أنا أكره الاطفال

خضر سلامة

أنا أكره الاطفال

كلما تعثرت بعيني طفلٍ أضاع صوت أمه في زحمة الأسواق المتخمة بالفرح، يتهمني بكاؤه بحزن مليونِ مغتربٍ ومليون، أحاول أن أشرح له انني لست المتشرد الأول في التاريخ: وان لي ألف رفيقٍ على الرصيف يبكون كل يومٍ كطيور أيلول الثكلى، ولا يقنع الطفل، ويطالبني بسداد أحزان الغرباء جميعاً.

أنا أكره الأطفال،

كلما دخل طفلٌ في صراخه، أتذكر ندماً أنني لم استمع مرةً لسمفونية بيتهوفن التاسعة في العام المنصرم، كنت مشغولا بالاستماع لبيانات العسكر المتسلح ببذلة رجل دولة، او بعمامة رجل دين، أتذكر أني غفوت قبل قرنٍ ونيف على صوت الجاز، وصحوت على زخات الرصاص، كلما بكى طفل، أتذكر أن اصابعي طلقت الغيتار واعتنقت سكيناً يتهمني بدم أخي.

أنا أكره الاطفال،

حتى وهج هذه الغانية النابت من سرير الجنس يعاتبني ويخنقني برائحة التبغ بعد اول شهوة، ويذكرني بحبيبتي التي وعدتها بألف طفلٍ، ويصارحني بأني خنت الأسماء جميعها، لا فرق، فحتى ان انجبت اطفالاً في زمنٍ رديءٍ كقصيدة كتبت مديحاً لسلطانٍ جائر، حتى ان انجبتهم سأكرههم، وسأعلمهم ان يضربوا كل الأطفال بسوط الكتابة، فليضربوهم حتى يجرحوهم، فوحده الجرح في زمنٍ رديءٍ يصنع وعياً ووطناً.

أنا أكره الأطفال،

حتى علب الحليب الناصبة أسعارها فخاً في زمن العولمة والجوع المقنن بالنفط، حتى اسعارها، تلاحقني بهم الأمن الغذائي في بلادي،. أيها الطفل، اتعلم ما ينتظرك اذا ما ظل ابوك عبداً لزعيمه، اتعلم أي مستقبلٍ تُرضعك أمك قبل ان يزني بها الجامع وتزني بها الكنيسة، كم يؤلمني حلمك حين يسقط عن شرفة الشرف.

يطالعني ضلعٌ أفريقي أسمر نسيته قوافل الجوع الهاربة الى الموت، أكتب فوقه اسم مئة مليون طفلٍ اذا ما جاعوا مضغوا أدعيةً وترانيم، واذا ما عطشوا، شربوا من خمرة الصبر، والله يحب الصابرين، والجائعين، والمنقادين الى نار الموت ايضاً. 14

أنا أكره الأطفال،

فالعيون الزرقاء في شارع العيد تغيظني، أعيادهم في بلادهم فرح ومرح، واعيادنا نكللها بالدم والفقر وبالعوز الشديد، تصفعني القبيلة المزروعة في جسدي: "ومن شر حاسد اذا حسد"، ارفضها: فأين شر الغاصب اذا اغتصب، واين شر العادي ان اعتدى، واين شر السارق اذا سرق والناهب اذا نهب، واين شر المقتول اذا غضب!

تغيظني عيون الاطفال، فعيون اطفالي في هذه الساعة تبحث عن وسادة.

اكرههم، اكره الاطفال

تخبرني فراشة (أكرهها هي الأخرى، فهي الوحيدة التي تمنعني عن اليأس) تخبرني ان الأطفال هم مرآة النفس، نرى حزننا في بكائهم، ونرى جوعنا في جوعهم، ونرى وطننا في تشردهم، ويتمنا في عاطفتهم، ونرى أول قصيدة لم نكملها في اسطر رسمة رسمها طفلٌ على حائط، ونقرأ اول حرفٍ علّمنا ثورة في تهجئتهم لأول كلمة لم ينطقوها بعد، "و، ط، ن"

بلادي وان جارت عليّ عزيزة،

هم الأطفال: مرآتنا التي تتهمنا بوجوهنا وبهمومنا…

تمهل ايها القارئ، ايها الجاني، ايها الطفل،
تمهل، فأنا وإن كابرت وقسوت أحبهم،
أحبهم ان ثاروا، ان غضبوا، ان كسروا شيئاً في نفسهم، في ما حولهم،
احبهم
هم وحدهم آخر ما نعرفه من أمل، ولو مزقوا ذاكرتنا بالأسى، لنا الأمل، لنا العمل، لنا اليقظة قبل ان يجرفنا الطوفان كجيفة.
فهل نَعقَل، وهل يُعقَل؟

Bookmark and Share

Advertisements

الأوسمة: , , ,

3 تعليقات to “أنا أكره الاطفال”

  1. الرسم بالفقراء « جوعان… مواطن ضد الأنظمة المزورة Says:

    […] يطالعني ضلعٌ أفريقي أسمر نسيته قوافل الجوع الهاربة الى الموت، أكتب فوقه اسم مئة مليون طفلٍ اذا ما جاعوا مضغوا أدعيةً وترانيم.. واذا ما عطشوا، شربوا من خمرة الصبر.. والله يحب الصابرين.. والجائعين.. والمنقادين الى نار الموت ايضاً. (خضر – أنا أكره الأطفال) […]

  2. جائعة أخرى Says:

    أحبهم قهم مرآتك الوحيدة

  3. سُكينة Says:

    الأطفال -في الحلقة الأخيرة- يكبرون…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: