بيوغرافيا: 3- رجلٌ من حبر

خضر سلامة

3. رجلٌ من حبر
بيوغرافيا 1
بيوغرافيا 2

رجلٌ من حبر..
وأنتِ حبيبتي، امرأةٌ من ورق:
كيف أواجه غضب الشعراء الآن عليّ، اذا دخلت قصائدهم، وأنتِ لستِ معي؟
ماذا أقول للوركا وبوشكين وقباني ورامبو ومايكوفسكي ودرويش، إن لم أقرأ وجهكِ في حيطان كل بيت شعر، وفي الأقبية السرية للقافية، وإذا لم أصحبك كل صباحٍ في النزهة الخطيرة بين المجاز والمجاز.goodbye
كيف أدخل حيفاَ، وأنتِ لست سواراً من البنفسج في يدي يحفظ هوية التراب، كيف أدخل بيروتَ وأنتِ لستِ في وفود النازحين من الأطراف إلى بؤس المدينة كإعصارٍ من ملح، كيف أدخل مكة وأنت لست معلقةً شعريةً على جدار الكعبة تجدف ضد شيوخ العشائر وفكر القبائل، كيف أدخل البصرة من بوابة البحر، وأنتِ لستِ ثورةً يعدّها الأطفال ضد التجار لتعود الأحلام المصادرة مشاعاً.

كيف أقيس خارطة هذا الوطن الكبير، وأنا مكبّل بالمأساة.
لا أستطيع الخروج منكِ، أنتِ احتلال الحبر للمساحات البيضاء فوق الورق، أنتِ اللهجة التي تحكم فكرة الكلام وترسم خطوط الصوت، لا يمكن التحرر منكِ، قدرٌ كالربيع، في حضرتِك يندحر البرد عن الموقد، ويعود الدفء إلى زنود الفلاحين.
كيف أكون أنا، إن لم أكن أنتِ:
أكتب نثراً، فتصير كل فاصلة بؤبؤاً أنتِ فيه، أرسم شجرةً، فيستحيل ظلها سريراً يغريني برسمك فيه، أفتح كتاباً، فأجدك تستجمين فوق شواطئ القراءة، أنت وباء قاتل، لا تجدي معه عقاقير النسيان ووصفات المشعوذين.

فماذا فعلتِ؟ ولماذا أحرقتِ كل المفردات الجميلة التي تركتها على خصرك كي تتعتّق خمراً شهياً يعيد لأدونيس دمه، ولأطلس حقه في الراحة، ولأثينا معطف حكمتها، ولعشتار قلبها، كلّما مشيتِ بخفة أنوثتك فوق أصابع التاريخ. أحرقتِ كل ذلك، وتركت اللغة العربية في عراء الملل، وداء الضجر، أحرقتِ كل ذلك، ولم تتركي للفقراء غطاءً غير البكاء، ولم تتركي لمتشردٍ كان يأوي ليلاً إلى جدائل شعرك، غير التسكع حافياً على رصيف أخبارك، غير التمسّك بزحمة غبارك.

أعيديني ملكاً، لأسلّمك تاج المدينة وأساطير الريف
أعيديني طفلاً، لأمنحك الأمومة الجميلة وأحفاداً من الياسمين
أعيديني رحالةً في بحر الجسد، لأجعلك مرفأً شرعياً لسفن الغزل، وبغداداً جديدةً يسكنها الوتَر.
أعيديني إليكِ، وخذي الكرة الأرضية مهراً.
أعيديني.. أو ارحلي:
 
سوف نلتقي، بعد شهر، بعد عام، بعد ألف رزنامة أمزقها بحثاً عن يومٍ أنتِ فيه لقاء صدفة، قد ترمين سؤالاً غبياً: كيفك؟
حسناً، حبيبتي، خذي جوابك قبل قرنٍ من موعدنا، لستُ بخير، لستِ معي.
من رجلٍ من حبر، إلى امرأةٍ من ورق: أنتِ سيرتي الذاتية، بيوغرافيا لا خلاص منها.

Advertisements

الأوسمة: , , ,

رد واحد to “بيوغرافيا: 3- رجلٌ من حبر”

  1. بيوغرافيا: 4 – إنجيل يهوذا « جوعان… مواطن ضد الأنظمة المزورة Says:

    […] بيوغرافيا 1 بيوغرافيا 2 بيوغرافيا 3 […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: