تضامناً مع الشيوعي السوداني ضد الظلامية الدينية

تضامناً مع الشيوعي السوداني ضد الظلامية الدينية

من الطيب صالح إلى إمامٍ طالح

خضر سلامة

تعيش المؤسسة الدينية الاسلامية منذ عقود، في كهف محكم الإغلاق، وبعد أن تصدت لحى المشايخ المنافقين طويلاً لحظر أي تجديد أو اصلاح يمسح الغبار عن وجه دين، كان يوماً ما، تجربة تقدمية، نسبياً، دخلت هذه المؤسسة، على الأقل بوضوح، منذ عصر ابن تيمية في تجربة التكفير، مصطلح تطور مع الزمن وتحول من قوة بيد السلطة السياسية المتحكمة بالسلطة الدينية، إلى قوة بيد مؤسسة كنسية دينية، شيعية أو سنية، تملك مصالح اقتصادية وسياسية، تماماً كما الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى، تلتقي مصالح المؤسسات الدينية الاسلامية، والمؤسسة الرسمية سيما في بلادنا العربية، كثيراً من الأحيان، وفي بعض الأحيان، تكون المؤسسة الاسلامية على قدر من القوة، واليد المطلقة، ما يمكنها من اصدار هكذا حكم بالاعدام، دون عودة لمرجعية سياسية… بفضل التضخم المرضي خلال العقد الأخير، للراديكالية الاسلامية.

ignorance_2

عزل وقتل الشيوعيين الكفرة! هذا جديد ما يسمى مجازاً بالرابطة الشرعية لعلماء المسلمين في السودان، دعوة صريحة، من سلفيين، متعصبين، همج وجهلة، إلى قتل وابادة فصيل سياسي عريق في بلد كان يشكل خزان الوعي الثقافي والأممي والأدبي العربي، هذه الرابطة، التي تشكل إحدى الفضلات الباقية من جماعة الهجرة والتكفير التي رعتها بعناية، كما رعت باقي الحركات الاسلامية، المخابرات البريطانية ومن ثم الأمريكية، ومولتها بالعتاد والجهل اللازم لغسل أدمغة الشباب، لضمان احتلال انسان الوطن، اذا ما عجزوا عن احتلال ارضه.

أما لمن لا يعرف الشيوعيين السودانيين، فيكفيه علماً سيرة عبد الخالق محجوب، الذي شنقته رجعية النميري المدعوم من الأنظمة الخائنة، محجوب، ابن الأرض السمراء، الذي قاد الحزب الشيوعي السوداني إلى التمايز عن اخطاء باقي الشيوعيين العرب الذين سارعوا الى استنساخ التجربة السوفييتية دون مراعاة المجتمع المحلي، قام الحزب الشيوعي السوداني بمحاولات لامعة لانتاج تجربة شيوعية سودانية مستقلة عن التبعية لموسكو في تلك الفترة، وعن الصراع الصيني السوفييتي، ونجح الى حدٍ بعيد، ومن أبرز علامات هذا التميز، أن يقوم أعضاء المكتب السياسي للشيوعي السوداني في تلك الفترة، بعقد اجتماعاتهم في المسجد بعيد صلاة الجمعة! أو يقوم أحد أهم الأعضاء، بإمامة المصلين! ليكون رداً كافياً حينها، ضد الدعايات التي سوقتها المخابرات الأميركية، عبر المؤسسة الدينية الاسلامية السياسية، بكفر الشيوعية وارتباطها ضرورة بالالحاد.

من هذه البيئة نشأ الحزب الشيوعي السوداني، قبل أن يباد أعضائه بمعظمهم على يد الجلاد النميري، كما أبيد معظم المفكرين الشيوعيين في مصر وفي لبنان وفي سوريا على كل حال… هذا الحزب الذي نشأ في مدينة أتبره السودانية، حيث يجبل القدوم الحديد على يد العمال الكادحين، وتحول الحزب شيئاً فشيئاً، إلى منارة تثقيفية، وضعت نصب أعينها محو الأمية من السودان، الخطوة الأولى إلى بناء وطن: تعلموا! من ثم النضالات الطويلة، التي ضاعت لاحقاً، إما بسبب تخاذل الورثة للحزب، وإما بفضل التآمر من قبل الجميع، على هذه التجربة المزعجة، للرجعيين.

إذاً، في بلاد الطيب صالح، الأديب الذي فجر أهم رواية عربية في القرن المنصرم ناقداً التجربة الاغترابية العربية، وموجهاً سهام الاصلاح الى مجتمعه الأصل.. في هذه البلاد الطيبة اليانعة التي تعاني من الحروب والفقر والجوع بفعل الأيادي الأمريكية والصينية والأوروبية، وبفعل النظام الديكتاتوري المخيف، وبفعل العملاء الصغار، وحماتهم من رجال الدين… يقفز أحد المنعوتين بصفة شيخ من جحره، ليدعو إلى عزل وقتل الكفار الشيوعيين وملاحقتهم، وتحريم الزواج منهم، وحجته أسخف من فعله: "المذهب الشيوعي هو الإلحاد، الشيوعيون يؤمنون بماركس ولينين وستالين، والشيوعية لم تجلب إلا الدمار والخوف…"

ومن المفروغ منه، سقوط هذه التهم منذ زمن طويل، فما يسمى بالمذهب الشيوعي، هو مذهب اجتماعي اقتصادي، لاديني، واقرأوا كتب الشيخ الأحمر حسين مروة لمزيد من المعلومات، أما إيمان الرفاق بماركس ولينين وستالين، فتعبير ساقط لغوياً، فالثلاثة، هم رموز فكرية وسياسية لا غير، قابلين للنقد غير منزهين، وعلى كلٍ فشخصية ستالين مثلاً، لا زالت موضع نزاع بين الأفرقاء الشيوعيين، أما ما جلبت الشيوعية للعالم، فقد جلبت حركات تحرير وثورة، ونقلات فكرية وثقافية عارمة، لا زالت إلى اليوم ملهمة الكثيرين، وإذا ما وجدت تجربة خاطئة، بالطبع، لحكم سياسي شيوعي مر، فلنضعها أيها الشيوخ، في نفس السلة التي تضعون فيها تجارب الحكم الاسلامي الفاشل والدموي منذ ألف عام ونيف، أو تجربة الاسلاميين بشقيهم في العراق وأفغانستان، مثلاً!

وضمن ذلك كله، وإذ نتبنى رد الحزب الشيوعي السوداني بتفاصليه بما في ذلك من اتهام للحزب الحاكم بالوقوف وراء هذه الجماعات ودفعها لتقسيم المعارضة الوطنية، وإذ نتضامن مع هذا الحزب العريق بنضالاته وشهدائه وأعلامه، فلنغتنم هذه الفرصة لدعوة الشيوعيين العرب، للوقوف لمرة واحدة أما مرآة الواقع، ولاجراء نقد ذاتي لثمانين عاماً من التجارب والصراع مع التابوهات الدينية، ولصياغة موقف واضح موحد يوضح المسافة التي يقف الشيوعي العربي فيها، من الدين، لنتجاوز سويةً سيوف الظلامية الفكرية، والعفن الدماغي الذي يجتره رجال الدين من حولنا، ضد كل من يهدد سيطرتهم على العقول والأفكار.

ولتسقط الرجعية، والطائفية، والصهيونية الفكرية بكل أشكالها، في اسرائيل، وفي بلادنا أيضاً.

الحوار المتمدن

Bookmark and Share

Advertisements

الأوسمة: , ,

2 تعليقان to “تضامناً مع الشيوعي السوداني ضد الظلامية الدينية”

  1. مسلم Says:

    مبروك خضر عالمدونة
    قريت المقال بالمنتدى وبوافقك بمعظم ما قلت
    وعسى أن يسقط الجهل وتسقط الرجعية
    ومثل ما أتت فكرة بالمقال أن العلماني ليس بالضرورة ملحد
    انشالله الناس تفهم هالشي
    تحياتي

  2. جوعان Says:

    أهلا مسلم، مثل ما ذكرت، العلماني ليس بالضرورة ملحد، الالحاد هو خيار مستقل عن العلمانية، مثل ما يمكن للطائفي ان لا يكون بالضرورة متدين! العلمانية نقيض الطائفية، وليست نقيض الدين.
    وعسى أن تسقط الآفات جميعها، ونخطو عالاقل الخطوة الاولى الى دول مدنية عصرية.
    اليوم مثلاً، بالسودان نفسه، سجنت امرأة لارتدائها البنطلون! حكم بالسجن على مواطنة، بسبب “لباس غير محتشم”. كل ما نحنا لورا.. وكأن هذا الانحطاط ليس له أي قعر.
    شكرا لك.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: