عن بيت دعارة

خضر سلامة

سكون، صمت رهيب، ظلام يحاول عبثاً ان يستر الفاحشة، وعواء شهوة خطيرة في وطنٍ ناقص

هدوء لا يخرقه الا تأوهات لذة وألم، واصوات ذكورية متوحشة.

17 عاهرة، يجمعها بناء مهترئ، تجاوز الستين من عمره، ولا زال يصر على أنه من فصيلة الأوطان، مسكن صغير يضيق بالفقراء، ويتسع لتقاتلهم، ما بين شماله وجنوبه مساحة دموية تمتد كأضلع آلهة عابثة بأقدار البشر، آلهة فاجرة وشرهة.

شبه منزلٍ تديره مجموعة أصنام، اصنام تتحرك وتستوطن منابر الكلام وتتوارث الملكية منذ 200 عام، لم تتغير العاهرات رغم ما بان في وجوههن من تجاعيد الزمن البغيض، رغم ما بان من قبحٍ في تفاصيل العتم الاسود في صدورهن، عهر بحقد.

بين العاهرات لا لقاء، مجرد وثيقة و عقد عمل. يربطهم بعلاقات مشتركة اذا ما طلب الزبون ان يجمع أكثر من واحدة في سرير رغبته، فيسمونه تحالفاً أو هدنة طائفية، ولا للعاهرات امر ولا نهي، فهي محكومة بمزاجية الزبون وحدود رغباته.

الزبون أميركي، سوري، ايراني، اسرائيلي أو خليجي لا فرق، مر الكثير على فراش العهر، والكثير منهم التذوا بذبح شرف البغايا ال17، ذبح على الطريقة الدستورية، أو على الطريقة الشوارعية. لكل منهم عشيقة أو عشيقات لا يستمتع الا بنهش محاسنهن… ولا ينسجم الا بنغم انينهن.

عندما يصير الجنس لغة الحوار، ولغة العلاقات الانسانية، وعندما – في مرحلة اسوأ – ينحو الجنس الى فعل اغتصاب وطني يومي، يصبح العهر عندها نظاماً وقانون مجتمع، ويطوب في النصوص القانونية معبداً لممارسة الفاحشة الاقتصادية والسياسية، تخلع القحاب ثوب الخطيئة عنها وتستتر بثوب العفة… وتتابع مسيرة بغائها.

17 عاهرة، تتمدد فوق سطح التاريخ، تحتل مساحة الحرية المزورة، والديمقراطية الكاذبة، تفرد كل ما ما تحمله من غيرة، تتذابح العاهرات لترضي الزبون، تغرز اظافرها المسننة بالبارود في الافئدة لتكون هي الملكة.. ملكة الدعارة!!

وتبقى المأساة هي ما حملته لنا ارحامهن النجسة، تنجب لنا حكومات عوراء، وحروب يومية باسم ألف قضية، تنجب اقتصاداً مسعوراً، وتنجب نقاباتٍ عمياء، وحتى فلاسفة دين! طفلاً موبوءاً بالخطيئة يسكن جامعاً او كنيسة تاجراً بالدين، وبالطوائف.

17 عاهرة، كلها تدعي المظلومية، كلها تشكو التهميش، وتمارس السادية بحق أبنائها، كلها تدعي الشرف، 17 عاهرة سمتهن مراسيم التعيين التاريخية والجغرافية، ثم تقفل باب الانتساب الى مواطنية تقاس بعدد القتلى الذي قتلناهم باسم أمن الطائفة، او سنقتلهم قريباً بالسلاح او بالجوع، بالجهل او بالغربة: هيدا الوضع هيك! ثم بعد هذا المورفين السياسي، يجمّل بيت الدعارة وجهه الحضاري بعباراتٍ مريضة : الانصهار، الصيغة الواحدة، التعايش المشترك. تصوروا ايها الرفاق 17 عاهرة يتعايشن: ازمة ميول!

كلها تطمح لتكون المديرة لهذا الوكر المظلم، لتكون "خالة"، كلهن يعتبرن انفسهن ملكات فوق عرش اللذة الوطن، كلهن لهن الاولية بادعاء التمايز، والنطق باسم الله في أذن الشعوب.

كم انتن مخدوعات بأناتكن ايتها العاهرات، كم انتن مكسورات ومحبطات، في كل منعطف تثبتن الفشل، والأمراض النفسية اليومية المتفجرة من مخزن بارود، أو من بيان ثقة، أو خطاب برلماني سخيف.

هزمتكِ الأيام ايتها العاهرات.. حطمتكِ رياح الحروب والتنافس بين بعضكن.. ولا زلتن تطرحن اجنحة البغاء فوق ايامنا، ستسقطن، بلاءات ألف مجنون أو أقل، هربوا من سجون طوائفهم، ستسقطن بفعل البقاء خارج الحظائر الوظيفية، والحظائر الاقطاعية والمالية. ستستقط الطوائف، وتسكت الأبواق، ويصبح لنا وطناً، لا بيت دعارة.

Advertisements

الأوسمة: , , , ,

2 تعليقان to “عن بيت دعارة”

  1. عبد القادر الحوت Says:

    النص معبّر لما يعيشه لبنان و طوائفه الـ17، و لكن عندي عدة ملاحظات :

    1 – أول ملاحظة لها علاقة بتحرير النص، فتكرار كلمة عاهرة و مفرداتها، شوية ثقيلة.. هو التكرار المكثف الذي يجعل قراءة النص غير مريحة… إستخدامها مثلا مرة أو إثنتين في كل مقطع، كان أفضل من تكرارها عدة مرات في الجملة نفسها.
    و لكن أتفهم هذا التكرار، الذي ربما يكون مقصودًا، و يهدف إلى إيصال مدى خراب و قذارة هذا البلد و طوائفه و طائفيته.

    2 – أيضا بالنسبة لمقارنة الطوائف بالعاهرات، فإن كانت المقارنة فيها الكثير من الصحة، و لكن إعتراضي يكون على مقارنة طوائف تقتل و تفتك بالبشر و بالمواطنين، مع نساء أجبر معظهم على الدعارة (تحت تهديد مباشر أو نتيجة تمييز و ظلم المجتمع الذكوري).. فالمقارنة، فيها نوع من الذكورية.

    3 – بالنسبة لروح النص، فأنا متفق معك 100%، و لكن مع مرور الزمن و الأيام و بالأخص اليوم مع صعود الدين فيما يسمى “بالصحوة الدينية”، ليس فقط في لبنان و بلادننا العربية بل حتى في بلاد الغرب… فإن إنهيار الطوائف و الطائفية (المرتبط أساسًا بسطوة رجال الدين على المجتمع و بإشكالية بعض الأديان في إعتبار نفسها على انها دين و مجتمع)، يزاداد إبتعادًا.
    حتى من يدعو إلى إلغاء الطائفية السياسية، فنراهم لا يدعون إليها من منطلق رفضهم للتمييز بين المواطنين سياسيًا، بل لإعتبارات سياسية و رغبة البعض في إقامة تحالف أقليات لمواجهة المدّ المتطرف الإسلامي المدعوم أمريكيًا.
    و هذا ما يجب أن يستدعي عمل مشترك من كل الحركات و الشخصيات العلمانية، أكانت من اليسار و حتى من اليمين.. فخطورة المعركة على مستقبل شعبنا في لبنان و شعوبنا العربية، توجب سقوط الإختلافات الإيديولوجية الإقتصادية مع اليمين.. طبعا بإستثناء اليمين الإنعزالي و المتطرف.
    و هذا في لبنان، أيضًا و للأسف ما زال بعيدًا.. حتى ضمن اليسار العلماني نفسه، فالإنشقاق كبير و ظهور جبهة علمانية يسارية أصبح من سابع المستحيلات. (الإنتخابات الأخيرة خير دليل..).
    و لكن… دائما هناك لكن… ما زال هناك بعض الأمل و إن كانت النافذة لن تبقى مفتوحة طويلاً.

    مع التحية،
    عبد القادر.

  2. جوعان Says:

    مرحبا رفيق عبد القادر
    طبعاً أنا معك بأول نقطة، وبعرف وقع كلمة عاهرة ثقيل على السمع خصوصاً للقارئ الشرقي، ولكن، الكتابة في لحظة غضب، تعوز قليلاً من البذائة، خصوصاً في الزمن البذيء.
    بالمقارنة معك.. أيضاً، ولكن الجواب في ردك الكريم عزيزي، العاهرة، بوصفها والتعامل السيء معها قانونيا واجتماعياً، هي من نتاج هذا النظام العفن الذي يحكم رقابنا من عشرين قرناً..
    أما عن الانهيار، فنعم، الانهيار بعيد منطقياً، سياسياً، ولكن، الأمل في الوجود، في البقاء، عشرة اشخاص احرار، قادرين ان يثبتوا فشل النظام وفشل الأمر الواقع، وهون أملنا، باعادة انبعاث يسار صحيح سليم غير مريض بالطائفية باشكال اخرى.. لهيك بكون فعل الكتابة، الكتابة لاثبات الوجود، للتحدي، لنقول انو رغم كل شيء.. في ناس بعدها قادرة ترفض.

    التحية دائماً الك، وعلى مشاركاتك الثمينة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: