Archive for 28 أبريل, 2010

درس قواعد فينيقية

28/04/2010

خضر سلامة

علامات التحريك:
الفتحة، تمارسها الوزارات في خزاناتها، تفتحها للمختلسين واللصوص، كما ونجدها غالباً في خلفية تنورة تلبسها مطربة تمارس الفن الحديث بعدة وضعيات، وبشكل عام، تفتح الحكومة فخذيها لأي سفير أجنبي أو نفطي.

الضمة، وهي في فعل ضم الأحزاب للفقراء باستغلال بؤسهم وبيعهم حقوقهم نفسها، وفي ضم البكوات لأراضٍ جديدة ومواقف جديدة، وفي ضم الدولة لعصابات حديثة تفرخها السفارات باسم أمن الطوائف.

الكسرة، كسرة خبز، هي قوت المواطن من منتصف الشهر إلى أن يفرجها الله عليه، وأيضاً تكسر المخابرات الوطنية يد كل من يتكلم باسم الجوع، أو باسم العدالة الاجتماغية طيب الله ذكرها.pic-6

السكون، صمت مهيب، سكون محبب على قلب 128 نائب يصفقون ويتناولون معاشاتهم في أحضان أسيادهم، كما نجد السكون غالباً في أفواه المعارضين وقت الشدة، وفي اجتماعات قيادات الأحزاب الوطنية رحمها الله وأسكنها فسيح رانجاتها.

الرفع، أيدٍ ترتفع للدعاء ولا ترتفع لتهدد الدولة، ونجوم ضباط ترفع أقدام المواطنين لتغدق عليهم بالديمقراطية تورماً وألماً، أسهم السوليدير تعرف جيداً معنى الرفع، أعداد السواح وأعداد المغتربين أيضاً.. أما الفئات الملزمة بالمحاسبة، وقت الانتخابات، فالعتب مرفوع.

النصب، ماركة تجارية مسجلة باسم الحكومة، تعلمها لكبار التجار والمحتكرين وأصحاب الوكالات الحصرية، حكم منصوب بالقوة، ومنصّب من قبل الدول الكبرى.

الأفعال:
فعل الماضي، مشمول بقانون العفو، كان هناك حرب مخيمات وكان هناك حرب الغاء وكان هناك مجزرة صبرا وشاتيلا وتل الزعتر والصفرا وإهدن والمينا إلخ.. وكان هناك سرقات في وزارة المال وفي وزارة الطاقة وفي وزارة الصحة وفي وزارة الزراعة وفي..، وكان هناك قتل في المظاهرات وفي الضواحي وفي الأطراف بتهمة البراءة والطفولة، كلها في حكم الماضي الناقص محاسبةً.

فعل الحاضر: وهنا حكومة نفاق وطني، وهنا تجارة بالدم، وهنا تغيير مواقف وبيع قتلى، وهنا تسلح وهنا فقر وهنا تجويع وهنا اغتيال للنقابات وللصحافة وهنا جنود يبولون على المواطن ونواب يبولون على المواطن وحكومة تبول على الجميع.

فعل المستقبل: مؤجل إلى حين.

فعل الأمر: في الإذاعات وفي البيانات العسكرية القادمة تحت ألف مسمى، وفي جلسات الحكومة الأسبوعية: أن ادفعوا ضرائبكم وقبلوا زعمائكم واشكروهم على نعمة الدين العام، وفي الخطابات القادمة من المعابد، صوّتوا، باركوا، وتوكلوا على هيفا.

الفاعل: مجهول في سرقات الكبار، وفي تهريب الكوكايين في الحقائب الدبلوماسية، وفي صفقات الأدوية المزورة، مجهول في الحروب الأهلية السنوية، وفي التحريض الطائفي، وفي الخيانات اليومية، مجهول في تجاوزات أجهزة الأمن تجسساً على المواطن أو قتلاً به. وينوب عن الفاعل المجهول، صغار المواطنين، من لا سند له ولا صديق في المخابرات لينقذه، المزارع البقاعي نائب عن الفاعل في عرف الدولة، والفقير العكاري، وابن الضواحي العاطلة عن الكهرباء، والمغترب المحكوم بالنفي الطوعي، كلهم نواب عن فاعل السرقة والقتل والنهب والبذاءة، والمعيّن في الدرجة الأولى من وظائف الدولة.

المفعول به: نحن، نحن الناس، مفعول بنا، وبأرضنا، وبعرضنا، وبحلمنا، وأبنائنا.

خلاصة اليوم، أعرب ما يلي:
حكم النذلُ في أهل الشرف
التعايش رجسٌ من عمل الطوائف
سرق الوزيرُ الوزارة
قرط النائبُ الشعب
قرأ المخبرُ المقال.

نكاية بالوطن

23/04/2010

خضر سلامة

أي سعارٍ سياسي هذا؟

مواطنٌ يقرع أجراس العودة ولا أحدٌ يفتح له الباب، وآخرُ يقرع ناقوس الخطر ويزعج سكان الوطن ليلاً، زعيم لا زال منذ عشرين عاماً يحاول تجاوز منعطف خطير قادر أن يضع ألف منعطف كمنعطف ضهر البيدر في جيبه، ومساعد له يشدد على الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية التي لا تمر إلا مرة كل عشر دقائق في لبنان، وزعيم آخر يرى أن المرحلة مرحلة حساسة أكثر من هاني شاكر، شعارات وهزائم، كلاشينكوفات وطناجر، راقصات ووزراء، عاهرات ورؤساء..

ماذا يحدث؟

سائق الباص تضحكه خبريات كارلوس إده ولا يحزنه ارتفاع سعر البنزين، بائع الخضرة يفهم في قضية مزارع شبعا أكثر من إدراكه لكلفة صحن فتوش واحد، الدكنجي يعرف متى موعد المحكمة الدولية ولا يعرف متى يحين موعد العشاء، عاشقين في الشارع  يتناقشان في تخصيب اليورانيوم ولا يفكران في تخصيب السرير بفكرة الحب.

يا الله وينك؟

شعوب بأبيها وأمها تتظاهر ضد رسمة، ولا تُهَز لها كرامة تحت جزمة الظابط، أب يذبح ابنته بسكين الشرف، وشرفه يدعس عليه شرطي سير، جماهير تتثائب أمام نشرة أخبار العراق وتترنح طرباً أمام نشرة أرداف هيفا، أغنية واحدة لأليسا توحد الطوائف، ورصاصة اسرائيلية واحدة تقسمها.

سبحان مغيّر الأحوال!revolutionary-article-on-language-learning-292x300

مثقفون يبررون انقلاب البكوات على شتائمهم، وفقراء يبررون مشاركة أحزابهم في تقاسم الكعكة والخزينة، عاطلون عن العمل يدافعون عن وزير العمل، ومزارعون يحملون صور وزير الزراعة أثناء اتلاف محاصيلهم، رئيس حكومة يستورد السواح إلى الفنادق، ويصدّر أهل الوطن إلى الشارع، وحدة وطنية لم يجن منها المواطن إلا وحدته، جبالٌ كانت لا تُطال، أًصبح شكلها لا يُطاق، مدارسٌ تخرّج لصوصاً، وسجونٌ تخرّج نواباً، وبرلماناتٌ تخرّج قتَلة!

بصراحة؟

لنكن واضحين، لا علاقة للانتخابات البلدية بالمعركة مع الصهيوني أو السوري أو السنغافوري، ولا دور لرئيس البلدية في تقرير رودلارسن أو تقرير غولدستون، وأعضاء المجلس البلدي لن يغيروا مهما حاولوا، موقف جفري فيلتمان من النظام الإيراني، وأستطيع أن أجزم، أن شرطي البلدية يفضل أن يستلم ملف تنظيم السير، على أن تسلموه ملف تنظيم العلاقات السورية اللبنانية. لمرة واحدة، فلنركز في الانتخابات البلدية على اختيار من ينقل الزفت من الوضع السياسي إلى وضعه في موقعه الطبيعي في الشارع.

عبد الحليم خليل جبران؟

لم يحدث أبداً، أن جاع أحدهم وأكل أرزة، أو طبخ كلاشينكوف، أو طلب ديلفري حقيقة، لم يحدث أبداً أن مرض مواطن وداواه نسيم من مفرق الوادي أو من مفرق بكركي، أو شفي بعد أن تذوق ريق الحبيب وظل على الريق دون فطور وغداء وعشاء، لم يحدث أبداً أن قبل المصرف أن ترهن كل ما أورثك جدك من أغاني طربية وقصائد عاطفية وأناشيد وطنية وخطابات عربية وانقلابات عسكرية وحكومات لبنانية، لم يحدث أبداً أن استطاع مواطن أن يستبدل دفتر بيانات عسكرية بدفتر شيكات بنكية، اللهم إلا الياس عطا الله.

لذا، الآن أعلنها، أنا المواطن المفلس العاطل عن العمل، أعلن أنني في هذا المنعطف الخطير التي تمر به أمتنا زحفاً، وأمام المرحلة الحساسة التي تقطعها وحدة اسطبلنا الوطني، وفي ظل التغيرات الاقليمية والتحولات العالمية والتبدلات السياسية والتحالفات القارية وانتكاسة اليسار في الباراغوي وانتعاشه في فنزويلا، ورغم الضغوط التي يتعرض لها النظام الكوري الشمالي ورغم المجاعة في دارفور، وبعد تفجيرات موسكو التي قلبت التوازنات، أمام كل ذلك وأكثر، ونكاية بكل الاذاعات الحزبية والعسكرية، قررت في هذه اللحظة التاريخية، أن أدخل الحمام، لأبول على كل الثوابت الوطنية، طز.

حكومة التوافق الشعبية

21/04/2010

خضر سلامة
بعد غياب طويل، وبعد تحوّل آخر تحرك إلى حرب أهلية صغيرة في أيار 2007، عادت النقابات إلى الشارع، من باب قضية محقة، مؤلمة، وجائعة جداً: سعر تنكة البنزين لا زال يرتفع، لترتفع معه حسابات أنبياء النظام اللبناني وميليشياتهم التي تحتكر الاستيراد والتجارة والبيع بهذه السلعة الأساسية لشرايين مدننا المريضة بالفقر.Photo015
غداً، الخميس 22 نيسان 2010، موعد اللبنانيين مع أول مشهد حقيقي لوحدة وطنية منذ زمن، كي يتوافق المسلمون والمسيحيون والموالون والمعارضون وحلفاء سوريا وخصومها، ليتوافق الجميع وطنياً، على لقمة عيش أبنائهم، وكرامتهم المغتصبة من قبل الرئاسات الثلاث ومندوبيها في الحكومة والبرلمان والشارع.

التوافق العمالي، في مواجهة التنافق السياسي، هذا هو شعار الغد.

لا زال ثمة أمل
لا زال ثمة من يجوع فيصرخ، ولو بعد حين
لا زال ثمة من إذا سمع الصدى الموجع في جيبه الفارغ، غضب وصال وجال وعبس في وجه الحكومات وجيوشها.
لا زال ثمة من لا يهاب المخبرين، ولا يهاب زعران النظام وأحزابه التي توسوس في صدور النقابات والناس، لا زال ثمة من يعترض، ويهدّد أزلام النظام بالعصا، والعصيان.

غداً نتظاهر، نقاطع النقل، ونحوّل الشارع من أرض لحرق البنزين والمال، ليتدفأ النواب والوزراء والقصور الثلاث، إلى أرضٍ لأقدامنا، ثابتة فيه، وشعارنا مرتفع في سماء الوطن، وطننا، لا وطن العقال القادم ليشتريه.
غداً وزيرة المال، ستتفرج على خزانتها تغلق أنيابها على الهواء، دون أن تعتصر يوماً جديداً من دم السائقين المتعبين بضرائبها التي تستثني المضاربين عقارياً، وتستثني المليارات السعودية، وتستثني الأموال القادمة من حيث لا نعلم، إلى جيب من نعلم، بضرائبها التي تستثني كل المتخمين في الفنادق، ولا تصفع إلا بطوناً فارغة منذ زمن.

أيها الوطن الصغير، تكامل غداً

يا رفاقي، يا أصدقائي، كلنا مدعوون للمشاركة:

1. المشاركة في المظاهرة المركزية للسائقين والمضربين، شباباً عمالاً طلاباً وعاطلين عن العمل، كي يبقى الأمل.

2. مقاطعة أي وسيلة نقل عمومية تتجاهل الاضراب، والتضييق عليها، كي لا يكسر أحد بجشعه أو جهله، سياج الخوف عن السراي الحكومي وزبانيته.

3. شرح القضية بتفاصيلها وأبعادها لكل من يحيطنا، كي تبقى الجبهة الوطنية الشعبية، موحدة غداً، في مواجهة الظلم والفجع الموحّد بين طرفي آذار في الحكومة.

4. تجنب استفزاز القوى الأمنية بشكل مباشر، كي لا تأخذ ذريعة لترتكب مجزرة جديدة، وهي القوى التي، بجيشها ودركها، اعتادت كسر كل المظاهرات العمالية والحقوقية، برصاصها، بحجة أو بدونها، كي يكون المشهد واضحاً في حال تدهوره، أمام العيون المراقبة.

5. الابتعاد عن الشعارات السياسية المنحازة المنقسمة، لأن خصومنا موحدين في التآمر ضد جيابنا، بكل انتمائاتهم الإقليمية، موحدون ضد مواطنيهم.

6. إلى رفاقنا من خارج الأطر النقابية، فلنلتزم بارشادات النقابات المنظمة للتحرك غداً، دون منافستها في السلوك، بما أنها المسؤول المباشر عن قضيتها وحقوقها، وهي صاحبة الأمر.

إلى النقابات: أعدتم الروح إلى الشارع، وإلى مناصريكم وأعضاء مجالسكم، توحدوا، بالأمس أساتذة واليوم سائقين وغداً… لتعود النقابات سيفاً مسلطاً على وزراء المال والاقتصاد والطاقة وغيرهم، لتعود النقابات صادحة بفكرة، أن لا صوت يعلو فوق صوت العمّال.
إلى القوى الأمنية: تحد جديد أمامكم غداً، على أمل أن لا ترسبوا كما اعتدتم، وأن تدركوا لمرة واحدة، بضباطكم وجنودكم، أن من يتظاهر هو أخ لكم في الدين العام، وشريك لكم في الاستشفاء الرديء، وفي المعاملة القذرة من أولي الأمر.
إلى الأحزاب اليسارية وناشطيها: غداً.. مظاهرة لا مظاهر فيها، بل قضية، لا برستيج يومي، بل تعب، لا تقليد سنوي ممل، بل تحد جديد جدّي
إلى القيادة السياسية برلماناً وحكومةً ونظاماً: بوسو الواوا.

نلتقي غداً، في يومٍ وطني خالص.

زيارة إلى صفحة الوفيات

15/04/2010

خضر سلامة

الأموات لا يحبون الهدايا الثمينة، يفضلون الزيارات القصيرة التي تكتفي بالسؤال البديهي: ألا زلتم أمواتاً جداً؟ يجيبون نعم، فنقول لهم لنواسيهم، لا تحزنوا، نحن أيضاً!

الموت صديق لنا، لا يشعر بالغربة بيننا، ونحن سوقه الأكبر وجمهوره الأوسع، نموت قتلاً بالثأر على يد أخٍ لنا، إن لم يقتلنا عدونا بالقذيفة، نموت جوعاً للحرية في معتقل من عمر التراب، إن هربنا من قدر الموت جوعاً للرغيف، أو نموت بذبحةٍ في القلب أو ذبحاً على الطريقة الشرعية لأنبياء العصر الوهابي، لنا في الموت ألف مدرسةٍ ومليون طريقة ومذهب، نموت، الموت ليس غريباً، زائرٌ يومي يطل من صفحات جريدة الصباح ليشاركنا قهوتنا المرة، الموت مذيعٌ بارع يقدم نشرة الأخبار على طريقته، ثم يصفعنا بالأرقام وبوهم الأمل، الموت صديقٌ وفي، يأخذنا معه كيفنا ذهب.Untitled

أنا لم أمت بعد، هكذا أخبرتني الحكومة، والحكومات في الشرق تعرف كل شيء، إلا أسماء العاطلين عن العمل، أنا لم أمت، لا زلت أشعر بالحواس الخمس، أسمع جيداً صراخ الجميع بوجهي، أرى جيداً غرفتي الفارغة من أي أحد وأي عاطفة، أشم جيداً رائحة شيءٍ ما يحترق في القلب، وألمس كل قليلٍ سقف الأرض، لأتأكد أني لم أصبح ملاكاً بعد.. لم أمت، ولكن، ثمة حاسة سادسة تنقصني، أريد أن أحس بالدفء، مخيفٌ هذا الصقيع، هذا الشعور بالبرد في كل سلام، كل عتاب، في كل العواطف البديهية التي لم تعد عواطفاً، أحتاج دفئاً لأسميه مجازاً وطناً، دفئاً، كي لا أنتهي كبائعة الكبريت في القصة الحزينة.

مخيف، كيف تقنعك حاسة البرد بأن الحواس الخمس كاذبة، أن تستيقظ كل يومٍ لتتفقد أنفاسك، ولتتأكد أنك لا زلت محتضراً فقط، لا أقل!

فكيف يخترع الحزين مدفأة، تُجعلِك الموت، وتمتم في سرها "صدق درويش: على الأرض ما يستحق الحياة".

لم أكذب يوماً، ولم أزين الحقائق بدهاء سياسي
لم أظلم أحداً، ولم أصادر رغيف خبزٍ من ضفائر صبية تنتظر الكرامة الوطنية
لم أتجاهل أبداً أي يتيمٍ يتسول معطفاً في شتاء بيروت الآتي بلا أصدقاء
لم أسرق حبة رملٍ واحد ة من الشواطئ الشعبية، كنت أنفض نفسي جيداً قبل أن أغادر، كي لا يحزن الفقراء إذا نقص رملهم حبة.
لم أخن صديقاً، كنت أخيط الضحك للكل بلعبة الكلام، وكنت أؤمم اللقمة كما تؤمم الحكومة الجوع، لنأكل جميعاً، أو نرقص فرحاً.

لم أعص وصيةً من وصايا موسى في قومه السفلة، ولم أشمت بمسيحٍ واحدٍ يحمل صلبان الرعية الخائنة، لم أتخلف عن مناصرة كل حسينٍ في كل كربلاء ولو باعه التجار والكتبة، لم أنس حديثاً واحداً علقه عليٌ على شرفة الحزن العربي.

أنا لم أخن، لم أسرق، لم أقتل، لم أعصِ.

كل ما امتهنته، كان فعل الكتابة، وفعل الرفق بالفقراء والأوطان، كنت كأي بدويٍ، فيه داء الرحيل المستمر تسولاً لانتماء حيناً، أو هرباً من وباء البطالة والفقر أحيانا.

فلماذا يا سادتي القضاة، أموت اليوم؟

أيها النظام العربي، أعطني يوماً واحداً، خارج قفص الأوامر العسكرية والقبلية، دون جلادٍ يعرف كيف يصادر الدموع، دعني يا سيدي أحب صباحاً، أتزوج عند الظهر، وأنجب طفلاً ليلاً، لأقول له قبل موعد مشنقة اليأس، وقبل الارتماء في مقبرة الشعوب النائمة، "أباك أحب العالم، أحب أرضه، أحب من لا حب له ولا خبز، أحب الأبجدية، أباك ليس ميتاً لقيطاً، بل قل، أبي سقط بجريمة اغتيال."

منقوشة زعتر

12/04/2010

خضر سلامة

مدن مسروقة:
بيروت، جنازة مؤجلة، تابوت علّق عليه قناص لافتة تقول: “تدفن بعد قليل من القصائد” وانشغل عن الصلاة عليها بقتل أشياء أخرى، لا تطالبيني عزيزتي بسداد ديون كتابات سقطت مني فوق جبين هذه المدينة، كنت أكتب لامرأة أخرى، لم يسمح لها الدولار الأخضر، بالخروج من الأبيض والأسود، بقيت ذكرى، وأنا من شعوب الظل، نعيش في الفكرة، على الأطلال، كلما خانني كتفاي بحجة التعب، وضعت رأسي على قلمين وصنعت من حكايات أبي، مدينة قاتل لأجلها، علّي أجد في زمن الفراغ ما أقاتل لأجله.
لم يترك لي المقاولون سريراً من العشب فيها، ولم يترك لي الزعماء باقةً من مشروع شعبٍ فيها، ولم تترك الطوائف لي سجادة صلاة واحدة، ولا الأسفلت ترك ثقباً، أخبأ فيه رائحة المطر الأوّل.
بيروت، حيفا، دمشق، بغداد، ترانا نكتب لما نفتقده فيكِ، أم ما فقدناها منكِ؟

أسرتي الجميلة:

أنا المقتول بنيرانٍ صديقة، عن طريق الخطأ، لماذا يجب عليّ أن أتحمل فشل الجيل السابق السياسي ووعيه الطائفي المتأخر؟ ولماذا عليّ أن أرث ديون المجتمعات كلها لمصرف الشريعة؟ حسناً، وأنتم تقرأون، اعرفوا جيداً أني أحبكم، أكثر من نفسي، لكن أقل من قضيتي، أعتذر، سامحني الله، سامحوني أنتم أيضاً.

الله صديقنا:
لا أعرف من قرر أن ينزل بي حكم الإعدام بمقصلة الإلحاد، أنا لست ملحداً، نحن نقابة المؤمنين بالله الحق، أجزم أني أكاد أشعر أحياناً أن لا صديق لي في زحمة انشغال الجميع بتفاصيلهم، إلا الله، وحده، يفرش في عينيّ نوراً أشد وهجاً من منازل التجار باسمه، يضيء ظلمة القلب، يمسح دموعاً سرقها وجعٌ دفين في الصدر، أحب الله، وحده، لا شريك له، ولا وكيل.
سأشكو كل ما في عتمة أيامي إليه، سيسمعني جيداً، وسأتهم الجميع أمامه في محكمة الخلق بالتآمر على تعبي..
أشعر بالتعب، أحتاج إلى ظل صفصافة في الجنة.

قومي ت نرقص:1_Picture1
ضعي الموسيقى التي تريدين، اخفضي الصوت قليلاً، أريد أن أستمع جيداً إلى سمفونية النفس المتقطع بين رغبةٍ بكلمة، وندمٍ على أخرى، لا تبعدي يداي مجدداً عن خصرك، سألاحقه، واعتقله بتهمة الحب، متلبساً بجريمةٍ بنية اللون، كعينيك.
لست أذكر جيداً كيف وقعت في كمين صوتك، لكني وقعت، ولست أذكر متى فكرت في قبلة خارجة عن القانون، لكني فكرت، ولست أذكر متى تعثرت بفكرة أحبّك وأين، لكني تعثرت وسقطت ولا زلت مستمراً في السقوط.. في السقوط إلى فوق، في السموّ إليك، جلّ من أحبك، جلّ من قطفك وجعلك باقةً قبيل عيد الحب.
ثم تسألين، لماذا أعود إليك كل يومٍ رغم حزني؟
لا أعرف!

مطر مطر:
كأي بدوي، كأي غجري، أحصي قطرات الماء التي لا تخجل من مصارحة الأرض بفعل الحب، كانت جدتي تحكي لي كيف أن المطر، هو نتيجة غسل الملائكة لبلاط الجنة، ثم درست وعرض العلم عليّ تفسيره، لم يقنعني العلم بعد، لا زلت أصدق جدتي، المطر غسيل الجنة، نحن المتسخون بغبار الله الطاهر.
أتعلمين حبيبتي، هذه البلاد كشمس الشتاء، موجودة، واضحة، صريحة، وان خبأها الطغاة بمعطف البؤس أحياناً، تعود في كل موسم، تزورنا قليلاً بالحنين والقصص، وتعدنا بزيارة قريبة.. وننتظرها، أطفالٌ جداً نحن، أبرياء حد الحماقة، حد البطالة.

غودو لا ينتظر أحداً:
أعود دائماً إلى صموئيل بيكيت، لم يستطع أحد حتى الآن اكتشاف حقيقة غودو، من هو هذا الغامض؟ الحرية؟ الله؟ الوطن؟ الحقيقة؟ الغضب؟ الثورة؟
كلنا ينتظر غودو، ترى، غودو نفسه ماذا ينتظر؟

الساعة العاشرة:
لا أريد شيئاً من هذه الدولة، خذوا كل الحقوق المدنية والسياسية لكل المواطنين، خذوا الكهرباء والماء وهاتوا ما أوتيتم من فواتير، خذوا القبور والذكريات، خذوا الشعر والشعراء والفقر والفقراء، خذوا ما تبقى من يسارٍ كئيب، وما تبقى من حبٍ حزين، خذوا الكتب بما فيها من أبجدية عجوز عصية على الموت، خذوا الخطابات المسروقة، والشبابيك المكسورة، والبيوت المهجورة، خذوا المدن والعمال والفلاحين واتركوا لي هموم العاطلين عن العمل، خذوا صكوك البيعة وهاتوا التعاميم الإدارية، خذوا الأحلام وهاتوا كوابيس الأطفال، خذوا ما شئتم من التراب ورمل البحر وزبد الموج، خذوا العواصم والحرية والأرياف والسنابل… خذوا كل شيء، فكل ما أريده، منقوشة زعتر، وصباح جميل هادئ، في عالمٍ متآمر صاخب..
أريد أن أبتسم.

هتلر أيضاً يحب التبولة

06/04/2010

خضر سلامة

ليس أدولف غريباً هنا، أدولف هتلر من أهل الدار، في ظل أرزةٍ صمّاء عن بكاء الجياع ربي، من موائد الفلكلور البعيدة عن البطون الخاوية أكل، في قصور تشع بقوة عتم الأكواخ حكم.. هتلر إبن هذه السماء التي تعلو وتعلو، وتزيد الهوة مع أهل التراب اتساعاً..

يخرج هتلر صباحاً، يشرب قهوته بعناوين الصحف التي اشتراها وسماها مجازاً، حرية صحافة وتعبير، الكل يطبّل لهتلره، والكل يرقص على قبور خصومه.. يتنزّه الدكتاتور متدثراً حيناً بعمامة رجل دين، يحاضر عن محبّة مفترضة لا تقع ورودها إلا على رؤوس دافعي الجزية ورافعي البيعة، يتلفح حيناً آخر ببذة عسكري، مجنون، خسر معاركه كلها، فتفرغ للسياسة وجال على العظام ينبشها ويبحث مجداً ساقطاً، وحيناً آخر، يلبس بذلة سوداء ودفتر شيكاتٍ وربطة عنق، تجمّل رقبته، وتشنق رقاب آلاف الفقراء الماشين خلفه، بمشنقة المصارف والشركات.

هتلر لبناني، يتقلب بين أوراق عن أمن الطائفة، عن فرادة الوطن اللبناني، عن ضرورة التلاحم العربي، عن الصراع الأممي، لا فرق، هتلر لبناني محض، وليد صدفة، سمير ليل، نبيه الفكرة، أمين على عائلته، عونٌ لأصهرته، سعدٌ لجياب من يتملق له، هتلر لبناني بكل ذلك.. ولكل هتلر غستابو، يسهر على أمن نازيته المطلقة، يوزّع الخوف حلوى على الأطفال كي يعتادوا فكرة الذعر، حين يطلق نباحه مؤذناً بحربٍ جديدة، أو معركة سياسية تعطّل البلد، والأمل..

لا مركزية للنازية، كل شيء نازي، طعم الخبز فيه بصقة من هتلر هذه الطائفة، حساب الديون فيه حصة لجيب هتلر تلك الطائفة، كزدورة الليل على شاطئ البحر، فيها عيون البوليس السري يتجسس على قبل العشاق، هل بدأت بالصلاة على هتلر، وآله وصحبه وحزبه وعائلته، أم لم تبدأ.. كل شيء فيه لون عينيه، لون ظلام المخفر، كل نهدٍ فيه زندٌ يحمل عصا الدين العام ويجلد به حلم الصبايا.. كل شيءٍ في رائحة قدمه النتنة، هتلر يدوس على كل الثورات ويخصيها، ويجعلها خابية نبيذٍ، يشرب منها رجال المخابرات والأجهزة.

كلنا يصفق لهتلر، حين يحدثنا عن كره الآخر وضرورة اللحاق به، وكلنا يشتم هتلر، حين يحدثنا طفلنا عن كره وضعه وضرورة اللحاق بأول طائرة مهاجرة، كلنا يهتف لهتلر حين يفتتح مدرسةً على اسمه واسم قديسٍ أو إمام يتاجر به لضرورة المرحلة، وحين نعود إلى حساب مصاريف الأقساط، نكفر بالأنبياء وآلهتها ونطفة هتلر، كلنا نحارب في معارك هتلراتنا ونحتفل بانتصارهم، وحين نحارب في معركة الرغيف نشكو انكسارنا وحدنا.. وحدنا، آه يا وحدنا..

هتلر قاتل، قتل ألف مليونٍ خرج عن طوعه، في شوارع بيروت اغتالهم، في المخافر، في قانون المطبوعات وفي قانون المدح والذم، في مطارات العالم لاحقهم بتهمة الوطن واعتقلهم في منافيهم يأساً، هتلر قاتل، ولو تزيّن بقانون عفو، أو شهادات فخرية، أو وسيلة اعلام تعزف النشيد الوطني ليرقص رقصة الثمل بدم نقاباتنا وأحزابنا…

هتلر لم يمت، هتلر يتسكع على كورنيش البحر، هتلر يأكل التبّولة، هتلر بعث ألفاً في هذه البلاد، ولم ينتحر بعد.. ينحرنا كل يومٍ.. ولا ينتحر.

قصة “دولة”

04/04/2010

لنا جارة عجوز خرفة، أكل الدهر على شرفها وشرب، اسمها "دولة"، (تلفظ دولت، وهو اسم تركي، أغلب الظن لأن أباها كان عثمانياً).. "دولة" جارتنا العجوز، اللئيمة مع أولادها، الذين تركوها وهاجروا ولم يعودوا منذ زمن.. عجوز فظة، بشعة، تتكلم الفرنسية بلهجة سعودية، وتلبس خماراً فارسياً فوق قلنسوة فاتيكانية، عجوز قبيحة الملبس والمنطق والسلوك..

بعد وفاة زوجها الأخير، "أسد"، مرت سنين عجاف على "دولة"، تلاعب بها رجال الحي كلهم، وسخروا منها، وزادوا في تخريب أملاكها الخربة أصلاً، شعرت "دولة" بفراغ كبير، فراغٍ هائل، دام أشهراً، لذا، تزوجت من رجلٍ اسمه "عماد"، كان عماد أزعراً معروفاً في المنطقة، يعرف عنه قصص عديدة، مرةً دمّر بدمٍ بارد خيمةً لأطفالٍ كانوا يحلمون بليمون وبمزهرية فيروزية، ومرةً أخرى أطلق النار على شبابٍ كانوا يتمتعون بنور عامود كهرباءٍ لم يطفأه التقنين، إلا أنه كان جباناً أمام بلطجية شوارع أخرى، إذ حدث أكثر من مرةً أن اعتدى البلطجية على أبناءه ولم يحرك عماد ساكناً، كما كان يقف على الحياد أمام النهب والتكسير الذي تقوم به بعض العصابات في حيه.. كان قوياً على الضعفاء، وضعيفاً مع الأقوياء..

المهم، تزوجت دولة من عماد، بعد أن شعرت بالفراغ، وباركت نقابة الزعران والميليشياويين واللصوص، هذا الزواج..

إلا أن السنين مرت، وعماد شعر أنه لم يستطع أن يملأ فراغ دولة، بقيت بشعة، بقيت أخلاقها دنيئة، بقي صيتها سيئاً أمام الأقرباء وأمام الأعداء.. كانت دولة امرأةً لعوبة غاوية، وعماد رجل ضعيف لا يستطيع ضبطها، زاعماً أن لا كلمة له ولا صلاحيات واسعة في المنزل ليحكمها، شعر بالفشل، شعر بحاجته لحفظ ماء وجهه.. استقال عماد من الزواج وطلقها، وبقيت دولة قبيحة، وبقي عماد، بسيرة زواج فاشل، واعتزل فعل الاعتداء على العالم.. استقال لأنه خاف على كرامته من تهمة الفشل، وتهمة فقدان سلطته الزوجية، وخاف على مصداقيته أمام العهود التي قدمها في عرسه.. استقال.

هذه القصة تمت إلى الواقع ان شاء القضاء والقدر، والشرطة، بكل صلة.

 

“ملاحظة، بعض الإيحائات الواردة في هذه القصة، عن قوة او سلطة مفترضة للذكورية، لا تتبناها القناعة الشخصية، بل استعمالها يتوقف عند حدود الفكرة المراد إيصالها، لمن نريده أن يفهمها”

بلطجية الجامعة اللبنانية

02/04/2010

خضر سلامة

متى تصبح الجامعة اللبنانية الرسمية، لبنانية، ورسمية؟

بعد حظر مادة الرسم العاري في التسعينات في كلية الفنون، بضغط من التيارات الظلامية، ومن ثم التضييق على اختصاص المسرح والتمثيل، الذي تجلى باعتداء مسؤول في الجامعة على إحدى الطالبات من فترة قصيرة، مروراً بحوادث متفرقة تعدت فيها الميليشيات الدينية الطلابية على نشاطات "مختلفة" عن شريعة الغاب التي يطبقها البعض محميين بالإدارة الهشة، حتى الثلاثاء الفائت حين قام الباسيدج اللبنانيون بقطع الكهرباء عن احتفال اقامته حركة الشعب بمناسبة يوم الأرض لمنعهم من إقامة حفلة موسيقية (مدونة حب وحياة).. بعد كل هذا، يحق لنا توجيه سؤال إلى النظام اللبناني الذي يوفر الغطاء لزعران الطوائف: إلى أين؟Stop_Ignorance

الجامعة اللبنانية، لبنانية، أي أنها للجميع، لا لطائفة، مهما بلغ حجمها، لبنانية، أي أنها لا تتبع ولاية قم، ولا طقوس مكة.

الجامعة الرسمية، رسمية، أي أنها خارج أي التزام مذهبي ضيق، أو حزبي مقيت، رسمية، غير خاضعة لمزاج زعيم، أو مزاج قطيعه.
في الجامعة اللبنانية ميليشيات حقيقية، زعران ينتسبون للجامعة منذ عشر سنوات وأكثر، رغم أن الحد القانوني لا يتعدى حق الانتساب خمس مرات متتالية، بتصريح من القوى المسيطرة.
في الجامعة اللبنانية، بلطجية، يقومون بالاعتداء بالضرب وبالشتم والتهديد، على الطلاب دورياً، تحت أعين الأمن الجامعي الذي تنحصر مهمته بتلطيش الطالبات، ونسج علاقات مع قوى الأمر الواقع.
في الجامعة اللبنانية، إدارة تابعة لأحزاب، أساتذة خاضعون لمكتب الطلاب الفلان، والتعبئة الباسيدجية الفلانية، يقتدون بأوامرهم، ويضيقون على من يخالفهم.
في الجامعة اللبنانية، جمهوريات موز، وسيرك سياسي، وحقوق طلابية ضائعة على مائدة القوى المذهبية الكبيرة.

ثمة قرار بمنع الصور والملصقات السياسية المستفزة، يطبق حصرياً على القوى العلمانية واليسارية، أما عند احتفالات حزب يضم الله وأنبيائه في عديده، أو حركة تقضي على كل أملٍ بدولة حديثة، تعطّل الصفوف، وتعلن التعبئة العامة في الباحات. وتنتشر الملصقات والأعلام والأمراض المعدية طائفياً.

وبسبب بلطجية الميليشيات المذهبية في الجامعة اللبنانية، يدخل الطالب السليم عقلياً إلى الجامعة أول العام، ليجد نفسه لاحقاً مضطراً للانتساب أو لنسج علاقة مودة مع حزب ما، ليؤمن ما يسميه "حماية أمنية" كي لا تكسر يده، أو يكسر أنفه، أو يمسح فلان الأرض بكرامته، وفلان محمي من رجل دولة يلهو بمصير البلد، وأبناءه.

وخلف كل ذلك، وزير تربية مشغول بتحطيم نقابة الأساتذة وتدميرها.
وخلف كل ذلك، حكومة تبحث عن تسول جديد.
وخلف كل ذلك، أحزاب ظلامية قتلت المفكرين في الشوارع في الثمانينات، وتحاول اليوم اغتيال أبناء الفكر وأحلامهم، بغطاء من زعمائهم.
وخلف كل ذلك، أحلام تتحطم، جيل ينمو على فكرة الزعرنة، وقوة السلاح، ومآثر التعصب الطائفي والديني.

ثمة من يتحكم بالجامعة اللبنانية الموحدة في الحدث، مستفيدً من داعم سياسي يختار هو عناصر  الأمن، ويختار هو الأساتذة، ويختار الإدارة، ويتلاعب بالمناهج، تماشياً مع عقيدته الخاصة أو مزاجه الصباحي، ثمة من يعتبر الثقافة عدو لمشروعه الظلامي، ثمة من يحارب الفن والموسيقى والرسم والنحت، ثمة من يخاف من الصوت الجميل، من يخاف من الفكرة النظيفة، ثمة من يزرع الحقد، ليحصد جمهوراً مغلفاً بالأسود، وبالصدأ الديني.

فلنغني يا رفاق، ولنرسم، هذه آخر قلاع الحلم بدولة حديثة، يبنيها هؤلاء الذين تحاربهم الطائفة، وتحاربهم السياسة، يحاربهم رئيس مجلس ونواب ووزراء يملكون جيوشاً من الزعران والجهلة والحمقى الغارقين في ظلاميتهم، سيسقطون يوماً، وتبقى الكلمة خضراء بلون الأرض، لا لون حركة، صفراء ساطعة كالشمس، لا كعلم حزب، تبقى الكلمة، لتشتمهم.

 

على أمل أن تصبح قوى الأمن هي الأخرى لبنانية عامة، وتتحرك لضبط الأمن في الجامعة ومعاقبة الزعران والمتطاولين على الحريات العامة، مستفيدة من عناصر مخابراتها المنتشرة في كل مكان، والقادرة على محاربة الخطأ والزعرنة الطائفية، لا محاربة الرأي الحر والأصوات العلمانية!

بيوغرافيا: 4 – إنجيل يهوذا

01/04/2010

خضر سلامة

بيوغرافيا 1
بيوغرافيا 2
بيوغرافيا 3

أكسر نظارتيّ، ولكنتي الحمراء، وأحرق الكتب الباحثة عن قضية، وأفتّش عن حديث جديدٍ يعجبك، تكونين فيه أنتِ القضية.

لا تحبين ماركس؟

سأقتله، سألاحقه في نضالات العمّال، وصرخات الطلبة، وفكرة الثورة، سأجده، سأقتله، لا يستحق الحياة من لم يتعمّد في ماء وضوءك قبل الصلاة، لا يستحقها، لا تحبين ماركس حبيبتي؟ سأعتذر إليه قبل أن أطعنه، وسيبتسم، سيعترف أن الدين ياسمين الأرض، لا أفيونها، إن كان دين العشق.

تريدين حديثاً على حجم خصرك لا حجم كوارثي؟ يكون المبتدأ فيه نعتٌ يحاول عبثاً وصفك، والخبر فيه أهزوجةٌ ريفية تمجّد احتكارك لفعل الحب؟ لكِ كل ذلك، لن أحدّثك عن جوع الفقراء، بل عن فرحهم إن دخلت عينيك يوماً في شمسهم، لن أروي لكِ قصص العاطلين عن العمل، بل أشعارهم اليومية المكتوبة على أرصفة التسكع، لن أرسم لكِ صورة غيفارا في ساحة هافانا، بل سأرسم قدمين لأنثى تركضان خلف مواسم قصب السكر، وأنتِ السكّر..8737

لا تحبّين علم فييتنام؟

سأمزقه، وسيسامحني الشهداء حين أحدثهم عن أول قبلة، خذيني إذاً، على جناحي صدرك، صوب طشقند، لأدخلك في زواريب ألف ليلةٍ من الحب، وليلةٍ أيضاً، ضعيني أسداً مجروحاً بكِ في حزن أفريقيا، لأقسّم الزئير على وتر النهوند أغنية حبٍ جديدة تقرعها القبائل، أو دليني بإصبعٍ من خجل، على الطريق إلى الأندلس، لأجمع مواويل العرب في إناءٍ من عتب.

تريدين بلاداً أنتِ فيها عاصمة الفصول الأربعة؟ لكِ ما تريدين، سأنزع الإسفلت عن وجه الشوارع الحبيسة بأقدام التجار، وأعبّد الدرب إلى قصرك بقوافي مجانين ذبحوا على فراش ليلى، وأنتِ ليْلاي، سأحيل كل الأسلحة إلى زنابق لا تنام رائحتها، وأعيّن أناملي العابثة بشعرك، حرساً لمجدك، كوني البلاد، واجعليني علماً يرفرف بين الضفيرة والضفيرة.

سأكون مستمعاً جيداً، أخبريني عن أغنيتك المفضلة، لون ثيابك، أخبار مطربك، أسرار صديقاتك، أخبريني عن كل الأشياء التي كنت لا أكترث لها، فتتأكدين جيداً عندها أني أكترث بحواسي الخمسة لكِ، عيناي على مرمى نظرةٍ من عينيك، أذنايّ عصفوران يخترعان دواءً لبيتهوفن كي يعرف نكهة صوتك، أنفي متسولٌ لرائحة عطرك الجديد، فمي دفتر تلوين فيه سهول جسدك، ويداي آخر فصلٍ من كاماسوترا.

احكي لي قصص طفولتك، لأفصّل لكِ طفولةً جديدةً لا تكبر، نحفظها في حرارة اللقاء اليومي، والجنون الذي لا ينضب، سأكون كل ما تريدين، سأترك كل الثورات لتأكل أبنائها كما اعتادت، وكل الزعامات لتقتل قطعانها كما اعتادت، سأترك كل الحروب لتنطفأ وحدها، وكل القتلى ليبعثوا أحياءَ وحدهم، سأؤجل كل مواعيد الكتابة، وكل محطات القراءة، إلى أن يغلفك النعاس بكذبي الأبيض: فتنامين… راضيةً مرضية.


%d مدونون معجبون بهذه: