Archive for 31 يناير, 2010

من قال أريدك في الجنّة؟

31/01/2010

خضر سلامة
كتبت هذه الخاطرة، بعيد وفاة “الحجة آمنة”، والدة جدي، خزان أسرار صلات الرحم والدم في الأسرة الكبيرة، وجذري الضارب في خد تراب الجنوب.

من قال أريدكِ في الجنة.. أريدكِ هنا الآن..
قاسميني رغيف الشوق الى الجنوب… قاسميني موهبة البكاء ..
"الختيار بالبيت بركة".. فكيف تُدفَن البَركة! ومن أين أشحذ الآن ذاكرة العائلة وتاريخها.. وأنت بعكازك تصفعين غربتي.. وتسميني غريباً.. وحيداً.. وحزيناً.. من أين أشحذ بهجة العودة اذا ما عدت يوماً.. وأضعت الدرب إلى زرقة عينيك.
أتهمك بالغرور، بالأنانية، أدينك بموتك والخيانة، أصرخ فيكي أن عودي: فكيف تصادرين الآن منّي أسماء الموتى ورائحة التراب، كيف تسرقين العناوين والقصص والأدعية وترحلين.. ولماذا تغلقين باب القبر على أصابع طفلٍ لا زال يرضع من شفتيك أشيائه.. ألعابه.. لا زال يعلّق مرجوحة العيد فوق كتفيك منتظراً ضحكتك العجوز على قارعة الوجه المثقل بالموت.. بحرارة الفقد.
كل ما في المشهد يشبه الحزن المنقوش بصدري.. فبساط الثلج يخنقني بلون الكفن الذي ألبسك إياه الميلاد .. وصقيع المدينة فيه رعشة صوت أمي القادم من الهاتف لينعيك.. ليرثيك بآيتين من القرآن ودمعتين.. وصلاةٍ يابسةٍ كالفجيعة.

لكِ الأبجدية إن علمك اللحد الآن القراءة.. فأجيبي.
من يقلب خد الحقل إن سلمتك للنسيان.. لموتك
من يلقن الأطفال اول خطوةٍ فوق التراب… إن رحلتِ أنتِ وكفّك pic1
من يخبأ اللهجة الجنوبية إن نشلوا من معطفي شفتيك وصوتك
ركيكة هي اللغة في رثائك، وخائنٌ أنا إن وقفت حاملاً ذبولي أمام ورد صدرك، فكيف أبتكر البداية، ورحيلك آخر النهايات الممكنة لملاحم الصبر والكبرياء… أخجل من صخب الأعياد أمام خنجر السؤال عنكِ.. أخجل من نفسي أمام عتب المسافة والسفر…
يا حجة آمنة:
أحتاج معجزة..
أحتاج الهاً.. نبياً.. قرآناً جديداً
أحتاج قصيدة..
أحتاج كتفاً..
أحتاج وطناً آخر يقبل أن أقبّل يديه اذا ما عدت الى وطني..
الآن أعرف ما ثقل الفراغ، أعرف ما شكل الجسد بلا قلب، وما شكل الشعر بلا وزن، وما شكل الصوت بلا بصمة، الآن أكتشف لون وجهي العاري حين يولد المطر فيه ويدفن فيه.. ويُبعث منه كل شيءٍ حياً وحزيناً فيه..
هذا انكساري أيقونةً في عنقك.. وتلك دموعي نبضاً يطرق باب القلب الغافي.. وتورّم عينيّ حذاءً لقدميك.. فهاتي عكازك الآن أتوكأ بها على الألم… وأعيريني شيباً من شعرك.. أزرعه في مقلتيّ بياضاً كبياض عينيّ يعقوب.. واشنقيني بالضفائر… علقيني في يديك مسيحاً.. واعتنقي القيامة.
لا تجرحي قلب الصليب مرتين.. واعتنقي القيامة.
"قومي من حزنك قومي.."
أبعد هذا.. ترحلين؟..

بيوغرافيا: 2- هذا العالم سلة نفايات

29/01/2010

خضر سلامة

2. هذا العالم سلة نفايات
بيوغرافيا 1

أخطر المواعيد، تلك التي تدخلك مجبراً في لعبة "روليت" روسية ضحيتها فكرة الحب، تنتظر كل كلمةٍ تخرج من وكر الوقت فوق شفتين ككأس نبيذ، كل كلمة موعدٌ متأخرٌ مع رصاصةٍ قاتلة: هذه الكلمة ستنهي كل شيء، لا بل تلك الكلمة.. لا بل تلك، أنتَ متأكدٌ جداً من موت أحلامك، لكنك مجرد ساعة رمل، تطمع أن تسجّل تاريخ الموت، وسنة النكبة، أنت "أجندة" الهزيمة، في الساعة كذا، من يوم كذا، قتلتكَ التي تحبُها.
موعد خطير، يأتي فيه العالم كله ليسخر من خوفك، ويسخر من عجزك إلا عن نصب كمائن الشعر، تزرع ألغام كلمة أحبك، بجبن جنديٍ يبحث عن شعار انتصارٍ ضيقٍ يعود إليه بعد الهزيمة القاسية، وهي بمهارة أنثى عربية، تعلق ألغام الحب قلادةً في جيدها، فرسٌ من زمن الحروب الجميلة، متأصلة في الحقل المعجمي للجسد، وتجيد نشل اللحظات السعيدة، لك فضلات الذكرى، لكَ هدية لتتذكرها جيداً، ولتبكي في سركَ جيداً أيضاً.

هذا العالم متآمرٌ ونذل، النادل ينتظر التوقيت الأسوأ ليعطيك فاتورة انتظارك، كل دمعة بكتها هيَ، كل قبلةٍ سرقتها أنتَ من سلّة بكائها، احتضان اليد لليد، العرض المسرحي الجميل لخجل عينيها وترددها وخوفها، كلها داخلة في الحساب، في فاتورة المطعم، هذا الكائن الشره الذي يأكل لحظات الحب، ويأكل لحظات الفراق، ويأكل أصابع كل طفلٍ يحاول أن يسرق ما ليس له، كقلبها مثلاً، كائن شره هذا المطعم، يصفعك كل قليلٍ بأغنيةٍ كنت تحبها في لحظات وحدتك، وصرت تراها الآن في هذه اللحظة غولاً يغتال كل محاولةٍ لتهريب دموعك من حدود الفضيحة، كلهم متآمرون، وهناك في الزاوية، عاشقان جديدان على فندق الفرَح، يذكرانك بأول كلمة حب… ويذكرانك بقرب موعد الأخيرة، متآمران هما، حتى سائق التاكسي، يضحك ويحدّث الجميع ويخبرنا عن شوارعه وعائلته، يضحك، يضحك في زمن البؤس الذي يمتد على طول رحلة العودة! وأنت تكاد تنفجر، مقود السيارة يقول في سره: سآخذه راكباً إلى التعب، سآخذه إلى النوم… ليعود إلى اغفاءة حلمه، لك الحلم أيها القلب العابر، أما الواقع السيء، أنتَ خارجه. 2076450897_be1b8ace7c
متآمر هذا المطعم، وهذا النادل، والزبائن، متآمر سائق السيارة ومتآمرة هذه الوجوه المسرعة إلى الغيّاب، متآمرة حبيبتك ضد حبّك.

كلهم متآمرون، كلهم دخلاء على حزنك، هذا الحزن رغيف خبزٍ، أنت حصدت قمحه من بيدر خديها، وأنتَ أخذت النعاس في عينيها مراراً إلى طاحونة الغزَل، وأنتَ الذي حرستَ غلال الضحك من ذئاب الشرق التي تأكل لحم النساء، أنتَ خبزتَ القصائد عند الفجر في تنّور أذنيها، أنتَ أنتَ، وضعتَ صمتك في وعاء الصدمة عند صاعقة "كلا"، هذا حزنك يا أنا، ولو غلفَته لك أنثى بورق الهدايا.
هيَ، ستعود إلى منزلها، تلاعب طفلاً، تجيب معجباً، ستترك دموعها على الطاولة، وستعبر فوق محاكم تفتيشك عن كلمة حب، ستترك كل شيءٍ حصل اليوم، وستستيقظ غداً صباحاً أنثى جديدة، تصطاد رجلاً جديداً، أما أنا، أما أنت، ستسقط في هاوية السؤال عنها كل يوم، وستظل فريسة الصورة القديمة، أنت منذ الآن هاتف قديم، لرجل ميّت، غلبه الصدأ، ولم يبق في جعبته إلا ذاكرة الأرقام، وأصوات جميلة لا تموت.

لا موعدَ يخطف أذنه صوب عقرب الساعة
لا يد تمسكك من قلبه اذا ما خاف من غدر البكاء
لا موسيقى تسعده، دون أن تذكره بحفرة الفراغ.
أنت مجرد هاتفٍ صدئ، يتآمر ضده العالم بفرحه، بلامبالاته، بسخريته، تتآمر ضده الجيوش بقوتها، والعروش بجواريها، والأحزاب بمناصريها، والعشاق بطفولتهم، وأنتَ مجرد فعل ماضٍ، ينقصه الأمل..
ينقصك أنثى، حبيبتك.
تأشيرة دخولك إلى عالم الواقع خارج دفء القصيدة، تستحقها، فادخل:
هذا العالم سلة نفايات، وأنا فيها.

بيوغرافيا 3

يا غزة، بدنا نلبسلك أبيض!

16/01/2010

خضر سلامة

فرجت يا أصدقائي.. فرجت

في عز الحصار الذي يضربه الجاموس المصري على غزة، وفي ظل التراجع الرسمي العربي السريع للنوم في… خيام العدو! كدنا أن نصاب بالقلق، بالروبصة، بالتشنج الدماغي والتاريخي وبعاهات مستديمة في شرفنا، لولاها، وهي تلبس الأبيض.

حاول يا عزيزي المواطن أن تفتح أي إذاعة، أي برنامج محادثة، أي حائط في الشارع كانت تسكنه منذ ثلاثين عاماً صور الشهداء، فصارت تسكنه صور الفنانات، حاول أن تفتح أي شيء، أن تفتح حواراً أو موضوعاً، أو سؤالاً، وسيأتيك الجواب بلازمة منتشرة كالوباء: الليلة البسلك أبيض وصير ملكك والدنيا تشهد.. ولعت!

خلص، أقفلوا الذاكرة على ليلى خالد ودلال المغربي وسهى بشارة ولولا عبود وسناء محيدلي، أقفلوا التاريخ عليهم ولندعم هذا الزخم الثوري الجديد للنساء العرب، بالأكفان قادمات! أليسا تريد أن تلبس الأبيض، والدنيا ستشهد، هي قالت ذلك، وأنا أصدق كل ما تقوله أليسا، ونصف ما يقوله جورج وسوف، ولا شيء مما يقوله نبيه بري.

لكأن ثمة قوة خفية، تريد أن تخنقنا بالرداءة، ثمة دائماً كارثة جديدة في نشرة الأخبار، ولو هربت إلى قنوات المنوعات، ستجد كوارث أشد فتكاً بالسلامة العقلية والثقافية، ولو بحثت عن قناة أطفال مثلاً، ستقفز إليك أغنية دينية تلقن إبن الثلاث سنوات، أول درسٍ في الببغائية! ثمة قوة خفية، تعطيك سبباً جديداً للغضب كل قليل. أما الصحف، فبين كل تفاهة وتفاهة، تفاهة أخرى، اللهم إلا صفحات الوفيات، فهي الأخبار الوحيدة الصادقة التي لم تعبر على مقص الرقيب الحزبي.

لماذا أليسا تلبس الأبيض، بينما يتساقط جميع المناضلين إلى الشاشات أو إلى الميكروفونات الحربية؟hani1

لماذا تنفجر عبوة بسيارة اسرائيلية، فلا تقتل أحداً، بينما تنفجر عجلة باص في سوريا فتقتل تسعة؟

لماذا نفس اللذين حرضوا طائفياً، وقتلوا طائفياً، وحكموا طائفياً، هم طليعة المتحمسين للعلمانية اليوم؟

لماذا يفقد البعض وعيه اذا سمع عن نبأ مقتل مواطن في إيران، مثلاً، أو انفجار قنينة غاز في فرنسا، وتضجره الأخبار الآتية من فلسطين والعراق يومياً؟

لماذا يستطيع مهند أن يحشد جمهوراً في ليلةٍ واحدة، أكثر مما تستطيع أحزاب اليسار أن تحشد في عشر سنوات؟

لماذا يحاضر بعض المثقفين اليساريين خصوصاً في بيروت بالانكليزية؟
هل شعروا أن موقعهم الطبيعي هو تثقيف الأجنبي السائح المستشرق، بما أن المشوار إلى عكار مثلاً متعب؟

مجدداً، لماذا الدنيا ستشهد على أليسا، ولم تشهد هذه الدنيا يوماً على أطفالنا المذبوحين؟

ثمة شيء ما يحترق، أعتقد أنه عرضنا، وثمة شيء ما يغرق، أعتقد أنه كرامتنا الوطنية، لا كلبنانيين، لا كعرب، بل كبشر! وأنا أصرح من تحت جزمة النظام الذي يخنقني هذا: سيأتي يومٌ نلبس فيه كلنا الأبيض، وتزني بنا كل اللغات وكل الشعوب وكل الأمم، لو حافظنا على سرعة تقدمنا إلى الوراء في كل شيء، إلا في فواتير المطاعم.

جوعانيات – 2

11/01/2010

جوعانيات – 2
خضر سلامة

(سلسلة جوعانيات هي مجرد أفكار، بعضها فوضوي، بعضها موجه، بعضها كتب في لحظة غضب، وبعضها في لحظة تعب، كلها في جذر الوطن ولدت، ولا زالت تبحث عن سمائه)
الجزء الأول من جوعانيات يمكن أن يُقرأ على هذا اللينك
جوعانيات – 1

جوعانيات – 2

.1 لو كان في الحكم العربي رجل واحد.. لقتلته!

2.وطني قصيدة عربية معولمة، منظومة فوق “بيوت” الفقراء، وموزونة على “قافية” الأغنياء.

3. كلنا للوطن، أما الوطن فلشوية حرامية

4. أخذوا منا الأرض والبترول والأحلام والكرامة، وأعطونا ماكدونالد!

5. الجوع ليس كافراً، الجوع مؤمنٌ بفكرة الرغيف

6. قلنا لن نسالم، ولو نمنا في العراء، فاستبدلوا نجوم السماء فوقنا بنجوم سداسية.

7. يقال في كل العالم، أن ثمة ملاك حارس لكل مواطن، إلا في بلادنا، ثمة لكل مواطن مخبر حارس.

8. ربما انتصرت الرأسمالية على الشيوعية، لكن الأكيد أنها انتصرت أيضاً على الانسانية.

9. لأن جزمة العسكر تحكمنا، سنبقى حفاة.

10. تقضي الأم عمرها في تعليم ابنها الإيمان،ويعلمه النظام العربي الكفر في نشرة أخبار واحدة

11. الأردن أولاً، لبنان أولاً، مصر أولاً، كلها استعارات مجازية لفكرة اسرائيل أولاً.

12. هل يجب أن نكتب على قفانا “انتبه: نحن بشر أيضاً” كي يكترث العالم بنا؟

13. الغريب يا سيادة الريّس أن الكرامة المصرية تبدأ عند حدودها العربية، وتنتهي قبل أن تصل إلى حدودها مع
الكيان الصهيوني، في سيناء، منطقة منزوعة الكرامة.

14. لا قعر لهذه الهاوية، نستمر في السقوط.

15. كل ما نطلبه مساواتنا بأطفال العالم: حرية تعلم النطق، وحرية الركض فوق خريطة الوطن.

16. حكمة الأنظمة: الجار قبل الدار، إلا اذا كان عربياً.

17. ما اجتمع مواطنان إلا وكان حائط المعتقل ثالثهما.

18. سنقول لله غداً جهاراً: نحن اللذين رفضنا جنتك في السماء وقاتلنا لأجل جنة الأرض الجميلة.

19. يوم القيامة، سيحتاج الله مجهوداً أكبر لإيقاظ هذه الأمة من سباتها.

20. لا بد أن تنتصر فكرة النشيد الوطني على فكرة روتانا.

21. المستقبل: ولو كان اسماً في اللغة، فهو فعلٌ فاعله من يطلبه.

22. هنا فقط، يموت الأبطال في آخر الرواية.

23. لماذا لم تصوّر لنا الأديان نبياً أسوداً واحداً؟

24. لو أن مفردات الأمل، والمستقبل، والوطن الحر، والاشتراكية والتضامن والشعب والله، تأتي إلى لبنان جميعاً بلا أحزابها، كنا بألف خير.

25. الجندي الحقيقي، هو اللذي يحييه المواطن احتراماً، لا خوفاً.

26. دعنا قليلاً أيها الخوف اليومي من الغد، نريد أن ننام قليلاً.

27. القضية، فعل حاضرٍ مؤجل، علامة رفعه طفل يولد كل ثانية.

28. يشنقنا الاحباط أحياناً، لا نكترث، فمن فوق الموت نرى رؤوساً كثيرة لا تستحق الحياة.

29. فلسطين، أنتِ أنثى ساحرة، كفي عن أكل عشاقك.

30. احمل قلماً، بندقية، احمل برنامجاً ثورياً، رايةً وطنية، لا تترك يدك فارغة، كي لا تنتهي كأي متسوّلٍ على باب الطوائف.

31. وددت لو أن المرأة العربية تمتاز بضفائرها السود، وكحلها الجميل، وعينين من مرمر، لا أن تمتاز بعدد الكدمات على جسدها.

32. الحب، مهنتنا، مهنة العاطلين عن العمل.

33. “لا”، هذا هو فعل المقاومة الحقيقي في عصر العولمة.

34. كل من على العروش فان، ويبقى الأمل، ذو الجلال والإكرام

جوعانيات – 3

إلى مهدي عامِل

04/01/2010

خضر سلامة
مهدي عامل، هو الرفيق الشهيد حسن حمدان، مفكر ومناضل ماركسي لبناني، اغتالته القوى الظلامية الطائفية عام 1987، في شوارع بيروت الوطنية، التي كان يحرسها ويحرس أحلام فقرائها، من غدر الطوائف والعملاء.

ككل النسور التي تصطاد السماء
من أيدي الآلهة
لتعيدها لأهل السهل:
يُطاردها الأغبياء
ويراقصها الرصاصmahdiamel6
رقصة الغدر

كأي نسر.

كأي نسرٍ، ساعة الموت
يقفل جناحيه على سرّ الخلق
وفكرة العشق.

ثم كي لا ينتصر قاتله:
يعض على الألم
ويعود تراباً جميلاً
نقياً.. يحرس العلَم.

كأي نسرٍ ولِد
بالأحمر
وقتل
بالأحمر
وبعث مهدياً مقاتلاً
مخلصا للفقراء
من كذب الأنبياء
في أرض عامل.
كأيٍ مهديٍ
مهديٍّ مقاتل.
مهدي عامل.

مهدينا: كان أجمل الفلاحين
عند شكّ التبغ
وكان أجمل المصلّين
عند الصلاة لبيدر قمح
كان كتاباً يقرأه الذاهبون إلى الحصاد
والعائدون إلى الحقل
قرآناً لم تزوّره العمامات
يُقرَأ عند الفجر.
ويبتسم النعمان.. أن ظهر المهدي
في أرض الفقراء.
في عامل.
مهدي عامل.

ويزيدٌ، يحصي أعداد القتلى
“قتلنا اليوم خمسون رفيقاً
ستون فقيراً
مئة فلاح.. بنيرانٍ وطنية
وعدواً واحداً.. كان عن طريق الخطأ”
ويزيد يحتل المساجد
صار هو الشرع:

يغيظه الفرح
بعيونٍ النسر
تقتله الحكمة..
من ثغر إمامٍ بثياب رثة
يمشي والفلاحين إلى قبضة منجل
ويدلّ على بيت السارق
والقاتل
والفاعل بالشعب
بأمر الله.
يدين القتل وفعل القتل
فيقول القاتل
فليقتل هذا القائل:
فليُقتل مهدي عامل.

يزيد هو الشرع
في أرضٍ تزرع رائحة الذكرى
كل فجر
وتضيء الورد
على القبر

مهديٌ هو النبع.
العطش العطش..
قتلوا مهدينا.
مهدي عامل

قولي أيتها الأرض
مهدينا مات
قتله أبو جهل
ورمى رأسه فوق الرمح
طافوا بالرأس على الكعبة

مهدينا مات
داسته خيولٌ من عصر الردة
قتلوا علياً
قتلوا حسيناً
قتلوا أبا ذر
قتلوا المهدي..
قتلوا كل الشرفاء.

من يبكي اليوم مع الفقراء؟
من يحرس دم الشهداء؟
من يكشف كل العملاء؟
قتلوا مهدي.
ثم بكوه.

قومي أيتها الأرض
اذا ما عاد
سميه نبياً، لم يتنجس بالمال
سميه رسولاً، يحمل دمع العمال.
سميه صليباً
يحمله الأطفال.

سميه فقيراً
فلاحاً
وسلاحاً
أو أهزوجة عرس
في جبل عامل.

مهدينا..
مهدي عامل.

مدونة جوعان على الفيسبوك

بيوغرافيا: 1- محاكمة لو وأخواتها

01/01/2010

خضر سلامة

1. محاكمة لو وأخواتها
أعرفهن، كل أنثى، ستخنق شفتيك بسم الرغبة، وستخبرك أنّك أول عابر جسدٍ يمر، وأنك مستوطنة تتوسع فوق أرضٍ بلا ذكريات، ستأتيك كتلميذةٍ تتعلم تهجأة القبلة وصناعة الحب، لا تصدقها، واجمع ما شئت من تفاحها، وكن ملكاً على عرش اللحظة، كن ملكاً لا يهتم بالشائعات، كن فارساً يقطع رؤوس الشعراء العذريين ويطوّب نفسه بلوحة جلاء، أو كن ان شئت مخرجاً بارعاً، يتحكم بالمشهد..
لا تصدقها، كلهنّ عبرنَ نساءَ لا أكثر، وكلامهنّ كان مكرّراً على وزن قافية يتقنها بمللٍ مؤرخ النساء، وموسيقاهنّ سمفونية قديمة، مسروقة من يوميات كازانوفا، داوي الكذب بالكذب، وعالج الحلم المحكيّ بعد السرير باختراع أحلامٍ جديدة، وانتظر، اقرأ في كل عينٍ فعل الانتظار، لحبٍ قد يأتي، متأخراً، وان طال السبات، وتكاثرت النساء المكررات.. يأتيك من نافذة العيون المغمضة، والشفاه البارعة في ارتكاب خطيئة العشق.. يأتي، ولو بعد حين: حباً لا تعرف كيف بدأ، ولا تسأل وجهك صباحاً متى ينتهي.

إلا هيَ، هيَ غير، تلك القابعة فوق رخام الحواس الخمسة، هي الحب.
امرأة، كاملة الأنوثة، كشجرة مشمش، كل الطواحين التي أنتَ حاربتها، سقطت حين زأرتَ بما فيكَ من صحراء الشرق، كنتَ تقدّسُ اسمكَ وشعركَ كلما روّضت فرساً وأخذتَها إلى ساحة حربٍ تختارها أنتَ لتضمن انتصاراً سهلاً، إلا هي، علّمتك الهزيمة بأجود أنواع الضحك، بكل أسلحة الرفض، بطفولتَها النضرة التي لا تكسرها حرارة صيفكَ وبلاغة تعابيركَ، بكل الكتب التي تعلّم المرأة العربية، كيف تكون امرأةً عربية، بعينين من مرمَر، تتلألأ خجلاً من قصائدكَ، ثم تمنّعاً أمام يديكَ.
ألست تعرف بعد، ان كنتَ تحبها؟، هل أنتَ أكثر كبرياءً من أن تكسرك امرأة؟ أكثر رجولةً من أن تقع ضحية السبي مرة وأنتَ سجّان السبايا؟ أراك في المرآة، تبحث عن أشيائها في ذاتِك، رائحة عطرها، تضع ألف احتمالٍ للون شعرها، لون قلمها الجديد الذي سيرسم شفتيها اليوم، تمارس الغضب، تخترع الأسئلة، تحاول أن تستفزها برسالة قصيرة، علّها تغضب أيضاً لأي شيء، لكل شيء.. لتشفي قليلاً من حاجتك الملحّة لحضنها، تحبها؟ تستنجد أيها المتهاوي سراباً، بوردةٍ تقطع نفسها لترضيك، ولا ترضيك، تعود إلى قلمك، قلمك آخر الحفر التي تأويك من اعصارها، آخر الحفر التي يجدي فيها جبنك.

اكتب، قد تقرأك، قد تقول، كان أجمل العاشقين في القصر وأشد البلابل شدواً في قفص القلب، قد تقول، كان يعرف كيف يداعب جدائلي سراً دون أن أدفع له ضريبة الكتابة، اكتب، قد تتمايل بفرحٍ فوق غرورها، وتخبر صديقاتها عن شاعرٍ قدم أوراق اعتماده ليقترض موعداً، أو كوباً من الياسمين… اكتب، كي لا تخرج خالي الوفاض، لتخرج من هزيمتك منتشياً بجائزة الفكرة والقصيدة اليتيمة.
قد تعرفُ أنّك معجبٌ ينتظر قليلاً من الجرأة.. قد تعرفُ ملكتك ومملكتك، كم خسرَت هي حين لم تقتنيك خلخالاً يقبل قدميها، قد تعرف ذلك كله دون أن تخرج أنت من حصن الأوراق الذي يخبئك، قد تعرف ذلك كله.. وقد لا تعرف، فاكتب، لأجل الكتابة، لأجلها وهي غاية الكتابة.. قد تعرف أنك تحبها، قد تعرف.

لكنك أنتَ تعرف، يكفيك هذا.

بيوغرافيا 2


%d مدونون معجبون بهذه: