الجائرة… لماذا على المواطن أن يعاني في سلعة أساسية تؤثر في معظم أمور حياته، فتؤثر مثلاً في كلفة النقل الخاص والمشترك وفي سعر المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية بعد وصولها من المنتج الى السوق، كما تؤثر في سعر المزروعات عند العرض.. إلخ.

لماذا نعرف كل ذلك، ونسكت؟ ولماذا نعود إلى منازلنا لنتذمر أمام نشرات الأخبار وصفحات الاقتصاد في الصحف؟ لماذا نقبل بسد ديونٍ أنتجها من استفاد منها ولم يفد أحداً منا؟ بناء الدولة، يكون ببناء وعينا كمواطنين، وببناء حقوقنا وواجباتنا، وواجبنا، أن نرفض الظلم والاقتصاد المجير لمصلحة الأغنياء!

وبعد كل ذلك، وما يفاقم من غضبنا، أن يقوم محافظ بيروت، الموظف التابع المطيع لمؤسسات الرأسمالية اللبنانية بشقيها الليبرالي المصرفي والاقطاعي العائلي، أن يقوم بالمماطلة في اصدار ترخيص لاعتصامنا المقرر الأحد في 30 آب، ما أدى الى تأجيله.. محافظ بيروت ممثل اللصوص في مسرحية احراج المنظمين لاخراجهم من اعتراضهم، ليضمن لأسياده اطفاء الوعي في من تبقى من العارفين بحقيقة مؤامرة تحاك كل يومٍ على جياب الفقراء.

جوعان.

Bookmark and Share

شحادين يا بلدنا

28/08/2009

خضر سلامة

“جميعنا مدعو للمشاركة في اعتصام نهار الأحد عند العاشرة والنصف في ساحة رياض الصلح ببيروت ضد غلاء أسعار البزين والمحروقات”

ما معنى أن يكاد يكون سعر "تنكة الحليب" حالياً أغلى من سعر "تنكة البنزين" الغالية اصلاً على جيب المواطن وقلبه؟

هذا يعني أن فقراء اليوم ليسوا كما الأمس ملوكاً للصفيح وللتنك.. فهذه الأخيرة، على مقياس وزير الاقتصاد الوطني لقياس حرارة المواطن من قفاه، مجرد كماليات وصور برجوازية، ذكر في وصايا البنك الدولي العشر بأن تتخلى الدولة عن دعمها، فهي رجس من عمل الجياع، والجياع لا مكان لهم في لبنان الأخضر (من باب الصدفة والله أن الدولار الأميركي أخضرٌ هو الآخر)، السيد محمد شطح، وزير المال، لا يهون عليه أن يرفض طلباً للبنك الدولي، وسنستجيب لهم حتى آخر كالوري في جسد المواطن اللبناني، يشطح صعوداً في الضرائب على الفقراء، ويهدي الأغنياء باقات من عظام المتسولين على أبواب الزعماء.جل من قال "نيال الي عنده تنكة بلبنان"ثم إن الجياع كمية في دستور حزب الكتائب مثلاً، والنوعية المطلوبة في دولة الرجل الأبيض (كبياض فؤاد السنيورة مثلاً.. بشرته، لا قلبه الأسود)، وصفها بدقة رسول الرأسمالية عليه السلام فرانسيس فوكوياما (لا بد أن رياض سلامة يتوكل باسمه كلما همّ بالتبسم)، وصفات النوعية في دولة النوعية: دفتر شيكاتٍ جاهز لشراء وطنٍ وبيع آخر، حقيبة سفرٍ فيها ألف عنوان لألف انتماءٍ وألف يدٍ تنهب وألف لسانٍ يتقن فن الشعر وفن الخطابة، وأخيراً، بذلةٌ سوداء منمقة لأجسام وزراء جميعها "لبّيسة" (يرجى مراجعة السيد جو سركيس لمزيد من التفاصيل)، وخطابات أنيقة، تقدّس الفاسدين الذين خربوا الاقتصاد وجوّعوا المواطنين جوعاً حريرياً خالصاً، وتكفّر الخارجين غضبا عن طاعة الطوائف ليحرقوا أو يخربوا أملاك من خربوا أحلامهم.

lebanon82

الفقر كافر، والفقراء لهم الله، لا حزبه، فنواب حزب الله المنتخبون من قبل المناطق الأشد فقراً، لا وقت لديهم لمتابعة القضايا الهامشية، كسعر صفيحة البنزين، أو وزن الرغيف، أو حال موسم الخضار: النواب الكرام يواجهون المؤامرة الأمريكية، ويواجهون المشروع الصهيوني، ويواجهون الخطر المصري، ويواجهون، في الوقت المستقطع، كماخة القوات اللبنانية… أما الجياع، لهم الله.. لهم الله.. لا حزبه.. إلا يوم الاتخابات طبعاً!

وحده ماريو عون لا "شأن" له إلا بشؤونه الاجتماعية، وهذه الشؤون تتركز في تدعيم العلاقات الاجتماعيات عبر عشاءات العمل مع اهم الكوادر وأكثرهم "لقلقة" لمعرفة آخر أخبار التيار. شؤون الوزير الاجتماعية لا شأن لها مثلاً بأزمة الاستشفاء، ولا شأن لها بجارنا الذي أصابه القدر اللبناني في مقتلٍ فجاع مع ابناءه، ولا شأن للسيد الوزير بتدهور الأوضاع المعيشية، صهر الجنرال يجب أن يشارك في الحكومة، وليكن الطوفان.حسناً، على الأقل، يستطيع السيد طلال إرسلان، أن يتنفس الصعداء وأن يتفرغ لديمقراطية حزبه الوراثية قريباً، فثقل وزارة "الشباب والرياضة" قد ينحف قليلاً، حين يعلم سعادة الوزير أن الشباب اللبناني صنفته جمعيات الحزن والغربة الدولية صنفاً مهدداً بالانقراض، أما الرياضة اللبنانية، فهي جديد منظمة الأونسكو على لائحة التراث العالمي، أما غريمه الاشتراكي، التقدمي، المنضوي في جميع الخنادق السياسية الموجودة، يتجشأ كلما فرغ من نهب خزينة أو صندوقٍ ما، يتجشأ خطاباً ثورياً.. لا تقدمية فيه، إلا على مقياس أسعد حردان للفكر الاجتماعي.

فليمت الجائعون بالجوع إن سكتوا
والمتخمون بالتخمة إن سرقوا
والعاطلون عن العمل بمللهم إن سكنوا
وليمت الموتى بكثرة الموت إن قبلوا بالموت
والشعراء بعجز شعرهم إن لم يحركهم الصوت
وليمت المتعايشون بلعنة التعايش إن كان بدعة
والمنصهرون بحماوة الانصهار إن كان خدعة
وليمت الموالون بشدة الموالاة إن صفقوا
والمعارضون بشدة المعارضة إذا انفتقوا
والحياديون بفراغ الحياد ان تفرقوا
وليمت كل الصامتين بصمتهم لأنهم أقل من لا شيء بكثير.

وحدهم المنحازون يعيشون، وحدهم المنحازون "لمن هم تحت" يُقتلون ألف مرةٍ ولا يسكتون، يكتبون على الشفاه الجافة، على المعاول المكسورة، يكتبون على الجدران في أحزمة البؤس، يكتبون على كل شيءٍ ذكرياتٍ ثم يرسمون وردة، وباسم الجوع يأكلونها، ثم يرسمون أخرى.

وحدهم الذين يعرفون أن الصراع لن يكون الا طبقياً، ينتصرون، لأنهم لا يموتون، يتكاثرون كالديدان في جثة النظام العالمي المتهالك، ينتظرون دورهم، وحين يحين الوقت المناسب كي يأكل الشعب حجارة  سرايا نظام القمع، حين يحين الوقت كي يشرب الشعب من أعين من شرب بجماجم أطفاله، حينها، سيعود شبح موسوليني مشنوقاً من رجليه مرةً أخرى، كي يصطحب ألف فاشي آخر، وألف محتكر لأعمارنا وأقدارنا وأموالنا.

بالمناسبة، أرفق المقال بدعوة الى اعتصام الأحد، اليسار جميعه لا بد أن يكون هناك، والفقراء جميعهم أرسلوا إما دموعاً وإما طياراتٍ من ورقٍ عليها أحلام أبنائهم، كل اليساريين هناك، إلا الديمقراطيين منهم، وبعض الثوريين جداً حد التفاهة، كان الله بعونهم، وبعون المطاعم الفاخرة التي ستكتظ بهم وهم ينظرون في حقوق المثليين والتحرر الجنسي.

ما أضيق العيش لولا فسحة القلمِ.

شحادين.. يا بلدنا

Bookmark and Share

من يملك مفتاح البحر؟

27/08/2009

 

خضر سلامة
لو أن الصورة لها رائحة، ولو أن للصورة صوتاً، لحملت معي بحر صور هديةً لمن يبحث عن غرفةٍ من زمرّد: كل بحار العالم تسقط موجاً بين الشاطئ والشاطئ، إلا بحر هذه المدينة الداخلة كسيفٍ من سكينةٍ في ثغر الجنوب، موجه بين العين والعين، والقلب أيضاً، يحمل نفسه على مرايا الماء، ويرمي بالحكايات عند قدميك، فاركع قليلاً أيها الزائر، ولتؤمن بشيء، أيّ شيء، صلِّ لإلهٍ بثيابٍ رثّةٍ يخرج من زندٍ أسمر في قارب صيد، صلِّ لزنبقةٍ هاربةٍ من زحمة ما تركت في العاصمة، صلِّ لصور، لأسطورة فينيقيةٍ كسرت عنق التاريخ وحبسته في زجاجةٍ من حبر، من بحر، ثم ارسم باللون الأزرق سماءً أجمل من تلك المثقلة بالضوء:
«لا تحتاج للضوء كي تتحسس نهدي امرأةٍ جميلة.. صور، أنتِ امرأة جميلة»

2946288329_49efa07a84
كيف يعلّمك البحر درساً وحشياً في الحب؟ الرمل على كتفيك تاجٌ لأميرٍ ضاع في صحراء عيني أنثى، وما سقته من قبلة، والملح يشبه طعم الفراق والمسافة، وصفعات الموج على وجنتيك توقظ ما بقلبك من حنين وتؤذن للشعر، «حيّ على الثمالة بصوتها، حيّ على أجمل حب».. الذكريات كالزبد، تتكسر كل ثانيةٍ وتذوب، ليعاجلك البحر بأخرى تشبهها..
سجّل على ورقةٍ من حزن، أنت لا تستطيع أن تقنع امرأةً من نرجسٍ أنك لا تكتب إلا لها ولو كنت في سريرٍ آخر، ربما وجوه الإناث كالماء، لا يختلف بعضها عن بعض، إلا وجه التي تحبها، صنعه الخالق من معدن البحر، والبحر فريدٌ كفرادة لمستها، والكلمة وفيّة، لا تقبل أن تدخل في جملةٍ مزوّرة، أتراها تصدّق الآن أني أكتب لها، وحدها؟
اتركها كي تنام، وعد أيها القلب ــــ الطفل إلى لعبتك، سأعمّر قصراً من طين مع الأطفال الغاضبين من الموج العاتي.. «وإن دمّر الموج حلمك؟».. عندها سأركض خلف طيارةٍ من ورق تسرقني من السبات الصيفي والشتوي إلى يقظةٍ من فيروزٍ فوق جناح الشمس، وأسمّي نفسي نيروناً مجنوناً.. «وإن هزمتك اللعنات وأحرقت عرشك؟».. لن أحزن، سأقفز فوق حائط القلعة، وأسرق حجراً من آثار صور كما يفعل كل الأطفال في عمري، وسأهرب من غضب الحراس ممتشقاً طيشي، كهنيبعل.. «وإن هزمتك روما وجيوش روما وأنظمة روما؟».. سأسامحهم من فوق صليب الحروب الجميلة، وأدخل في صنارة صيدٍ عند المغيب، وغداً أنفض عن شفتيّ رماد التعب، وأخرج من جديدٍ إلى البحر كطير فينيقٍ، تعرفه صور جيداً.
أنا في صور. البحر من أمامي، والبحر من ورائي. البحر في رئتيّ يستنزف كل أحزاني، وصور جزيرةٌ يحيطها الفرح من كل ناحية، ويحكمها الصمت في حضرة شاطئها، والمجد: كل الغزاة تركوا دماءهم ممزقةً على أشرعة الصيادين، ممزقةً على أصوات باعة الخضر وتعب أبناء الفقر ورحلوا طغاةً مهزومين أمام زئير السهول التي تنتظر أمر حقول الموز اليانعة. كل الحروب والحصارات والمجازر مجرد شائعة في صور. لا شيء أكثر حقيقةً من طفولة جنوبية سمراء تتراقص على إيقاع أغنيةٍ تعني شيئاً لنا.. من يملك ريّ ظمأ السائل بخبث عاشق: البحر بيضحك ليه؟
.. من يملك مفتاح البحر؟

جريدة الأخبار
عدد السبت ٣٠ آب ٢٠٠٨

Bookmark and Share

صباح الخير يا بيروت

25/08/2009

خضر سلامة

صباح الخير أيتها القديسة المغتصبة بالمال… صباحك يا بيروت.

hanzala 240x320 للمرابطين في شوارع ستينات القرن الماضي يلوحون من خلف البحر لعبد الناصر وينتظرونه إلاهاً عربياً على قمم الأرز مأخوذين بعاطفة العروبة وعقل القضية.. صباحهم.

وللذين شرّعوا قبيل التقاتل نافذة الفجر على كوفية فدائي ومسحوا جراح الخارطة الفلسطيني ة بالنقش على الحيطان أنشودةً وصراخاً… صباحهم أيضاً.

صباح تل الزعتر والنبعة وشاتيلا… وشارع صبرا المتكيء على أشلائنا المأخوذة بالتاريخ، صباح الويمبي وصيدلية بسترس، صباح الشوارع وذاكرتها التي لا تنَسى، ولا تسامح، فالمسيح في بيروت أقسم هذه المرة من فوق صليبه ألا يغفر لمن يدرون أو لا يدرون، فحذروا طوائفكم من بيروت.

أي شيءٍ يخرج من قهوة الماغوط على شرفة البحر؟ وأي شيءٍ يعود مع حنجرة مظفر البذيئة في هذا الزمن البذيء؟ ولماذا تصفعين عينيّ بالدمع كلما قرأت نزار، أو قلبت في وجه درويش بحثاً عن ملامحك الحزينة يا بيروت؟

لست مأخوذاً بفيروز اليوم، ولا حملني إليك عشقٌ ولا شوق.. بل حملني جلد الذات، يا بيروت التي أحرقناها غضباً مرة، وأحرقتنا بالحسرة مراتٍ مرات.. ندمٌ إن عرفنا أنّا أسقطنا من يديكِ قلماً، وحمّلناكِ بغباءٍ دفتر شيكات.. نندم إن رأيناهم يشدون عليك ربطة عنقٍٍ تخنقنا بصور الحطة والعقال الساقطتين عن كتف انتمائنا… ما أقبح وجهنا في مرآة البحر على رمالك.. ما أقبح بيروت التي لا أظننا نعرفها، ما أجمل بيروت التي نشتاقها عندما يأخذنا الخمر إلى خط ماجينو… هزَمَنا المال، وهزمتنا الرجعية التي تتقي بقشرة الحضارة.. والعولمة!

صباح الخير والزعتر، صباح الكنيسة التي لا زال خادمها يقرع جرسها ولم يُستبدَل بعد بجرسِ «ديجيتال»، صباح الجامع الذي يعتلي مؤذنه الشمس ليصدح باسم الله ولم يسجل صوته بعد على مذياعٍ ينشّز ازعاجاً.. صباح الله أيتها المؤمنة التقية.. صباحك أيتها الداخلة الى فراش العز والمجد والشعر.. وبعض الشعر تأريخ.

صباح الخير لوجوه الفقراء الآتية من ساحة البرج، للأبيض والأسود في حكايات والدي عن بائعي الخضار وماسحي الأحذية المأخوذين بحلم المخمل على أكتاف الطبقية… صباح المدينة التي ألبسوها فرح الأضواء لتخفي غصباً ليل الجائعين، والتي يكنسون عن وجنتيها الورديتين عرق النازحين من التعب إلى التعب، وهي، كطفلةٍ مكسورة الخاطر، تبحث عن بكارتها تحت رؤوس الأموال المتكدسة عفناً وعهراً… وأسمعها تبكي وإن زوروا بكاءها بالضحك، وبربيع «الازدهار».. مثلاً.

لكم أنتم بيروتكم ترقص مع اللصوص على جثث الهاربين الى وطنٍ آخر، ولي أنا بيروت أخرى لا زالت ترقص على نغم «هنا جيش الدفاع الاسرائيلي، لا تطلقوا النار… نحن منسحبون».. لا.. بل مندحرون!!

لكم بيروتُ أخرى، يزني بها النفط العربي والدولار الأميركي، ولي أنا بيروت تتأبط معولاً، وتنصب للجنوبيين خيمةً ثم تمضي للقتال إن نادتها يافا.

لكم مدينة أخرى في بلاد أخرى، ترتفع بالاسمنت بوجه الشمس وتتكبر… ولي أنا مدينةٌ من عمر الزبَد، لا زالت تعانق الأرض وتحْضِر ماءً لفلاحٍ في البقاع وزوادةً لآخر في عكار، وتكابر لا تتكبر!

لكم الموفنبيك والفينيسيا، والملاهي الليلة، ولي أرجوحة العيد الصدئة، وكورنيش البحر وصنارة الصيد.

لكم بيروت التي تتجشأ طرباً وأفخاذاً وتزدحم بالأثداء والجنس، ولي بيروت التي تسهر مع قلمٍ ودفتر، ومقعدٍ عجوزٍ في حديقة الصنائع يهتف حباً وقمراً ووطناً وبكاء.

«مطرح ما بدك روح.. بيروت هي الروح».

تلك بيروت، فلا بيروت تجدها في الشفاه الغليظة للمستقبل، ولا هي تلك التي تطلع في صفحات الأخبار.. بيروت في القلب، وفي الذاكرة أيضاً.

بيروت، وإن كنتِ حرفاً على ورقة، لك من ناجي العلي كل يومٍ ريشة ووردة… وصباح جديد، أيتها الفاتنة الخارجة من رحم الفينيق كثقب قصيدةٍ خطيرةٍ في جدار الانحطاط.. أيتها المنكوبة بالدمار مرة، وبالإعمار مرة.

«مطرح ما بدك روح.. بيروت هي الروح»

روحٌ من أرواح المتنبي الألف.. عربية!

مجلة الرأي الآخر
منتدى الصوت الحر

Bookmark and Share

كيف نبـدأ؟

24/08/2009

 n506235585_654343_1470

لا شك أن التدوين اليوم يعتبر اليد الضاربة التي استحوذ عليها الجيل الشاب المهمش، اخترع سكان عالم الانترنت ما سيسمى لاحقاً بالاعلام الفردي، كل مدونة، تقدم ذخيرة كافية لاطلاق النار ضد كل ما لا يعجبنا، أو تقدم منابر خطابية ودعائية لايصال فكرة، قضية، رسمة، رسالة حب… لا فرق، الأهم أن المدونة حاضرة لتترجم أصابعك، إلى لغة يفهمها قارئ عابر، يشد على يدك، يعارضك، يناقشك، يشتمك، أو يترك لك وردة، لكنك ستصل إليه حتماً.

وهكذا، نبقى كيفما دار العالم ودرنا، عرباً جداً، ولأننا عرب، لنا في كل مدونة نافذة نحو أحلامٍ نتمنى أن لا يقدر على سرقتها منا نظام قمعي بوليسي، أو تعصب مذهبي شرس، أو قبيلة تقتات بضفائر بناتها ورموش أبنائها، وكمحاولة لمواجهة التشوهات الخلقية والأخلاقية في بعض أساليب التدوين العربي من حيث تحول البعض من المدونات إلى وسائل اعلامية للتراشق الشخصي والمذهبي والفكري، خرجت تجارب تقدمية سابقة لزملاء ورفاق لرفع قيمة التدوين وتحويله الى شبكة قومية متصلة، ذات قضايا واحدة مترابطة ومتضامنة، واليوم، أضيف الى سلة المدونات محاولتي هذه، لإيصال ما في القلب، وما في العقل، وما في ذهن القلم، إلى قلوب وعقول وأوراق أصدقاء أعرفهم، وكثيرين لا أعرفهم، ولكن، لنا مع الحرية والتحرر والنهضة، موعدٌ أكيد.

وكي نكون جميعاً، على مسافةٍ واحدةٍ من آمالنا، بل كي نكون داخل قضايانا، تفتح المدونة وناشرها باب التواصل مع كل الرفاق، أينما وجدواً، وأينما وجدت همومهم، للتضامن والتكافل والنضال المشترك، بفرح صادق ومودّة: Khodor.s@hotmail.Fr

مع المحبة، وباقاتٍ من الثورة.

(تحية شكر ومودة إلى الصديقة العزيزة Manolia التي أعطتني مفاتيح الدخول إلى هذه الفسحة من الحرية)

خضر.

 


%d مدونون معجبون بهذه: