Archive for 24 ديسمبر, 2009

سلامٌ إلى غزة – طريق الجليل والجلجلة

24/12/2009

 

سلامٌ إلى غزة … طريق الجليل والجلجلة
خضر سلامة

يحدها من الغرب بحرٌ عربي، من الشرق أرضٌ عربية ومن الجنوب عمقٌ عربي (ولو كره الخائنون)، يحدها من الضفيرة الخضراء صوت طبول تبشر بالواحات وبالزيتون وبالشعر الفصيح، ومن الضفيرة السوداء أعراس نصر تدمن الفرح ولا تعرف الحداد، فالحداد للمهزومين، ويحدها من ضفيرتها الحمراء وجوه كثيرين ممن لم تتسع العولمة لأسمائهم فأصبحوا مجرد أرقام، ومن الضفيرة البيضاء طير حمام، يلغم غصن الزيتون ويكتب فوق الحيطان الإقليمية للمخيّم: «لا تصالح على الدم حتى بدم!»، لذا، كان لقبها غزة، فصار لقبنا غزة.. قيل مئة، بل سبعمئة، بل ألف قتيل، قلنا ونحن نرقب يديه تقتسمان معولاً وبندقية: «لن يقتلوا الشعب ولا التراب، سيظل لنا في الغد صبية جميلة، تتسرب من فوهة المدافع وتتساقط كحبيبات الندى من جبين السماء على حطام الوطن ــــ الحلم، تطرح ثوب عرسها على وجه الأحزان وتصرّح: لن نسحب قيأنا عن نجمة إسرائيل».kid&olive
غزة، نشرة أرصاد جوية: ثلجٌ يسقط على سرير أوروبا، رياحٌ تهز أسواق أميركا وتتلاعب بالدولار وبعباده، مطرٌ يداعب ثغر أفريقيةٍ تشحذ ماءً في زمن الملح، وقذائف يحملها الغيم من حيث ندري إلى حيث نعشق، بكت المذيعة دمعتين وابتسمت إرضاءً للجمهور، وبكينا ستين عاماً ومتنا خجلاً من فضيحة القبور.
غزة هذا الصباح، امرأةٌ تتعطر بقصائد الرثاء وبرقيات التعزية، تحصي من بقوا فوق الأرض، وتتأكد من أن الآخرين الراحلين ما زالوا يرابطون تحت الأرض حراساً لجذور القضية، أو في برادات الجثث يحرسون دماءهم من لصوص الدم، يسألها مراسلٌ أجنبي يبحث عن خبرٍ يليق بالصفحة الأخيرة في ضمير العالم: «ماذا عن المرأة الحامل المذبوحة من النهد إلى النهد؟ أجنينها مدنيّ أعزل؟» تقول: بل فدائي، كان سيولد غداً، يصنع بسنّه الأول خنجراً متمرداً، يطعن به قلب وزارة الحرب الإسرائيلية ويغنّي: «لن نكون شعب هنودٍ حمر».
غزة، فتىً يتزيّن بالحجارة فوق دكة المسرح، فتىً يهرّب السجائر من عينيّ أمه المتمزقتين تحت عجلات القذائف، هل يستحق الوطنُ الذي يرسمه الفتى بدخان السجائر على جدران الهواء عناءَ الموتِ فداه؟ قالَ: يستحق!
أرصفة غزة تمسمر يدي غاصبها بالركام، تطلعك على آخر إنجازات إسرائيل، 1ــــ «اعتقلت قواتنا منشوراتٍ سريةٍ تبشر بالمسيح، وتزعم أن في عينيه زرقة السماء قبل قدوم الطائرة، وأن في زنده سمرة الطفل اللاهث خلف موعد اغتياله بأحدث ما أنتجت الحضارة من حقد». 2ــــ «قبضت قواتنا على أربع فتياتٍ أصررن على ملء جرارهن من غبار الشوارع المدمرة، ويزعمن أن في هذا الغبار سر الخلود لأمة تقوم من ألمها بعد كل صفعة». 3ــــ «اغتالت قواتنا عصفورين كانا يحضران لغارة حبٍ في بالٍ شريدٍ لشعب ما زال يصر على أنه شعبٌ شاعر رغم المقابر».
من غزة، إلى غزة، عن غزة، ظرف المكان ومنبع الزمان، وخبر الحدث وزحمة الحديث، كنت هناك عند الك تابة على صوت قذيفة، وبعد الكتابة بثلاثين شهيداً أو أكثر «كثيراً».
يا هذا الدم، لا تسامحنا إذا ابتعدنا عنك، ولا تنكرنا إذا اقتربنا منك، فلنا في المأساة أرصدة لا تنضب ولو حاصروها قليلاً. يا أمماً تتقاذف الإدانات، غزة صحيفة أعمالكم، تخرج إليكم من فطرة التمسك بثدي الأرض، تغتالكم برمح الكرامة، وتبقى بعد أن تذهبوا إلى أسفار خرابكم.
وتبقى، فوق صدوركم، شاهرةً عنوان القضية البريدي: غزة، على كتف يافا، طريق الجلجلة والجليل، بعد الضفة بثلاثة أنبياء، دولة فلسطين العربية.

مدونة مواطن جوعان

Advertisements

شعب يحب النهايات السعيدة

20/12/2009

خضر سلامة

هذه الدولة، خمارة كبيرة، فيها الثمل حزناً، والثمل بخطاب، والثمل بنهدٍ يلهيه عن كل شيء، فيها الثمل بحلم، والثمل بأمن الطائفة، وبمورفين الكنائس… وفيها السكران بعينين كعينيكِ، لا زالت خارج الحظائر، عيناكِ صندوق طفولتي، أخبأ فيها مناشيري السرية، وذاكرة الزمن الجميل، أخبأ فيها يساريةً أتعبها الزمن، ولا تنقرض، أخبئ فيها أغانينا الثورية، وموسيقانا الكئيبة، وقصائد العشق الممنوعة في حبك، وحب الأرض.

خمارة كبيرة هذه الدولة، ونحن فيها، كلهم ثملون بشيء، بكل شيء.

عند كل حرب يومية، نطلق الرصاص غضباً
وعند كل هدنة موسميةٍ، نطلق الرصاص ابتهاجاً.
شعبٌ يحب الرصاص، أدمن الموتَ إن لم يكن قتلاً، كان فقراً… أمةُ تجيد فعل الاغتيال، بكل أنواع الخوف الذي تنجبه أنظمتها، وأمرائها.street-sukleen

قبّلوا بعضهم بنجاسة، فلتكن كل قبلةٍ ورقة نعيٍ لألف قتيل سقطوا، ولمليون ينتظرون موتهم عند كل "منعطف خطير"، عادت القبائل إلى مجالسها كي تتعايش، غاب الضحايا، لهم ا لله، ورضا الزعيم.

باسم كل القضايا، تقاتلنا، باسم الحرية والسيادة والاستقلال، باسم المقاومة وأمن الطوائف وكلمة المحنّط فوق كرسيه، باسم الله وأنبيائه وأوليائه الصالحين والعباد الطالحين، وباسم القضايا نفسها، تصالح القتلة والمجرمون.

قلنا سيأتيكم زمنٌ تجوعون فيه، قلتم، نأكل الخطابات والبرامج الانتخابية.

قلنا سيأتيكم زمنٌ تسرق الغربة فيه أبنائكم، قلتم نسلّمهم للغياب ولكل غياب ساعة انتظار

قلنا سيأتيكم زمنٌ تموتون فيه، قلتم لله رحمة وللزعيم زيارة يبول فيها بقداسة فوق قبورنا، فنفرح.

قلنا سيأتيكم زمنٌ يقول فيه التاريخ كلمته، وتصبحون أضحوكة الأجيال، قلتم نزوّر التاريخ، بقوة المحبة الكذبة.

قلنا، وقلتم، ولكل مقام مقال، لكم دينكم بأصنامكم، ولنا ديننا بكفرنا بكل شيء.

سنة شيعة دروز يهود ومسيحيون، عثمانيون صفويون أموين هاشميون ومماليك، كلكم زائلون، كل من قبلكم بلعته هذه الأرض، بعقالاتكم، بسيوفكم، بأموالكم، كلكم سيبلعكم حوت الوقت، ويلفظكم على مزابل اللعنات، تبقى الأرض لهؤلاء، لقلة لم تمسسها عبارات التحريض، ولم يخيفها حصار كلابكم في الوظائف، في المطارات، في المخافر، في الصحف والتلفزيونات، تبقى الأرض لهم، حلماً مؤجلاً إلى حين، فكرةً لا هروب منها، أيقونةً يورثها الأشراف للشرفاء، غشاء بكارةٍ فرّ من زمن الاغتصاب الفكري والاجتماعي، إلى زمنٍ في العيون الجميلة، تفنون أنتم، بقصوركم، بعصاباتكم، بميليشياتكم المنتشرة كوباء في الجامعات والجوامع، في المدارس والكنائس، في الشوارع والمضاجع، تفنون أنتم، ويبقى وجه الوطن الحزين، ذو الجلال والاكرام.

أسوأ الأمراض التي يمكن أن تصيب أمراء الطوائف، أن نكون مستقلين عنهم، عاطلين عن العمل في مزارعهم، فقراء جداً، كفار جداً.. ورغم ذلك.. نجيد ممارسة الفرح

فرحنا نحن، سرطانهم.

عم بكتب وجّك – 2

17/12/2009

عم بكتب وجّك – 1
خضر سلامة

طلّي من جياب الليل
فوتي من شباك الشهوة
متل الشتوة
جيبي بإيدك كمشة فِل
وريحة ياسمين وقهوة
شجرة صيري! وإن فليت
بتخبي بحضنك هالبيت
وبتقولي: كانت حلوة
قصتنا.. وميّة يا ريت..

1477440862_8d5f330204
بعمرلك بآخر أرض
ديار بسميها عدن
برسم فيها صورة بنت
عشقانة الشاطر حسن
والشاطر داير والريح
تشولح عمرو ع مراجيح
وعدروب مغطيها الشجن.
بعمرلك جامع وبصلي
وبجمع حولي ولاد كتار
ناطرين من الضوّ تطلّي
تكوني عيد وحب ونار
تغطي هالفقرا وتدّفي.

 

فوتي عليي من التاريخ
بعهد الرومان عشقتك
فوتي من عتم الصلبان
ملكة بابل سميتك
فوتي من غبرة الرصاص
ثوراتي كِلّا ع حسابك..
وشعوب العالم أنتي:
شمسن عم تغزلّي خيال
وخيالي لاحق خصرك
قمرن بكزدر سكران
وخمرة قلبي بعيونك..
طلي عليي من هالليل
وحطيني وردة بصدرك..

عن بيت دعارة

13/12/2009

خضر سلامة

سكون، صمت رهيب، ظلام يحاول عبثاً ان يستر الفاحشة، وعواء شهوة خطيرة في وطنٍ ناقص

هدوء لا يخرقه الا تأوهات لذة وألم، واصوات ذكورية متوحشة.

17 عاهرة، يجمعها بناء مهترئ، تجاوز الستين من عمره، ولا زال يصر على أنه من فصيلة الأوطان، مسكن صغير يضيق بالفقراء، ويتسع لتقاتلهم، ما بين شماله وجنوبه مساحة دموية تمتد كأضلع آلهة عابثة بأقدار البشر، آلهة فاجرة وشرهة.

شبه منزلٍ تديره مجموعة أصنام، اصنام تتحرك وتستوطن منابر الكلام وتتوارث الملكية منذ 200 عام، لم تتغير العاهرات رغم ما بان في وجوههن من تجاعيد الزمن البغيض، رغم ما بان من قبحٍ في تفاصيل العتم الاسود في صدورهن، عهر بحقد.

بين العاهرات لا لقاء، مجرد وثيقة و عقد عمل. يربطهم بعلاقات مشتركة اذا ما طلب الزبون ان يجمع أكثر من واحدة في سرير رغبته، فيسمونه تحالفاً أو هدنة طائفية، ولا للعاهرات امر ولا نهي، فهي محكومة بمزاجية الزبون وحدود رغباته.

الزبون أميركي، سوري، ايراني، اسرائيلي أو خليجي لا فرق، مر الكثير على فراش العهر، والكثير منهم التذوا بذبح شرف البغايا ال17، ذبح على الطريقة الدستورية، أو على الطريقة الشوارعية. لكل منهم عشيقة أو عشيقات لا يستمتع الا بنهش محاسنهن… ولا ينسجم الا بنغم انينهن.

عندما يصير الجنس لغة الحوار، ولغة العلاقات الانسانية، وعندما – في مرحلة اسوأ – ينحو الجنس الى فعل اغتصاب وطني يومي، يصبح العهر عندها نظاماً وقانون مجتمع، ويطوب في النصوص القانونية معبداً لممارسة الفاحشة الاقتصادية والسياسية، تخلع القحاب ثوب الخطيئة عنها وتستتر بثوب العفة… وتتابع مسيرة بغائها.

17 عاهرة، تتمدد فوق سطح التاريخ، تحتل مساحة الحرية المزورة، والديمقراطية الكاذبة، تفرد كل ما ما تحمله من غيرة، تتذابح العاهرات لترضي الزبون، تغرز اظافرها المسننة بالبارود في الافئدة لتكون هي الملكة.. ملكة الدعارة!!

وتبقى المأساة هي ما حملته لنا ارحامهن النجسة، تنجب لنا حكومات عوراء، وحروب يومية باسم ألف قضية، تنجب اقتصاداً مسعوراً، وتنجب نقاباتٍ عمياء، وحتى فلاسفة دين! طفلاً موبوءاً بالخطيئة يسكن جامعاً او كنيسة تاجراً بالدين، وبالطوائف.

17 عاهرة، كلها تدعي المظلومية، كلها تشكو التهميش، وتمارس السادية بحق أبنائها، كلها تدعي الشرف، 17 عاهرة سمتهن مراسيم التعيين التاريخية والجغرافية، ثم تقفل باب الانتساب الى مواطنية تقاس بعدد القتلى الذي قتلناهم باسم أمن الطائفة، او سنقتلهم قريباً بالسلاح او بالجوع، بالجهل او بالغربة: هيدا الوضع هيك! ثم بعد هذا المورفين السياسي، يجمّل بيت الدعارة وجهه الحضاري بعباراتٍ مريضة : الانصهار، الصيغة الواحدة، التعايش المشترك. تصوروا ايها الرفاق 17 عاهرة يتعايشن: ازمة ميول!

كلها تطمح لتكون المديرة لهذا الوكر المظلم، لتكون "خالة"، كلهن يعتبرن انفسهن ملكات فوق عرش اللذة الوطن، كلهن لهن الاولية بادعاء التمايز، والنطق باسم الله في أذن الشعوب.

كم انتن مخدوعات بأناتكن ايتها العاهرات، كم انتن مكسورات ومحبطات، في كل منعطف تثبتن الفشل، والأمراض النفسية اليومية المتفجرة من مخزن بارود، أو من بيان ثقة، أو خطاب برلماني سخيف.

هزمتكِ الأيام ايتها العاهرات.. حطمتكِ رياح الحروب والتنافس بين بعضكن.. ولا زلتن تطرحن اجنحة البغاء فوق ايامنا، ستسقطن، بلاءات ألف مجنون أو أقل، هربوا من سجون طوائفهم، ستسقطن بفعل البقاء خارج الحظائر الوظيفية، والحظائر الاقطاعية والمالية. ستستقط الطوائف، وتسكت الأبواق، ويصبح لنا وطناً، لا بيت دعارة.

عن الطفّار.. ما لهم وما عليهم

09/12/2009

خضر سلامة

"ضربت" كلمة طفار في جزءٍ واسع من المجتمع اللبناني، مع صعود نجم فرقة الراب البقاعية، طفار، المؤلفة من شابين رفيقين، رفعوا قضية منطقتهم ومن خلفها مناطق الأطراف كلها، المهمشة تماماً من قبل دولة لبنان الكبير، منذ أن ركبت حدوده، اختاروا اسماً حساساً لمشروعهم الفني، اسم يرتبط بالعلاقة السيئة مع الدولة.

والطافر، في جرود بعلبك الهرمل، هو الملاحق من قبل الدولة لجنحة أو "جريمة" ارتكبها، يُلاحق على أساسها من قبل القضاء الذي وُضع على حجم الضعفاء، غير المسنودين سياسياً، يلجأ الملاحق اذاً، إلى الجرد، بعيداً عن أعين القوى الأمنية ومخبريها، تحت سلةٍ من الظروف القاسية.

وفي البداية، نعود سريعاً إلى حقبة مهمة من التاريخ العربي، المهمش عن التدوين لأسباب فكرية ودينية، هذه الحقبة كان أهم أعلامها، هم الشعراء الصعاليك، والشعراء الصعاليك، هم الشعراء الفرسان، اللذين تمردوا على أعراف القبيلة وقوانينها، القبيلة الدولة في تلك الفترة، فطردوا من ظلها السياسي والاجتماعي، فلجأوا الى الصحراء القاسية، وشكلوا ثورةً اجتماعية أدبية مهمة، هجوا فيها أنظمة الأمر الواقع – القبائل، ورؤوسها وأعلامها المتحكمين بكل شيء، تحولوا الى قطع الطرق في أغلب الأحيان، ليوزعوا غنائمهم على الفقراء المنبوذين من حماية القبيلة المالية، بمعنى أن العرب، ابتدعوا قبل العرب بكثير، صورة حقيقية وواقعية ل "روبن هود"، والدارس لشعر الصعاليك، يجد في نواحيه أسس قديمة للاشتراكية، ولو بصورة غير منظمة، لغياب التنسيق والتواصل بين الفرسان، وبقاءهم ضمن أطرٍ فردية. P1010818

ولاحقاً، بعد قيام الدويلات الاسلامية المتلاحقة، والظلم الاجتماعي المتراكم، ومع التحولات الفكرية التي رافقت الدولة العباسية، نشأ ما يمكن اعتباره تطوراً طبيعياً لحركة الصعاليك، وهي حركة القرامطة الخارجة من رحم المذهب الاسماعيلي، اعتمد القرامطة شعارات اشتراكية المال واشتراكية الغلة واشتراكية السلاح، وأسسوا حركة فلاحية ثورية في الأرياف السورية والعراقية احتمت بالجبال وبالجرود، وهددت بشكل جدي المركز السياسي العباسي، وقامت بتنسيق خطير مع الحركة العمالية الحرفية في بغداد، حورب القرامطة من قبل الخطاب السياسي والديني المنسق، ومن قبل الدويلات المحيطة جميعها ونفوا القرامطة وشبهوا بقطاع الطرق لاعتمادهم وسيلة تأميم أملاك الأغنياء وسلبهم لتوزيعها على الفلاحين، وأسقطت في آخر المطاف وأغلق التاريخ على تجربة اشتراكية رائدة في العالم، كانت أول شكلٍ منظم للثورة العربية.

طبعاً، هنا، لن نتجه إلى اسقاط هذين المثلين على حديثنا، فبعيداً عن التشبيه أو المقارنة، مجرد سرد لأشكال تمرد، شهدها تاريخنا، تمرد كان محركه الأساسي ظلم الدولة وقسوتها، وتحول إلى تمرد دموي، أو عصيان مدني، وجد شكل فكري تارة، أو أدبي تارة أخرى، لتنظيمه.

نعود إلى الطفار، طفار بعلبك الهرمل تحديداً، وهم، اذا سلّمنا بارتكابهم تجاوزات قانونية، الا انهم ضحايا، ضحايا ما دفعهم إلى ذلك، وما وضعهم أمام الخيارات الصعبة.

منطقة بعلبك الهرمل، ممتدة ومتصلة بمنطقة جرود عكار، أشد المناطق اهمالاً من قبل الدولة ال مركزية في لبنان، إهمال يبدأ في الاقتصاد ولا ينتهي عند حدود العناية التربوية والتعليمية، ما يترك السلطة متقاسمة بين نفوذ العشائر الكبيرة، ممثلة بأفراد مهيمنين سياسياً على شكلها، ونفوذ الأحزاب الكبيرة أيضاً، التي تتعلق مصالحها بما هو أهم، بالنسبة لها، من مصالح الأفراد والفقراء.

في هذا الجو، ومع توارث العداء للدولة من زمن العثمانيين، ليترسخ غياباً تاماً للدولة اللبنانية لاحقاً، نشأ المجتمع البقاعي الشمالي الحديث، فقر مدقع، بطالة واسعة، غياب الغطاء السياسي اللازم في النظام اللبناني لدخول الوظائف والمدنية الحديثة، والأهم، استهداف اعلامي شديد دون دراسة لجذور المشاكل الاجتماعية والأمنية وحقيقتها.

معظم الملاحقين قانونياً في تلك المناطق، يلاحق على خلفية زراعة نبتة الحشيشة، "بترول" البقاع الأخضر، وجرائم أخرى كالسرقة والقتل، التي تتعلق فيما تتعلق بطبيعة المجتمع البقاعي وظروفه الحياتية اليومية الصعبة، وتعقيدات الحسابات العائلية والعلاقة الهشة بالمؤسسات الأمنية، معظم هؤلاء، يلاقون تعاطفاً من قبل أبناء المنطقة، بمعظمهم، اذا استثنينا بعض العائلات الاقطاعية التقليدية وبعض العائلات الصغيرة المحسوبة على أحزاب سياسية نافذة في المنطقة، تحارب هؤلاء الطفار لحسابات مصالح مع أجهزة المخابرات والقضاء اللبناني.
يلجأ الطفار، عندها للجرود، مخزنين غضباً وحقداً ضد ما يعتبرونه ظلماً واجحافاً، واستهدافاً ومطالبةً بواجبات مواطنية، دون مقابل حقوقي يوازن هذه الواجبات، معظم الشباب الصاعد، يتعاطف مع هؤلاء "المتمردين" لكونهم يعايشون الواقع ذاته، دون أدنى شعور من النواب المنتخبين الممثلين، ولا من الحكومة الوطنية او غيرها، معهم، ويتحول الطفار في ذهن الحكايا الشعبية، والقصص المحلية، إلى مضرب مثل في البطولة عند بعض الناشئين، وفي الكرم والجود والشهامة وعزة النفس.

كل ذلك لا ينفي حقيقة ارتكاب هؤلاء لما يعتبر خروجا عن القانون أو تعدياً عليه، بطبيعة الحال، ولكن المطلوب من اعلام البلد، أحزابه، قضائه، مراكز الأبحاث فيه، قراءة واعية للمشهد، لخلفية هؤلاء وسبب التعاطف الشعبي مع بعضهم، قراءة لطبيعة المجتمع البقاعي، حاجاته، تعقيداته الاجتماعية العائلية، وتعاملاًً من الدولة اللبنانية لمرة واحدة مع المنطقة، على أنها جزءٌ أساسي من الوطن، لا أرض ملحقة بها، لاستيعاب حالات التمرد، والتعاون لانجاز اقتصادي وقانوني يسوي مشاكل المنطقة، سواء المدنية الحقوقية، أو القانونية الجنائية ضمن اطارٍ يوازن بين الواجبات والحقوق للمواطنين، كل المواطنين.

الحكم على جورج عبد الله: معادلة المجد والعار

02/12/2009

خضر سلامة

نهار الاثنين، الساعة 1 ونصف بتوقيت تاربي، احدى مدن فرنسا، فرنسا التي يتغنى كل مسؤولي الدولة جمهوريةً وبرلماناً وحكومةً بالصداقة معها، صداقة كانت عالاغلب نتيجة استعمار مباشر وغير مباشرة بدأ منذ ال1860 وصولاً لخمسينات القرن المنصرم عندما خسرت نفوذها في لبنان لصالح دول أخرى، في هذا التوقيت، قامت فرنسا باصدار حكم بالسجن ثلاث اشهر على المناضل، الرفيق، الوطني المقاوم الحقيقي والأصيل والصادق والذي بدأ واستمر، مندفعاً بقناعاته وقدرته الذاتية دون أي تبعية للخارج، صدر الحكم عليه بثلاث أشهر بالسجن، لرفضه الخضوع لفحص الحمض النووي دي أن ايه جديد. بعد أن خضع له عام 2003، ضمن ما زعمت المحكمة أنه اليوم فحص جماعي للمسجونين.

جورج عبد الله رفض الفحص الحمضي، كما فعل اليسار الراديكالي الفرنسي كله، هذا المشروع الذي تبين أنه يهدف مستقبلاً إلى رسم خريطة دي أن ايه للفرنسيين، لاستكمال رسم حدود الدولة البوليسية الذي يضعها اليمين الفاشي بقيادةLiberationGeorges نيكولا ساركوزي، جورج عبد الله رفض، لقناعته بانسانيته الخالصة، وانسانية رفاقه المعتقلين وحقوقهم، أن يكون فأر تجارب موسمي لهذه الدولة-السجن الكبير، كما رفض أن يتهاون في التجاوب مع جلاديه، الذين يعتقلونه منذ عشر سنوات دون وجه حق قانوني، ومنذ سبع سنوات ضمن ما يصنف اعتقالاً سياسياً،  آخذين بعين الاعتبار هنا ان محكوميته منذ عام 1984 قائمة على قضية “مثقوبة” بالدلائل المزيفة والرشاوى التي اعتمد عليها للايقاع بالمناضل اللينيني العتيق.

صدر الحكم على الرفيق جورج، لم يصدر بيان استنكار واحد من أي فصيل لبناني، أو مسؤول، لم يتحرك ولو بعض اليسار الغبي، كعادته؟!، لاحتضان ابنه سياسياً وشعبياً واعلامياً، لأن جورج عبد الله مناضل من الزمن الجميل، من زمن اليسار النظيف والمقاوم، لا يسار السرقة والاختلاسات من الحزب وبيع ممتلكاته والتآمر على أبطاله، والأحزاب الوطنية المدعية المقاومة، تعامت، كعادتها وكما فعلت مع أهل جورج عبد الله منذ سنين، عن القضية فهي لا تعنيها بأي مصلحة، وجورج عبد الله يصر أن يبقى “أحمراً” في سجنه، لا أن يتحول أصفراً أو أخضراً أو ازرقاً، بقي أحمر خالص الوطنية والانتماء والثبات والعناد، والدولة، بمعارضتها السابقة، وموالاتها السابقة، تكمل حياتها الهجينة، دون اكتراث لجورج عبدالله، المواطن المزعج، المشاكس، الذي ان عاد، قد يعترض، قد يثور، قد يضرب بقامته الحديدية جدار الفساد والصفقات المشبوهة، جورج عبد الله مواطن مكتمل المواطنية، في دولة تسعى لمحو هذا المفهوم، يمنع وجود أمثاله في بيروت، بيروت مدينة خالصة لرجال العصابات والطوائف يساراً ويميناً، لا لرجال المواقف، لا لرجل خارج الكادر الفاسد، لا لجورج عبد الله.

لم يصدر أي بيان، لم تحدث أي مظاهرة، عاشت بيروت يوماً عادياً بالأمس، وحصد جورج عبد الله ثلاث أشهر من السجن عقاباً لمجده، لكبريائه، عاد إلى زنزانته حراً، ونحن بقينا في الوطن، نفتقد ضميراً يسجنه الفرنسيون، أراهم على شاكلة ماري أنطوانيت، بكل غطرسة، ساركوزيين يمينيين بوليساً وعسكر، يبصقون على التاريخ، ويعتقلون ظفراً عالمثالثياً جرح لغتهم الفاشية يوماً.

المجد لجورج عبد الله.. والعار لكل رفيقٍ ينسى رفاقه، والعار لكل بندقية تغدر بأخرى.


%d مدونون معجبون بهذه: