عن الطائفية الحزبية

عن الطائفية الحزبية

خضر سلامة
مجلة الحوار المتمدن

لبنان والمشرق، بشكل عام، بؤرة تاريخية للطائفية الدينية، بتنوع المذاهب التي تتعايش (مجازاً.. أما فعلاً فهي تتذابح) في هذه الرقعة الضيقة، ودور الاستعمار التاريخي، والأنظمة الوليدة من رحمه، في تذكية التعصب الديني للاستفادة من الثغرات في الأديان التي يمكن للمصالح السياسية المحلية والدولية النفاذ منها، لإذكاء الخلاف بين أبناء الجنس الواحد، والعرق الواحد، والوطن الواحد.

في لبنان، تتجسد هذه الطائفية المذهبية في التوزع المناطقي المغلق لأبناء الملة الواحدة، وفي العداوة أو الحذر على الأقل، في التعامل مع "الآخر"، وفي الحصص الممنوحة حكومياً وإدارياً، وفي التمثيل الدبلوماسي وفي.. حتى الأحكام بالإعدام!

ما هي الطائفية؟

تاريخياً، وصمت دويلات الأندلس باسم دويلات الطوائف، حين انقسمت سياسياً، الطائفة هي إذاً، كل دائرة مغلقة، منعزلة عن التواصل مع جماعة تختلف عنها بتفصيل معيّن.. دائرة مغلقة اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً، تلك هي الطائفة، ولو أن الاستعمال الحديث لها، أعطاها بعداً دينياً كونه الأقوى والأكثر تأثيراً، في شكل السياسة.. وفي النتائج الدموية أيضاً.

ولكن، بعد عنوان الطائفية الدينية، الأشد قسوة كما ذكرنا، تمتاز بلادنا بطائفية حزبية أيضاً، فلنبدأ من أبناء الدين الواحد، المذهب الواحد، تشتد فيها عداوة الأحزاب اليمينية المذهبية بين بعضها، لتأخذ طابع الطائفية الحزبية الضيقة، فينغلق الحزب تعاملاً وزواجاً وتواصلاً على نفسه، وجغرافياً أيضاً، ومن الأمثلة مثلاً العلاقة السيئة بين القوات اللبنانية والتيار العوني، أمل وحزب الله، البيت الجنبلاطي والبيت الأرسلاني.. إلخ، يذهب بعض العناصر والمسؤولين إلى حد التقوقع الحزبي عائلياً إلى حد يقطع التواصل والتبادل حتى مع أبناء ملته.. لخلافات سياسية.

وخارج إطار الدين، تأتي أزمة اليسار، اليسار العربي الذي قدم نفسه في مرحلة معينة على أنه حالة تقدمية تغييرية لكل هذا الواقع السيء، وحمل لواء الفكر كرابط مشترك للأديان، ونظام حكم يخلص الأجيال من إرث الإقطاعية الاجتماعية والعشائرية.. فشل اليسار في الخروج من العشائرية، وتحول إلى استقطاب عائلي محدود، قامت القوة التقدمية العربية نفسها، على نفس أسس الرجعية.. ما أوصلنا إلى حالة نعالجها اليوم: الطائفية اليسارية.

ساهم في إذكاء انعزال اليسار على نفسه، تآمر اليمين ضده عزلاً وتكفيراً، والارتكابات الدموية ضد قواه، ومرحلة الإبعاد التي طرد فيها من المناطق المختلطة في مرحلة تصفية القضية الفلسطينية والوطنية اللبنانية.. لا ننكر ذلك، لكن، كان من السهل إيجاد حلول تضمن بقاءه بين الناس، بين قاعدته..

على كلٍ، هذا هو واقع اليسار اليوم: مركزية بشعة، تجمع شبابه ومناضليه ، في باقة ضيقة من العلاقات تقتصر على الرفاقة الحزبية والإيديلوجية، ضمن منطقة ضيقة في كل مدينة، بعيدة عن الواقع الحقيقي الاقتصادي والمعيشي للناس الحقيقيين، للفقراء، للعمال، للكادحين، بعيداً عن الضواحي، بعيداً عن الأرياف.. وبعد هذا الانعزال السيء، تأتي نظرة اليساريين لخصومهم المفترضين، أو على الأقل للناس العاديين، البعيدين عن جوهم، من الاحتقار إلى الاستغباء إلى غيره.. متناسين دورنا المفترض في التواصل مع هؤلاء، مع العاديين، في فهمهم، في فهم واجبنا تجاههم، لتأتي النقطة الطائفية الثالثة، وهي تقديس المؤسسة الحزبية، أو تقديس القيادة، ليصبح من حقنا مثلاً، انتقاد قيادات الأحزاب الخصمة جميعها، دون أن نقبل نقد أي "آخر" لحزبنا، دون الاستعداد للدخول في نقاش وفي حوار تواصلي ومد جسور، مجرد انغلاق وتعصب لرأي، لا يشبه أي فكر يتبعه أي حزب يساري، ويكون الرد الجاهز لأي نقد: تخوين أو شتم أو سخرية.

ربما المشكلة تكمن في استغناء الأحزاب اليسارية منذ عقود، عن واجباتها تجاه عناصرها، تخلت عن ضرورة الدورات التثقيفية، تخلت عن عناوين الأخلاق التي تضمن انضباطاً وسلوكاً يكون مرآة النفس أمام النفس، قبل أن يكون مرآة النفس أمام الآخر.. ربما تكمن المشكلة في قيام القيادات المتلاحقة – عن قصد – بإهمال ضرورة بناء الفرد، للوصول إلى فكرة الجماعة، وفي نشر سلوك الفساد في رأس الهرم، ما يجعل الفساد يأكل القاعدة أيضاً، على كل المستويات.. أو ربما المشكلة تكمن في عدم القدرة على الخروج من العشائرية المطبقة.. أو ربما، المشكلة في كل ذلك.

لأن أي وطن سليم، لا يقوم إلا على يسار سليم.. فلنخرج من دوائرنا المغلقة، لنذب في شعبنا، ولنعد إلى أماكننا الطبيعية، مراكزنا المتقدمة بين الكادحين وبين العاطلين عن العمل وبين اليائسين وبين المتخسين بغبار التعب، بين كل هؤلاء، لنعد إلى فواتير المطاعم الرخيصة الشعبية، وإلى تحمل الشتم وتحمل الإهانات من أجل ايصال فكرة.. لتكن علاقاتنا بأي "آخر"، طبيعية جداً، لا موضع خجل.. ليكون اليسار من الشعب إلى الشعب.. لا من مجموعة مغلقة إلى الفراغ.. ولا شيء إلا الفراغ.

نحن أبناء أحزاب الشعب، مكاننا الطبيعي، الشعب.

Advertisements

الأوسمة: , , , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: