يا غزة، بدنا نلبسلك أبيض!

خضر سلامة

فرجت يا أصدقائي.. فرجت

في عز الحصار الذي يضربه الجاموس المصري على غزة، وفي ظل التراجع الرسمي العربي السريع للنوم في… خيام العدو! كدنا أن نصاب بالقلق، بالروبصة، بالتشنج الدماغي والتاريخي وبعاهات مستديمة في شرفنا، لولاها، وهي تلبس الأبيض.

حاول يا عزيزي المواطن أن تفتح أي إذاعة، أي برنامج محادثة، أي حائط في الشارع كانت تسكنه منذ ثلاثين عاماً صور الشهداء، فصارت تسكنه صور الفنانات، حاول أن تفتح أي شيء، أن تفتح حواراً أو موضوعاً، أو سؤالاً، وسيأتيك الجواب بلازمة منتشرة كالوباء: الليلة البسلك أبيض وصير ملكك والدنيا تشهد.. ولعت!

خلص، أقفلوا الذاكرة على ليلى خالد ودلال المغربي وسهى بشارة ولولا عبود وسناء محيدلي، أقفلوا التاريخ عليهم ولندعم هذا الزخم الثوري الجديد للنساء العرب، بالأكفان قادمات! أليسا تريد أن تلبس الأبيض، والدنيا ستشهد، هي قالت ذلك، وأنا أصدق كل ما تقوله أليسا، ونصف ما يقوله جورج وسوف، ولا شيء مما يقوله نبيه بري.

لكأن ثمة قوة خفية، تريد أن تخنقنا بالرداءة، ثمة دائماً كارثة جديدة في نشرة الأخبار، ولو هربت إلى قنوات المنوعات، ستجد كوارث أشد فتكاً بالسلامة العقلية والثقافية، ولو بحثت عن قناة أطفال مثلاً، ستقفز إليك أغنية دينية تلقن إبن الثلاث سنوات، أول درسٍ في الببغائية! ثمة قوة خفية، تعطيك سبباً جديداً للغضب كل قليل. أما الصحف، فبين كل تفاهة وتفاهة، تفاهة أخرى، اللهم إلا صفحات الوفيات، فهي الأخبار الوحيدة الصادقة التي لم تعبر على مقص الرقيب الحزبي.

لماذا أليسا تلبس الأبيض، بينما يتساقط جميع المناضلين إلى الشاشات أو إلى الميكروفونات الحربية؟hani1

لماذا تنفجر عبوة بسيارة اسرائيلية، فلا تقتل أحداً، بينما تنفجر عجلة باص في سوريا فتقتل تسعة؟

لماذا نفس اللذين حرضوا طائفياً، وقتلوا طائفياً، وحكموا طائفياً، هم طليعة المتحمسين للعلمانية اليوم؟

لماذا يفقد البعض وعيه اذا سمع عن نبأ مقتل مواطن في إيران، مثلاً، أو انفجار قنينة غاز في فرنسا، وتضجره الأخبار الآتية من فلسطين والعراق يومياً؟

لماذا يستطيع مهند أن يحشد جمهوراً في ليلةٍ واحدة، أكثر مما تستطيع أحزاب اليسار أن تحشد في عشر سنوات؟

لماذا يحاضر بعض المثقفين اليساريين خصوصاً في بيروت بالانكليزية؟
هل شعروا أن موقعهم الطبيعي هو تثقيف الأجنبي السائح المستشرق، بما أن المشوار إلى عكار مثلاً متعب؟

مجدداً، لماذا الدنيا ستشهد على أليسا، ولم تشهد هذه الدنيا يوماً على أطفالنا المذبوحين؟

ثمة شيء ما يحترق، أعتقد أنه عرضنا، وثمة شيء ما يغرق، أعتقد أنه كرامتنا الوطنية، لا كلبنانيين، لا كعرب، بل كبشر! وأنا أصرح من تحت جزمة النظام الذي يخنقني هذا: سيأتي يومٌ نلبس فيه كلنا الأبيض، وتزني بنا كل اللغات وكل الشعوب وكل الأمم، لو حافظنا على سرعة تقدمنا إلى الوراء في كل شيء، إلا في فواتير المطاعم.

Advertisements

الأوسمة: , , , ,

4 تعليقات to “يا غزة، بدنا نلبسلك أبيض!”

  1. ميرون Says:

    ولك ينصر دينك
    زي الوباء هالاغنية
    مناعة قوية اسم الله عند الشعوب

  2. معاذ حسن Says:

    ( وفي نهايتها دمعتان لكل تساؤل .. ! )

    بدأتها ضاحكا .. وأنهيتها متحسرا ..

    سرعة الرجوع إلى الخلف تخيف كثيرا .. فأنا أراها كسرعة السقوط الحرّ .. وأرى أنّ المسافة في سقوطنا عميقة جدا .. وتسارعنا يزداد ..

    هل من قاع ؟!

  3. عبد القادر الحوت Says:

    تسأل لماذا.. الجواب بسيط، و لكن الحل صعب و يتطلب مجهود و تضحيات، شعبنا العربي غير مستعد لها.
    إنه التخلف الفكري و الثقافي… غياب الإبداع من غياب الحرية.. إنهيار الكرامة الوطنية من إنهيار الإنتماء الوطني و إستبداله بإنتماء لوهم ديني.
    النهضة الوطنية تحتاج إلى تضحيات.. الإيرانيون لديهم الإستعداد للتضحية من أجل نهضتهم. نحن، لا.
    الأتراك لديهم الإعتزاز بكرامتهم، و لذلك إسرائيل تعتذر منهم.. نحن، لا.. لا بل نقبل الإهانة و نشارك العدو في جدرانه و عدوانه.
    و اليسار غائب، عالق في زمن خروتشيف و برجنيف…

  4. Mahmoud Says:

    غزّة، احيانًا اشعرها تنساب خلسةً من الجغرافيا الى التاريخ، تزاحم غرناطة وطروادة ولينينغراد، لبست ابيض او حتى ظلت عارية بكلّ ندوبها، ستظلُّ جاثمة على صدورهم.

    وردة يا رفيق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: