عن رحيل المتنبي وانتظار الوطن

رحيل المتنبي

خضر سلامة

رحل المتنبي…

الآن شُيّع إلى ضريح القافية الأخيرة…

 أبناء الوطن

ملّ شاعرنا من صوَر الموت المزروعة كالمشانق على أرصفة وطننا، مل من الدموع التي تحتل ملامح صحفنا، من الرعب المعلق على شوارع مدننا المنكوبة بالدم، معذور هو المتنبي بموته، قد آلمته طوابير التراجع الممتدة من الخليج الى المحيط، أرهقته خيبات التاريخ، وجراح الخرائط الممزقة بالتشرد!

مأساة نبينا عظيمة، كانت وحيداً بعروبته النابضة، بأمميته الساطعة، وحده كان خنجراً في وجه القلم، حتى سيف الدولة تركه وهاجر، كسر سيفه واقتنى غليوناً واصطف بانتظار العبور صوب بلاد الغرب، أحرق عمامته وأعدم كل شعراء الوطن، ثم اغتال الأبجدية العربية واستبدلها بالدولار الأمريكي، تركه سيف الدولة ، رهن الأرض والعرض، ليحتسي كأساً، باع جنده، ليشتري تذكرة سفر…

حتى صديقه اللدود الحمداني، رحل، تاب عن الشعر مزق كتبه، تطوع جندياً في جيش الأعداء وتزوج بنت ملكهم طمعاً في جنسية تشبع نهمه لوطن، داس على الهوية العربية وتباهى بجواز السفر، صار الآن يكره كل الحمائم، كل الطيور، قد احترف صيد العصافير التي تغني للحرية، كل البلابل التي اعتادت أن تغرد للقمح، صار يعشق بتر أجنحتها!

صار متنبينا وحيداً كالكرامة، مستهدفاً كالوطن، مكروهاً كالحق، معذباً كالثورة، منفياً كالقصيدة، كافور نُصِّبَ إلهاً فوق عرشه المجبول بجماجم الكادحين، يبرك كالجاموس على أرض الحجاز، يرقص رقصة الموت في الرافدين، يسبي مصر الى خنادق الخيانة، يُحرق علم فلسطين ويدوس على عيون أطفالها، صار الآن إلهاً يسبّح الفقراء بحمده ورضاه، رائحته النتنة قتلت كل الأنبياء، كل المغنين، كل الشعراء… لا فرق بين كافورٍ وكافور، فبين المحيط والخليج رائحة الهزيمة واحدة.

آه يا وجع المتنبي، يافا أُحرقت أمام عينيه، ونيرون يعزف أغنية الدمار، بغداد سباها المغول وهولاكو يزني بحضارتها الضائعة، سقطت غرناطة للمرة الألف وما أعادها لا زيرٌ ولا عنتر!

يأس الشاعر، كل سفارات العرب أنكرت عينيه المزهوتين بالحلم، أنكروا شفتيه العاشقتين لياسمين بلادي، ممنوع هنا أن تعشق، ممنوع أن تنتصر، ممنوع أن تعلن أنك عربي، ممنوع أن "تغامر"

******

"بِمَ التَّعلُّل لا أهلٌ ولا وطن … وَلا نديمٌ وَلا كأسٌ وَلا سكن!"

يستيقظ المتنبي على صوت صياح الديوك العربية، والإذاعات العربية،

يخبره جواده، أن الماء في بلادنا صار مطعّماً برائحة الصحراء، مكسواً بالغبار وبالكبريت، لكأنّ الماء فيه نكهة تشردنا…

تخبره الشمس، أنّ حبيبته خلعت عنها سمرتها، ومحت شعرها الأسود، وشوهت شفتيها العربيتين، وارتدت إسماً أجنبياً…

تخبره الريح بأن الطيارات العربية لا زالت في كبوتها، وأنّ خيوط العنكبوت الاسرائيلي لا زالت تخنق أرضنا وتسرق زيتونها وتينها ويافها وحيفها…

تخبره الأرض بأن صليل السيف استحال الى نغمةٍ في أغنية طرب، وأن طبول حربنا صودرت لتعزف عليها الأنظمة سيمفونية الصمت، وأن مدافعنا لا يعرفها الا شهر رمضان كرسياً على موائد العرب.

تخبره الطيور بأن الصياد في بلادنا صار له تاجاً ومملكة، وأن الرصاص ما عاد يُطلقُ الا ليحرق كتاباً، او يكسر قلماً، او يسحق يداً تقرأ…

يمسح دمعته بكفه المنقوش بلون الكحل في عينٍ عربية، يحلف ببسمةٍ بقيت في وجه طفلٍ من قانا، يحلف بحجرٍ مزّق دبابة في غزة، يحلف أن "كم قد قتلت وكم قد مت عندكم ثم انتفضت فزال القبر والكفن"

******

لا مكان للحلم في عصرنا الأمريكي ولا للأنبياء، لملم كتب التاريخ ورحل، ودع رفاق الدرب، قبّل جبين سميح القاسم، بكى فوق ذراعي مظفر، شدّ على أنامل ناجي العلي، كتب رثاءً في خليل حاوي، مسح الغبار عن عيني لوركا، رحل المتنبي، ترك كارلوس تحت رحمة معتقليه، ترك زنازين فلسطين ترسم رغم الجلاد وعداً بالعودة، زرع في صوت الريح الراحلة الى العراق وعداً بالحرية الحمراء، ثم عانق أرض الجنوب واختارها كفناً، يضيء قنديل شعره بلون الإنتصار… إنتصارٌ بوجه حكام الطوائف العربية، إنتصارٌ بوجه الخلاف العربي، والانقسام العربي والتخاذل العربي…

******

ما أقساك يا وطناً تموت ألف مرةٍ ولا تنتصر على نفسك، ما أقساك يا وطناً يموت أبطالك في آخر الرواية، يا وطناً تشرب كل يومٍ من نفس النهاية، يا وطناً تخاف من وجهك المشرد في المرايا!

ما أقساك أيها الممتد بين المحيط والخليج، ما أقساك يا وطني… يا وطني الرائع يا وطني…

Bookmark and Share

Advertisements

الأوسمة: ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: