بيوغرافيا: 2- هذا العالم سلة نفايات

خضر سلامة

2. هذا العالم سلة نفايات
بيوغرافيا 1

أخطر المواعيد، تلك التي تدخلك مجبراً في لعبة "روليت" روسية ضحيتها فكرة الحب، تنتظر كل كلمةٍ تخرج من وكر الوقت فوق شفتين ككأس نبيذ، كل كلمة موعدٌ متأخرٌ مع رصاصةٍ قاتلة: هذه الكلمة ستنهي كل شيء، لا بل تلك الكلمة.. لا بل تلك، أنتَ متأكدٌ جداً من موت أحلامك، لكنك مجرد ساعة رمل، تطمع أن تسجّل تاريخ الموت، وسنة النكبة، أنت "أجندة" الهزيمة، في الساعة كذا، من يوم كذا، قتلتكَ التي تحبُها.
موعد خطير، يأتي فيه العالم كله ليسخر من خوفك، ويسخر من عجزك إلا عن نصب كمائن الشعر، تزرع ألغام كلمة أحبك، بجبن جنديٍ يبحث عن شعار انتصارٍ ضيقٍ يعود إليه بعد الهزيمة القاسية، وهي بمهارة أنثى عربية، تعلق ألغام الحب قلادةً في جيدها، فرسٌ من زمن الحروب الجميلة، متأصلة في الحقل المعجمي للجسد، وتجيد نشل اللحظات السعيدة، لك فضلات الذكرى، لكَ هدية لتتذكرها جيداً، ولتبكي في سركَ جيداً أيضاً.

هذا العالم متآمرٌ ونذل، النادل ينتظر التوقيت الأسوأ ليعطيك فاتورة انتظارك، كل دمعة بكتها هيَ، كل قبلةٍ سرقتها أنتَ من سلّة بكائها، احتضان اليد لليد، العرض المسرحي الجميل لخجل عينيها وترددها وخوفها، كلها داخلة في الحساب، في فاتورة المطعم، هذا الكائن الشره الذي يأكل لحظات الحب، ويأكل لحظات الفراق، ويأكل أصابع كل طفلٍ يحاول أن يسرق ما ليس له، كقلبها مثلاً، كائن شره هذا المطعم، يصفعك كل قليلٍ بأغنيةٍ كنت تحبها في لحظات وحدتك، وصرت تراها الآن في هذه اللحظة غولاً يغتال كل محاولةٍ لتهريب دموعك من حدود الفضيحة، كلهم متآمرون، وهناك في الزاوية، عاشقان جديدان على فندق الفرَح، يذكرانك بأول كلمة حب… ويذكرانك بقرب موعد الأخيرة، متآمران هما، حتى سائق التاكسي، يضحك ويحدّث الجميع ويخبرنا عن شوارعه وعائلته، يضحك، يضحك في زمن البؤس الذي يمتد على طول رحلة العودة! وأنت تكاد تنفجر، مقود السيارة يقول في سره: سآخذه راكباً إلى التعب، سآخذه إلى النوم… ليعود إلى اغفاءة حلمه، لك الحلم أيها القلب العابر، أما الواقع السيء، أنتَ خارجه. 2076450897_be1b8ace7c
متآمر هذا المطعم، وهذا النادل، والزبائن، متآمر سائق السيارة ومتآمرة هذه الوجوه المسرعة إلى الغيّاب، متآمرة حبيبتك ضد حبّك.

كلهم متآمرون، كلهم دخلاء على حزنك، هذا الحزن رغيف خبزٍ، أنت حصدت قمحه من بيدر خديها، وأنتَ أخذت النعاس في عينيها مراراً إلى طاحونة الغزَل، وأنتَ الذي حرستَ غلال الضحك من ذئاب الشرق التي تأكل لحم النساء، أنتَ خبزتَ القصائد عند الفجر في تنّور أذنيها، أنتَ أنتَ، وضعتَ صمتك في وعاء الصدمة عند صاعقة "كلا"، هذا حزنك يا أنا، ولو غلفَته لك أنثى بورق الهدايا.
هيَ، ستعود إلى منزلها، تلاعب طفلاً، تجيب معجباً، ستترك دموعها على الطاولة، وستعبر فوق محاكم تفتيشك عن كلمة حب، ستترك كل شيءٍ حصل اليوم، وستستيقظ غداً صباحاً أنثى جديدة، تصطاد رجلاً جديداً، أما أنا، أما أنت، ستسقط في هاوية السؤال عنها كل يوم، وستظل فريسة الصورة القديمة، أنت منذ الآن هاتف قديم، لرجل ميّت، غلبه الصدأ، ولم يبق في جعبته إلا ذاكرة الأرقام، وأصوات جميلة لا تموت.

لا موعدَ يخطف أذنه صوب عقرب الساعة
لا يد تمسكك من قلبه اذا ما خاف من غدر البكاء
لا موسيقى تسعده، دون أن تذكره بحفرة الفراغ.
أنت مجرد هاتفٍ صدئ، يتآمر ضده العالم بفرحه، بلامبالاته، بسخريته، تتآمر ضده الجيوش بقوتها، والعروش بجواريها، والأحزاب بمناصريها، والعشاق بطفولتهم، وأنتَ مجرد فعل ماضٍ، ينقصه الأمل..
ينقصك أنثى، حبيبتك.
تأشيرة دخولك إلى عالم الواقع خارج دفء القصيدة، تستحقها، فادخل:
هذا العالم سلة نفايات، وأنا فيها.

بيوغرافيا 3

Advertisements

الأوسمة: , ,

4 تعليقات to “بيوغرافيا: 2- هذا العالم سلة نفايات”

  1. بيوغرافيا: 3- رجلٌ من حبر « جوعان… مواطن ضد الأنظمة المزورة Says:

    […] 3. رجلٌ من حبر بيوغرافيا 1 بيوغرافيا 2 […]

  2. بيوغرافيا: 4 – إنجيل يهوذا « جوعان… مواطن ضد الأنظمة المزورة Says:

    […] 1 بيوغرافيا 2 بيوغرافيا […]

  3. مصراوي Says:

    كلام يكتب بماء الذهب

  4. مصراوي Says:

    Reblogged this on اخبار مصر اليوم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: