هيدي بس تحية: جوزف سماحة

خضر سلامة

"حلو الواحد يموت ع الرايق وبلا عجقة"

منذ أغلق حبره ورحل، والشمس تحمل لنا مع كل صفعة فجرٍ سؤالاً مبهماً عن الغائب، سؤالاً يوقد أحداقنا بحمى الشوق الى فعل كتابة ناقص في صحيفة الصباح.

الآن، أنت تعرف أنك لا تستطيع أن تقنع الشمس العربية أن تكتفي بالوضوء صباحاً بصوت فيروز وحده، تحتاج إلى معرفة شكل كلماته اليوم، ومزاجه السياسي، كي تنجح في أداء مهمة الضوء، ولا رائحة القهوة المصنوعة على نار اليقظة تكفي لابتكار أرجوحةٍ جديدةٍ تعوضنا عن التي كُسِرت، لا زال في الشمس جوعُ المقاتل الى رغيفٍ من الثورة، ولا زال قي القهوة عطش الشاعر لقافيةٍ تسكت المرحلة القاسية وتسقطها، هناك ما يخنق الصباح بعارض من عوارض الأمية: نشتاق جوزف سماحة.

الآن نحلّل المشهد: الكرسيّ الفارغ، يحدق بنا غاضباً، يتسوّل ورق الصحيفة من يدينا باحثاً بين الأسماء فيها، خائفاً من صفحة الوفيات، خائفاً من لعبة الموت المفاجئ، خائفاً من السفر الخطير للرجل الخطير.page01_20070305_pic1.full

لا زال في القلب ثقبٌ، وفي الثقب إسمٌ، وفي الإسم يغفو تاريخ البنفسج بين وردةٍ وقلم، ومنجل وبندقية.

جوزف سماحة.. كيف تقضي وقتك الآن في دنيا الغياب؟ هل لا زلت مشاغباً تلاحق الطوائف في العالم الآخر أيضاً؟ هل لا زلت قاسياً كصحراء العرب، تحرق بنارك كل الفاسدين وتجار القضايا وسماسرة الجنة أيضاً؟

عطلك الموت عن الكتابة؟ أم أنك اخترت اضراباً مفتوحاً؟ أفهل في هذه المرحلة هذا الكم من البذاءة والقيء؟ أفيها هذا الكم من القذارة حتى تتوب عن الكتابة؟ أم أنه الموت يسكب في ضريحك صقيع الغياب، ويفرض علينا في ذكراك دهشة القارئ أمام فيض ثراك وأنت الثريا؟ او ربما.. او ربما أنت لا زلت تعرف كل الأسرار، وتعرف كيف تحدد الصديق والعدو، ربما اخترت ان تكتبنا بالحبر السري، ان ترسم لنا خطط المعركة القادمة على جناح غمامة ساقها الريح الى فلسطين، ان تسمي العملاء باسمائهم، ان تسجل افادات القتلى المظلومين قبيل دفنهم، وتنشر صور قاتليهم، أن تقبّل الأطفال المصلوبين على حائط الفاشية والصهيونية، وتعدهم بالثأر.. تعدهم لأنك لا زلت تعرف اسماء المقاومين وتعشقهم، وتعرف ما في ضلوعهم من عزيمة.

جوزف سماحة، وقبضة التراب الجنوبي يبست في كفك فاستحالت لحماً من لحمك، جوزف سماحة، وفلسطين التي وقفت على بابها يوماً تعرف السر الذي حملته، سر حريتها وسر الثأر لبكارتها المسروقة، جوزف سماحة، وفيك أنت كل الوثائق السياسية لأحزابٍ زورت نفسها بنفسها، وبقيت فضائح لصوصها في ذاكرتك، جوزف سماحة، وأنت بكل تألقك: جوزف سماحة.

كان يقلقلك سؤالٌ نبت كداليةٍ فوق قلمٍ أحمر: كيف نعلم أطفالنا أن يغنوا باللغة العربية في هذا الزمن الامريكي؟ تريد كنت أن تستمتع كل صباحٍ بعزف غيثارة الرصاص المنتصر لا المنكسر، لتلحنه بيدين من حبرٍ وتبر. ليكتب "ما العمل"، صارخاً بنا: حي على خير العمل، قارعاً في يدينا أجراس المقاومة، ومنبهات الإصلاح.

أراد أن يرحل بصمت.. ولم يستطع، خاف قبل الموت بلحظةٍ أن يُدان بالخيانة إن سكت، فجّر قلبه كعبوة غضبٍ وثورة، سأترجم موته إلى العربية الفصحى، هذا بيان سكتته القلبية: "هبوا الى أقلامكم، أزيحوا بحبركم الأسود نفطهم الأسود عن أنوفكم وكرامتكم، هبوا إلى فوهات أناملكم، أعيروها لفوهات بنادقكم، وتعلموا كيف يرقص القمح في بيادر الوطن رقصة المتنبي".

ما أجمل أن تموت أنت على صدر الأبجدية بدفء، كي ينبت قلمك فيها كالحرف التاسع والعشرين، ليدق في الصدر مدرسة الكتابة، الآن صار للحرية سفارةٌ في أبجدية العرب، أراد جوزف أن يقنع تلامذته ان الذئب يخاف من النار، وأن النار تخاف من الماء، وأن الماء تخاف من الحجر، وأن الحجر تسكره عزيمة البشر، أراد وأراد.. وكان له ما أراد: صنع جيلاً، صنع وعياً، صنع حرفاً.. ثم رحل قليلاً، انتظروه.

كنا نحتاجك في وطأة الحروب القادمة، كنا نريد ان نراك تلبس جعبة المقاتل لتقتل بالقلم كل مقاول، كنا نريدك أن تضع أنت بيدين من الرقيّ قواعد المعركة.. كنا نريدك أن لا ترحل.

طأطئي رأسك ايتها البلاد اليوم حزناً.. أيتها البلاد التي تأكل أبنائها كلما جاعت، ولا تأكل حكامها.. احملي نفسك باكراً إلى الجنازة، وتأخري قليلاً عن السقوط في الهاوية.. أيتها البلاد التي يسكن شعراؤها في جيف المتآمرين ورماً يؤلمهم، لا تتأخري عن الموعد السنة، دعيني أزرع أحبابي الموتى فيكِ مجدداً، دعيني أقول لهم وداعاً.. دعيني أبكي قليلاً.

جوزف سماحة.. منا الوفاء والحبر، ولك المجد والياسمين.

كن أنت غطائنا في زمن العري، وابتسم، ثمة من يحبك.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

3 تعليقات to “هيدي بس تحية: جوزف سماحة”

  1. Mahmoud Omar Says:

    http://www.al-akhbar.com/?q=node/4938

    ناجي ما نسيه، الاموات وحدهم مرنين مع النسيان.

  2. skeyes Says:

    جوزف سماحة !! شمعة في ليل الصحافة الماديّة

  3. خالد صاغية منتصراً « جوعان… مواطن ضد الأنظمة المزورة Says:

    […] حين دفنا جوزف سماحة، "رحل قليلاً.. انتظروه"، ولم نكن نتوقع، أن تأتيه في موته طعنة أخرى، تخرسه، هذا […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: