منقوشة زعتر

خضر سلامة

مدن مسروقة:
بيروت، جنازة مؤجلة، تابوت علّق عليه قناص لافتة تقول: “تدفن بعد قليل من القصائد” وانشغل عن الصلاة عليها بقتل أشياء أخرى، لا تطالبيني عزيزتي بسداد ديون كتابات سقطت مني فوق جبين هذه المدينة، كنت أكتب لامرأة أخرى، لم يسمح لها الدولار الأخضر، بالخروج من الأبيض والأسود، بقيت ذكرى، وأنا من شعوب الظل، نعيش في الفكرة، على الأطلال، كلما خانني كتفاي بحجة التعب، وضعت رأسي على قلمين وصنعت من حكايات أبي، مدينة قاتل لأجلها، علّي أجد في زمن الفراغ ما أقاتل لأجله.
لم يترك لي المقاولون سريراً من العشب فيها، ولم يترك لي الزعماء باقةً من مشروع شعبٍ فيها، ولم تترك الطوائف لي سجادة صلاة واحدة، ولا الأسفلت ترك ثقباً، أخبأ فيه رائحة المطر الأوّل.
بيروت، حيفا، دمشق، بغداد، ترانا نكتب لما نفتقده فيكِ، أم ما فقدناها منكِ؟

أسرتي الجميلة:

أنا المقتول بنيرانٍ صديقة، عن طريق الخطأ، لماذا يجب عليّ أن أتحمل فشل الجيل السابق السياسي ووعيه الطائفي المتأخر؟ ولماذا عليّ أن أرث ديون المجتمعات كلها لمصرف الشريعة؟ حسناً، وأنتم تقرأون، اعرفوا جيداً أني أحبكم، أكثر من نفسي، لكن أقل من قضيتي، أعتذر، سامحني الله، سامحوني أنتم أيضاً.

الله صديقنا:
لا أعرف من قرر أن ينزل بي حكم الإعدام بمقصلة الإلحاد، أنا لست ملحداً، نحن نقابة المؤمنين بالله الحق، أجزم أني أكاد أشعر أحياناً أن لا صديق لي في زحمة انشغال الجميع بتفاصيلهم، إلا الله، وحده، يفرش في عينيّ نوراً أشد وهجاً من منازل التجار باسمه، يضيء ظلمة القلب، يمسح دموعاً سرقها وجعٌ دفين في الصدر، أحب الله، وحده، لا شريك له، ولا وكيل.
سأشكو كل ما في عتمة أيامي إليه، سيسمعني جيداً، وسأتهم الجميع أمامه في محكمة الخلق بالتآمر على تعبي..
أشعر بالتعب، أحتاج إلى ظل صفصافة في الجنة.

قومي ت نرقص:1_Picture1
ضعي الموسيقى التي تريدين، اخفضي الصوت قليلاً، أريد أن أستمع جيداً إلى سمفونية النفس المتقطع بين رغبةٍ بكلمة، وندمٍ على أخرى، لا تبعدي يداي مجدداً عن خصرك، سألاحقه، واعتقله بتهمة الحب، متلبساً بجريمةٍ بنية اللون، كعينيك.
لست أذكر جيداً كيف وقعت في كمين صوتك، لكني وقعت، ولست أذكر متى فكرت في قبلة خارجة عن القانون، لكني فكرت، ولست أذكر متى تعثرت بفكرة أحبّك وأين، لكني تعثرت وسقطت ولا زلت مستمراً في السقوط.. في السقوط إلى فوق، في السموّ إليك، جلّ من أحبك، جلّ من قطفك وجعلك باقةً قبيل عيد الحب.
ثم تسألين، لماذا أعود إليك كل يومٍ رغم حزني؟
لا أعرف!

مطر مطر:
كأي بدوي، كأي غجري، أحصي قطرات الماء التي لا تخجل من مصارحة الأرض بفعل الحب، كانت جدتي تحكي لي كيف أن المطر، هو نتيجة غسل الملائكة لبلاط الجنة، ثم درست وعرض العلم عليّ تفسيره، لم يقنعني العلم بعد، لا زلت أصدق جدتي، المطر غسيل الجنة، نحن المتسخون بغبار الله الطاهر.
أتعلمين حبيبتي، هذه البلاد كشمس الشتاء، موجودة، واضحة، صريحة، وان خبأها الطغاة بمعطف البؤس أحياناً، تعود في كل موسم، تزورنا قليلاً بالحنين والقصص، وتعدنا بزيارة قريبة.. وننتظرها، أطفالٌ جداً نحن، أبرياء حد الحماقة، حد البطالة.

غودو لا ينتظر أحداً:
أعود دائماً إلى صموئيل بيكيت، لم يستطع أحد حتى الآن اكتشاف حقيقة غودو، من هو هذا الغامض؟ الحرية؟ الله؟ الوطن؟ الحقيقة؟ الغضب؟ الثورة؟
كلنا ينتظر غودو، ترى، غودو نفسه ماذا ينتظر؟

الساعة العاشرة:
لا أريد شيئاً من هذه الدولة، خذوا كل الحقوق المدنية والسياسية لكل المواطنين، خذوا الكهرباء والماء وهاتوا ما أوتيتم من فواتير، خذوا القبور والذكريات، خذوا الشعر والشعراء والفقر والفقراء، خذوا ما تبقى من يسارٍ كئيب، وما تبقى من حبٍ حزين، خذوا الكتب بما فيها من أبجدية عجوز عصية على الموت، خذوا الخطابات المسروقة، والشبابيك المكسورة، والبيوت المهجورة، خذوا المدن والعمال والفلاحين واتركوا لي هموم العاطلين عن العمل، خذوا صكوك البيعة وهاتوا التعاميم الإدارية، خذوا الأحلام وهاتوا كوابيس الأطفال، خذوا ما شئتم من التراب ورمل البحر وزبد الموج، خذوا العواصم والحرية والأرياف والسنابل… خذوا كل شيء، فكل ما أريده، منقوشة زعتر، وصباح جميل هادئ، في عالمٍ متآمر صاخب..
أريد أن أبتسم.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , ,

5 تعليقات to “منقوشة زعتر”

  1. saryaa Says:

    كلماتك تدخل في ثنايا القلب فيمتزج الشعور بالفرح والحزن معاً!

    عملنا مناقيش زعتر, تفضل عالترويقة

  2. abdulazizqobbouri Says:

    جميع فقرات مقالتك جميلة ورائعة

  3. Hachem Says:

    على هذه الأرض ما يستحق الحياة : تردد إبريل , رائحة الخبز في الفجر, آراء إمرأة في الرجال, كتابات إسخيليوس, أول الحب , عشب على حجر, أمهات تقفن على خيط ناي, و خوف الغزاة من الأغنيات.

    على هذه الأرض ما يستحق الحياة: نهاية أيلول, سيدة تترك الأربعين بكامل مشمشها, ساعة الشمس في السجن, غيم يقلد سربا من الكائنات, هتافات شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين, و خوف الطغاة من الأغنيات.

  4. علي Says:

    انا من اسرتك ولم اكن يوماً في اسرتك. انا من الوحوه التي قفزت في ظلمة لياليك البائسة الماضية لتدعي انها من اسرتك.انا من جيل لم يسبقك بكثير ولا يريد ان يحملك فشله لان الفشل هو فشل القضية و الكلام يطول. و وعينا ليس طائفي متأخر بل هو مؤامرة طفولية مفضوحة و مملؤة بالحب. و الحب و المؤامرة لا يجتمعان. أعتذر عن الطفولية التي اهانتك. انت المقتول بنيران صديقة حاكمتنا جميعاً بأربعة أسطر و بخلت علينا بكلمات لم تعد صفحاتك البيضاء ولا الالكترونية تحصي عددها. كلمات خنقتها في صدرك و خنقت اوتارك الصوتية. كلمات مليئة بالغضب خرجت في تقطع انفاسك و صفعت وجوهنا جميعاً. أردنا أن تعرف اننا نحبك اكثر من قضيتك لا بل بعضنا هو جرئ من قضيتك. اعتذر حصرياً و باسمي فقط

  5. jamil Says:

    انشالله بتضل مييأس تـتضل تكتب أشياء حلوة…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: