مع البِلاد ضد البَلادة

ضد سياسات كي الوعي

خضر سلامة

صورة طفلٍ يبكي فوق ركام منزله، أو فوق ركام عائلة مذبوحة، أو صورة عجوزٍ قابضةٍ على جذع زيتونةٍ لم يغتلها الحصار، تستطيع أن ترسخ في وعي المشاهدين لمسرحية الحروب أكثر من آلاف الصور التي توزعها الماكينة العسكرية، لتعطي شريعةً للقوة الصانعة للدمار، أو لترسم قوة دمار شرعية الأمر الواقع، سيّان: تستطيع صورة الحزن أن تدوم بعد فناء رماديّ الحروب، تلك هي ثقافة الانسانية، صوت الفرد الضحية، أشد دوياً من أصوات الدبابات التي تنقش في وجه الأرض فوضى المغول، ولا تقوى على حظر ألوان الربيع الآتِ حتماً.

يستطيع هولاكو أن يسلح طفلاً، لكنه لن يصادر غريزة البكاء ولا أن يمنع العلاقة الخطيرة بين الأنامل الصغيرة وشهوة الفراشات للهروب من قفص الاعتقال، يستطيع الجندي أن يلغم الحقول كلها، لكنه سيظل عاجزاً عن قمع عيون الفلاحين الشاخصة إلى وعدٍ بالقمح ينبت في الأثلام، هي الطبيعة الانسانية التي تتناسل كعصافير الدوري: ينقرض الصيادون ويفنى فعل الاغتيال، تبقى العصافير، ويبقى فعل الطيران.. بحرية!

العولمة الأخلاقية والثقافية والحضارية التي تستهدف العالم من فوهة الإعلام الموبوء، أخطر من عولمته الاقتصادية، بل ربما هي المولد الرئيس للحدث الثاني، والمدخل الضروري له، الكي الممنهج للوعي، والضرب النابالمي الحارق الموجه ضد مسلمات واعية موغلة في القدم: كالقدرة على تحديد القاتل وتشخيص القتيل، أو القدرة على ابتكار موقف فردي بعيداً عن كذبة الخيارين اللا ثالث لهما (سياسياً)، هي عملية غير بريئة، اعلام الدول، أو شبه الدول، يصر على اقناع المشاهد بنصرة السيء ضد الأسوأ… ويصر على غسلٍ شديد اللهجة لأي محاولةٍ للفرد ليقنع نفسه بأن ثمة مكانٍ لرفض الجميع.

الفرد، المجبول أصلاً من شكل عاطفي يفرضه إعراب كلمة انسان وانساني وانسانية.. يواجه اليوم مكننةً عالمية لشكل القصيدة، ولطعم القبلة، ولرائحة الكلمة، ثمة من يعمل على تغيير قالب الحقيقة والتشكيك في حق التعددية، الاعلام اليوم هو سلاح دمارٍ شاملٍ للرأي وللفكرة الخصم، والاعلام هنا، ليس بمعناه التقليدي، الاعلام هو كل ما يحيطنا من أسلحة، من أبواق، منابر.. أصبح مثلاً في عالم المعلومة للمدفع شاشة ينطق عبرها، بعد كل هذا، بعد سيل التجييش العنصري مذهبياً وطائفياً وقومياً وأمنياً، ضد الآخر، توضع أنت في خيار وضعه بن لادن قبل أقل من عقد: فسطاط الخير أو فسطاط الشر، ودعمه ال"لا" منطق البوشي: من ليس معنا فهو مع العدو، واستلمه من هناك الأنبياء الجدد في بلادنا وأعجبهم هذا الفكر، وأغرق الشارع اعلامياً بالتحريض وصولا الى التعتيم على كل المآزق الوطنية الكبيرة بعناوينها العريضة، لنغرق في تفاصيل التفاصيل السياسية وتتحول إلى معمعة مصيريةٍ عند كل مفترق، إما معنا، وإما حكماً من الخصم.. ولست أنت بحد ذاتك مؤهلاً لتكون "آخراً" غير كل ذلك: هذا هو الارهاب الفكري بعينه.

أمام هذا، ومع ادراكنا لوجود مختلفين بعيدين عن الضغط التعبوي التحريضي الحاقد ضد كل "مختلف"، ما هي متطلبات المرحلة لمواجهة هذا الفوران القمعي الخطير للوعي البشري؟ المطلوب، توحيد الجهود لارساء دعائم "اعلامٍ بديل" يتخطى حالة النخبوية ليخاطب حاجات الشارع الحقيقية المعتم عليها، "وليفهم على الشعب ويفهم الشعب عليه"، مستفيدين من الثغرات المتاحة في جسد القفص التكنولوجي الذي يحاصرنا، إعلام بديل جدي، يؤسس لحالة خيار ثالث، خيار يحدد الثوابت على قاعدة غريزة الإدراك: إدراك الأخطاء والاعتراض عليها، وعلى قاعدة الحرية المسؤولة: حرية الاستقلال عن عصف الغسل اليومي للغضب بمورفين كره الآخر، وعلى قاعدة الاتهام: اتهام موجه ضد اللص، وضد القاتل، وضد المستغِل، ولو كان من "لحمنا ودمنا".. لئلا نستيقظ يوماً، لنجد الحقد المبرر للحقد، والظلامية المبررة للظلامية، والاحتلال العسكري المبرر للاحتلال الفكري، لئلا نجد كل هذه الأشياء، تأكل من لحمنا وتشرب من دمنا.

Advertisements

الأوسمة: , , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: