زيارة إلى صفحة الوفيات

خضر سلامة

الأموات لا يحبون الهدايا الثمينة، يفضلون الزيارات القصيرة التي تكتفي بالسؤال البديهي: ألا زلتم أمواتاً جداً؟ يجيبون نعم، فنقول لهم لنواسيهم، لا تحزنوا، نحن أيضاً!

الموت صديق لنا، لا يشعر بالغربة بيننا، ونحن سوقه الأكبر وجمهوره الأوسع، نموت قتلاً بالثأر على يد أخٍ لنا، إن لم يقتلنا عدونا بالقذيفة، نموت جوعاً للحرية في معتقل من عمر التراب، إن هربنا من قدر الموت جوعاً للرغيف، أو نموت بذبحةٍ في القلب أو ذبحاً على الطريقة الشرعية لأنبياء العصر الوهابي، لنا في الموت ألف مدرسةٍ ومليون طريقة ومذهب، نموت، الموت ليس غريباً، زائرٌ يومي يطل من صفحات جريدة الصباح ليشاركنا قهوتنا المرة، الموت مذيعٌ بارع يقدم نشرة الأخبار على طريقته، ثم يصفعنا بالأرقام وبوهم الأمل، الموت صديقٌ وفي، يأخذنا معه كيفنا ذهب.Untitled

أنا لم أمت بعد، هكذا أخبرتني الحكومة، والحكومات في الشرق تعرف كل شيء، إلا أسماء العاطلين عن العمل، أنا لم أمت، لا زلت أشعر بالحواس الخمس، أسمع جيداً صراخ الجميع بوجهي، أرى جيداً غرفتي الفارغة من أي أحد وأي عاطفة، أشم جيداً رائحة شيءٍ ما يحترق في القلب، وألمس كل قليلٍ سقف الأرض، لأتأكد أني لم أصبح ملاكاً بعد.. لم أمت، ولكن، ثمة حاسة سادسة تنقصني، أريد أن أحس بالدفء، مخيفٌ هذا الصقيع، هذا الشعور بالبرد في كل سلام، كل عتاب، في كل العواطف البديهية التي لم تعد عواطفاً، أحتاج دفئاً لأسميه مجازاً وطناً، دفئاً، كي لا أنتهي كبائعة الكبريت في القصة الحزينة.

مخيف، كيف تقنعك حاسة البرد بأن الحواس الخمس كاذبة، أن تستيقظ كل يومٍ لتتفقد أنفاسك، ولتتأكد أنك لا زلت محتضراً فقط، لا أقل!

فكيف يخترع الحزين مدفأة، تُجعلِك الموت، وتمتم في سرها "صدق درويش: على الأرض ما يستحق الحياة".

لم أكذب يوماً، ولم أزين الحقائق بدهاء سياسي
لم أظلم أحداً، ولم أصادر رغيف خبزٍ من ضفائر صبية تنتظر الكرامة الوطنية
لم أتجاهل أبداً أي يتيمٍ يتسول معطفاً في شتاء بيروت الآتي بلا أصدقاء
لم أسرق حبة رملٍ واحد ة من الشواطئ الشعبية، كنت أنفض نفسي جيداً قبل أن أغادر، كي لا يحزن الفقراء إذا نقص رملهم حبة.
لم أخن صديقاً، كنت أخيط الضحك للكل بلعبة الكلام، وكنت أؤمم اللقمة كما تؤمم الحكومة الجوع، لنأكل جميعاً، أو نرقص فرحاً.

لم أعص وصيةً من وصايا موسى في قومه السفلة، ولم أشمت بمسيحٍ واحدٍ يحمل صلبان الرعية الخائنة، لم أتخلف عن مناصرة كل حسينٍ في كل كربلاء ولو باعه التجار والكتبة، لم أنس حديثاً واحداً علقه عليٌ على شرفة الحزن العربي.

أنا لم أخن، لم أسرق، لم أقتل، لم أعصِ.

كل ما امتهنته، كان فعل الكتابة، وفعل الرفق بالفقراء والأوطان، كنت كأي بدويٍ، فيه داء الرحيل المستمر تسولاً لانتماء حيناً، أو هرباً من وباء البطالة والفقر أحيانا.

فلماذا يا سادتي القضاة، أموت اليوم؟

أيها النظام العربي، أعطني يوماً واحداً، خارج قفص الأوامر العسكرية والقبلية، دون جلادٍ يعرف كيف يصادر الدموع، دعني يا سيدي أحب صباحاً، أتزوج عند الظهر، وأنجب طفلاً ليلاً، لأقول له قبل موعد مشنقة اليأس، وقبل الارتماء في مقبرة الشعوب النائمة، "أباك أحب العالم، أحب أرضه، أحب من لا حب له ولا خبز، أحب الأبجدية، أباك ليس ميتاً لقيطاً، بل قل، أبي سقط بجريمة اغتيال."

Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

6 تعليقات to “زيارة إلى صفحة الوفيات”

  1. عبير Says:

    ألف وردة لقلمك خضّور
    هيك ضلّك!

  2. salimallawzi Says:

    رائع صديقي .. جميل ما تكتبه .. تابع مسيرتك نحو النجاح

  3. متشرّد Says:

    لا تمت

    ..

  4. farah Says:

    perfect

  5. Hummus Says:

    This is the best thing I’ve read in ages.

  6. abderahmen Says:

    all will die why?

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: