هتلر أيضاً يحب التبولة

خضر سلامة

ليس أدولف غريباً هنا، أدولف هتلر من أهل الدار، في ظل أرزةٍ صمّاء عن بكاء الجياع ربي، من موائد الفلكلور البعيدة عن البطون الخاوية أكل، في قصور تشع بقوة عتم الأكواخ حكم.. هتلر إبن هذه السماء التي تعلو وتعلو، وتزيد الهوة مع أهل التراب اتساعاً..

يخرج هتلر صباحاً، يشرب قهوته بعناوين الصحف التي اشتراها وسماها مجازاً، حرية صحافة وتعبير، الكل يطبّل لهتلره، والكل يرقص على قبور خصومه.. يتنزّه الدكتاتور متدثراً حيناً بعمامة رجل دين، يحاضر عن محبّة مفترضة لا تقع ورودها إلا على رؤوس دافعي الجزية ورافعي البيعة، يتلفح حيناً آخر ببذة عسكري، مجنون، خسر معاركه كلها، فتفرغ للسياسة وجال على العظام ينبشها ويبحث مجداً ساقطاً، وحيناً آخر، يلبس بذلة سوداء ودفتر شيكاتٍ وربطة عنق، تجمّل رقبته، وتشنق رقاب آلاف الفقراء الماشين خلفه، بمشنقة المصارف والشركات.

هتلر لبناني، يتقلب بين أوراق عن أمن الطائفة، عن فرادة الوطن اللبناني، عن ضرورة التلاحم العربي، عن الصراع الأممي، لا فرق، هتلر لبناني محض، وليد صدفة، سمير ليل، نبيه الفكرة، أمين على عائلته، عونٌ لأصهرته، سعدٌ لجياب من يتملق له، هتلر لبناني بكل ذلك.. ولكل هتلر غستابو، يسهر على أمن نازيته المطلقة، يوزّع الخوف حلوى على الأطفال كي يعتادوا فكرة الذعر، حين يطلق نباحه مؤذناً بحربٍ جديدة، أو معركة سياسية تعطّل البلد، والأمل..

لا مركزية للنازية، كل شيء نازي، طعم الخبز فيه بصقة من هتلر هذه الطائفة، حساب الديون فيه حصة لجيب هتلر تلك الطائفة، كزدورة الليل على شاطئ البحر، فيها عيون البوليس السري يتجسس على قبل العشاق، هل بدأت بالصلاة على هتلر، وآله وصحبه وحزبه وعائلته، أم لم تبدأ.. كل شيء فيه لون عينيه، لون ظلام المخفر، كل نهدٍ فيه زندٌ يحمل عصا الدين العام ويجلد به حلم الصبايا.. كل شيءٍ في رائحة قدمه النتنة، هتلر يدوس على كل الثورات ويخصيها، ويجعلها خابية نبيذٍ، يشرب منها رجال المخابرات والأجهزة.

كلنا يصفق لهتلر، حين يحدثنا عن كره الآخر وضرورة اللحاق به، وكلنا يشتم هتلر، حين يحدثنا طفلنا عن كره وضعه وضرورة اللحاق بأول طائرة مهاجرة، كلنا يهتف لهتلر حين يفتتح مدرسةً على اسمه واسم قديسٍ أو إمام يتاجر به لضرورة المرحلة، وحين نعود إلى حساب مصاريف الأقساط، نكفر بالأنبياء وآلهتها ونطفة هتلر، كلنا نحارب في معارك هتلراتنا ونحتفل بانتصارهم، وحين نحارب في معركة الرغيف نشكو انكسارنا وحدنا.. وحدنا، آه يا وحدنا..

هتلر قاتل، قتل ألف مليونٍ خرج عن طوعه، في شوارع بيروت اغتالهم، في المخافر، في قانون المطبوعات وفي قانون المدح والذم، في مطارات العالم لاحقهم بتهمة الوطن واعتقلهم في منافيهم يأساً، هتلر قاتل، ولو تزيّن بقانون عفو، أو شهادات فخرية، أو وسيلة اعلام تعزف النشيد الوطني ليرقص رقصة الثمل بدم نقاباتنا وأحزابنا…

هتلر لم يمت، هتلر يتسكع على كورنيش البحر، هتلر يأكل التبّولة، هتلر بعث ألفاً في هذه البلاد، ولم ينتحر بعد.. ينحرنا كل يومٍ.. ولا ينتحر.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

6 تعليقات to “هتلر أيضاً يحب التبولة”

  1. عبد القادر Says:

    رائع يا رفيق جوعان.
    ليس فقط الرسالة السياسية و الإجتماعية في نصّك، بل أيضا الإبداع اللغوي و الأدبي.
    لو تجمع نصوصك و تنشرهم في كتاب 🙂

  2. HEREZ Says:

    الى التحول الكيّفي يا صاحبي…..روعة

  3. صرخــات أبـــو حجـر Says:

    لربما لم يمت بعد …ولكن هتلر المترسخ في ذهنيات سياسيي المنطقة ” أكثر من غيرهم” سيموت …وعند موته سنفرح ونرقص ونغني …
    نغني للحرية الحمراء

  4. النظام المكب: لبنان العنصرية « جوعان… مواطن ضد الأنظمة المزورة Says:

    […] بهتلر في دياره! – هتلر أيضاً يحب التبولة – ماذا فعل الأمن العام اللبناني، حسناً، قام هذا الجهاز […]

  5. LebaneseList » Blog Archive » النظام المكب: لبنان العنصرية Says:

    […] بهتلر في دياره! – هتلر أيضاً يحب التبولة – ماذا فعل الأمن العام اللبناني، حسناً، قام هذا الجهاز […]

  6. Lebanese List » Blog Archive » النظام المكب: لبنان العنصرية Says:

    […] بهتلر في دياره! – هتلر أيضاً يحب التبولة – ماذا فعل الأمن العام اللبناني، حسناً، قام هذا الجهاز […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: