ذكريات الحرب القادمة.. قادمة

خضر سلامة

في زمن التطرف، كل منا يتطرف لنفسه، وأنا أتطرف لنفسي، ولما في القلب من فتات ثبات، وغرور، وكثير من الحب والغربة والدموع.. والمجد لمن سقطوا وإن سقطوا على أصابعي.
خضر.. الزمن: قبل النكبة بنصف نكبة: 7 أيار – ذكريات من زمن النصف حرب.

اليوم الأول:

وحدهم الفقراء لا مكان لهم في أيار، وحدهم يعبرون عيدهم مطلع الشهر كادحين، ويقفون بعد اسبوعٍ منه حائرين، جائعين، مفلسين حتى من البكاء، يا فقراء الوطن: لا فرق بين فقيرٍ وفقيرٍ الا هنا، لا فرق بين فقير وفقير الا بالطائفة، وبالخيارات الاستراتيجية الجيوسياسية ايضاً (!!!).

اليوم خمرة وغداً ثورة، يا رفاق، ناموا بعون الفودكا.. واستفيقوا على النبيذ.

صباحاً في الشارع مع الجائعين، وليلاً في الخندق مع المسلحين، من لا يملك ثمن رغيفٍ قبل الفجر، حصّل قبل العصر ثمن رصاصة، ماذا يفعل في الشارع؟ هل تعلم السعودية وايران وسوريا واميركا واسرائيل أن أولادك خرجوا بالأمس عراةً وحفاة؟ هل تعلم أنت أن تأشيرة الخروج من الوطن، طعمها في الثغر أقل مرارة من طعم لحم أخيك؟
حسناً، القهوة على النار، والوطن الموقد، وبيروت الجميلة تشبه حب الهال المحترق بطيش أبنائها.. سامحهم الله.

اليوم الثاني:

“بيروت بكرا ان قالوا شو صار ببيروت"
ما صار شي..
أبناءٌ طردوا أبناء
شهداءٌ قتلوا شهداء
زعماءٌ حاصروا زعماء

فرشت بيروت خريطة الجرح العتيق، ونامت، لا شيء هنا لا يشبه حرب الفنادق، فنفس الشعارات ونفس الاسلحة ونفس القذائف، ونفس الطعم الحار لقصائد الشعراء وبكاء الأمهات وجدائل الصبايا الهاربة من عصف ال"حرية"، ونفس الوجوه، نفس الأقنعة، مما يخاف المتقاتلون؟ ولماذا يخجلون من كشف وجوههم أمام عدسات الفضيحة؟ بيروت تعرفكم، وتعشقكم، وإن جرّحتم وجهها قليلاً.. ربما نسي من ألبسكم البنادق، أن يخبركم أن بيروت "صندوق فرجة كبير".

اليوم الثالث:

البقاع ملتهباً، سهله يحمل قنبلة، وجباله مزنرة بالمذاهب، وأهلي وإن ضنّوا، وإن تقاتلوا، وإن قُتِلوا وإن قَتلوا.. كرامٌ كرامُ..

من سمح للنفط بأن يبني خيمةً على أقدام جارة الوادي؟ ومن أخبر عرب الدولار أن عواميد القلعة تعرف من عمر ومن علي ومن المسيح.. أرضنا لا تعرف إلا أن فلاناً نام بلا غطاءٍ وبلا دفء، وفلان الآخر سقط منذ عامين على عتبة الحقد الصهيوني..

التراب الطاهر لا يعرف الا الحقد على أهل الحقد، وأهل المكارم أهلي، لهم في نفس التراب قبرٌ ومنزل، ومواسم قمحٍ وبيادر، وقصص لا تموت.. اليوم تمد بيروت من حرائقها يداً إلى البقاع.. لا فتنة هنا، هنا القليل من الحب، وبعض الحب يجرح، وبعض الحب يقتل، وبعضه الآخر يكفينا لننهض.

غداً صباحاً سننهض، وسننزع الأقنعة، وسنرقص رقصةً اخرى، وسنسهر على فقرنا الذي سيجمعنا.. غداً.

اليوم الرابع:

صديقي كان ضد الحرب..

لولا أن السنين تجمعنا، لاستطاع ان يقنعني بلونه المكتظ بالسواد مع اول طلقة، هو في قرارة نفسه يعرف أن هناك دوماً بين الرصاصة والرصاصة متسع للكلمة، للقصيدة، وان هجاها وان رفضها، بعد مئة عامٍ وعام، سيجلس في ظل مدفع، سيقرأها، وسيضيف عليها اسمه واسم آخرين مروا من صفحة الوفيات واستقروا على حافة بئرٍ من نسيانٍ ومن تسويات.. ومن "هيدا لبنان"، أتهمه أنه يراعي الجو العام ويتخلى عن وعيه، يتهمني أنني أجهل طبيعة المعركة ولا اتفهم ما في النفوس.. أتهمه بالخيانة، ويتهمني بالغباء.. ثم نضحك.

سنختلف غداً على قدحٍ من كلمة، ماذا نسمي هذا الأسبوع، حرباً اهلية، مناوشات، تصفية حسابات، لعبة دول، رسائل سياسية قصيرة مدوية.. سنختلف كثيراً، لكننا سنتفق على شيءٍ واحد، أنه صديقي، وأنني صديقه، وأن صوت المعارك لا يقوى على صوت الخوف في القلب على أخٍ لنا خلف أشواك المدافع.

stop-war-just-love-L-1

"انتبه ع حالك
انتبه عالبلد".

كيفون، بيصور، عاليه، الباروك، مرستي.. من أين تأتي القذائف، من أين تأتي النار، من سرق العينين من الجثة، من خطف فلاناً ومن أعاده، لسنا إلا جمهوراً يقتات بالتاريخ، والتاريخ يعيد نفسه.. شيء ما يجمع قتيل اليوم بقتيل الأمس وقتيل القرن الماضي، فتشوا قليلاً، لون الدم واحد، وبسمة القاتل الصفراء على شاشة التلفاز واحدة، "كلنا أخوة"، وعندما تنتهي المعارك، سنبحث عن "غريبٍ" ما، لنلصق به تهمة القتل، أما تهمة الموت، فلا تجد الا جثث الشباب لتستريح فيها، وتريحنا من عبء الأسماء.. لا تهتموا لأسمائهم، اهتموا لبقايا من بقايا بقاياهم، لم تمزقها بعد آلة الطائف وجمهوريته.

اليوم الخامس:

اليوم حلبا، بالأمس حلبا، وأخاف غداً من حلبا..

شريعة الخوف هنا، بالذات هنا، وحوش تنهش أجساداً، وأحقاد تنهش قلوباً، وشهوة الدم تنتقل عبر الصور، بالألوان، "الله أكبر" ويسقط الحديد على اللحم، ما اللذي حمل فلاناً الى هذه المشهد، وفلانٌ عاد بغربته، على هويته الممزقة كتبوا وكتبنا: "مغتربٌ منذ أكثر من عشر سنوات"، أمه قالت، وانا اصدقها، انه قصد حكيماً ليصلح ما بين أسنانه.. أيها الراحل تمهل، السوسة ما نخرت فيك، السوسة نخرت في وطنك، السوس ينخر في العقول..
أي عاقلٍ لم يفهم بعد أن لعبة الدموع فيها خاسر واحد: الانسان، بكل ما فيه من انسان، بمشاعره، بأحلامه، بعقدة الفقد والشوق والموت.. بأطرافه المقطعة، بطفلةٍ تجاوزت العشر سنين بقليل، فاغتالها قناص في طرابلس، كيف قتلها، بأي لؤمٍ وأي حقٍ وئِدت وأين دُفنت على عجلٍ، كيف سقطت؟ كيف تهاوت جمجمةٌ أغلقوا عينيها بالدماء؟ هل كانت تبحث عن دميةٍ سقطت، ام تبحث عن ضفيرةٍ سرقها الغبار، أم تبحث عن ما يستحق أن تبحث عنه طفولتها.. لا شريعة هنا الا الخوف.. والطفولة مجرد تفصيلٍ، يضيق ويتسع على حجم انتمائاتنا وأهوائنا.
الراحلون يرحلون بحزن، والباقون هنا يبكون.. لسنا نملك إلا البكاء، يكفينا ذلك.

اليوم السادس:

العرب على المائدة، كل المقبلات من طيب الفرات والضفة والليطاني حضرت لارضاء الكروش، بنو سعودٍ متخمون بالمال، وبالفتنة، لا فرق بينهم وبين الحاضرين، لدينا يا سادة جثثٌ تكفي للجميع، اشووها على قليلٍ من آبار مشاريعكم، وتلذذوا بساديتكم وتقاسموا لحم نسائنا بسرعة، أنهوا كل ابتساماتكم وقبلكم، واتركوا لنا الغد، كما ترونا معلقين ومشنوقين بأحلامنا وآمالنا، نراكم معلقين يشنقكم حقدكم بعد هنيهة، كم هم "عربٌ عربٌ عربٌ جداً أولاد الكلب".

السعودي صفع الايراني، والايراني رد الصفعة.. وانتهى المشهد الأول، أغلقت الستارة، صفق الجميع للجميع، وصلت علب المحارم ومسحنا الرمل عن وجه بيروت، ابتسمت قليلاً، عانقت كل المارة، لا زالوا أحياءً يرزقون بشمسٍ وبمطرٍ يأتي بلا موعد.

لم أجمع كل الجثث بعد، بعد قليلٍ نستنطق العظام عن أسمائها.

اليوم السابع:

حبيبتي، الطقس في لبنان مشمسٌ، يبشر بصيف جميل، كما عين الشمس، فعين الحقيقة ساطعة، العملاء يجاهرون بعمالتهم، ليسوا بحاجةٍ لحربٍ كي نعرفهم، عادوا يبثون سمومهم.

حبيبتي، الطقس في لبنان مشمسٌ، فلان أزعجته أشلاء بني صهيونٍ ، وكان يعجبه فن تقطيع بني وطنه، وأخذ صوراً تذكاريةً كي يعرف أبناؤه أي فاشيةٍ في دمه، أي اشمئزاز، فلانٌ آخر يغتصب جمهوره بالمذهبية وفلانٌ يغتصب الآخرين بعلمانيته وريائه وفلانٌ يغتصب نفسه بنفسه.. الطقس مشمس، زنوا قليلاً بنا، لكننا أكثر وعياً الآن.. وحروف الجملة تكاد تكتمل، سنفهم كل شيءٍ بعد قليل، بعد قليل.

حبيبتي، سقطت الأقنعة، سقطت القواعد والثكنات، سقطت البيوت والمحلات والمدارس، سقطت الشطآن وسقطت الدساتير والأجهزة، سقطت الطفولة والألعاب والعيون والكرامات والأمومة والأشواق، سقط كل شيء، إلا أنتِ، يخنقك الوطن، والأغاني والأناشيد، يخنقك الحصار والتراب والدخان، يخنقك القتل والخطف، تفقدين أعصابك قليلاً، تشتمين الوطن والزعامات والطوائف وتشتميني حين أبتسم وحين أضحك ساخراً منتشياً بكأسٍ من المرارة.. تشتمين كل شيءٍ، وأسر إليكِ بأني أحبك، وأنكِ تحبين وطنك.. لكنك متعبة الآن..
خذي كفيّ من فوق القلم، واحملي نفسك بهما الى النوم، سمّي باسم الله وباسمك واسمي، باسم كل شيءٍ أحبه.. وأحبك.

حبيبتي، اليوم السابع خرج من نافذة الألم، رئيس نصف الحكومة لم يتراجع عن كرسيّه، وتراجع عن شيءٍ من حماقته، تراجعت أعداد المسلحين، وتراجعت أعداد القتلى.. وتقدمنا أنا وأنتِ أكثر من حضن الوطن، لا تصدقيني اذا غنيت لكِ اغنية اليأس، في القلب ثقبٌ فيه أهلي وأهلكِ وشعبنا الطيب.. رهاننا عليه، رهاني عليّ وعليكِ وعلى القتلى والجرحى والأحياء والحاقدين والمسالمين والمحايدين والمنحازين والقاتلين والمتقاتلين.. عليهم جميعاً رهاننا.

أسبوعٌ مضى للبنان، وغداً لفلسطين، غداً آخر النكبات، بعدها، تبدأ الأحلام، والقصائد، والانتصارات، ليقدّم كلٌ منا حسابه.

بوكرا أحلى… بكتير، واذا مش بوكرا، الي بعدو أكيد.

أمي على الهاتف، صوتها هادئ، ضحكتها تنبأني ان الدنيا بألف خير
“نخترع الأمل" ونعيش.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

2 تعليقان to “ذكريات الحرب القادمة.. قادمة”

  1. شادية Says:

    أشعر هنا بأن الضوء يصفعني بكف من ظلام

    قراتها أكثر من مره ليس لعدم الفهم او الوضوح بل لاتحسس ذلك الجرح في داخلى وكأن هذه الكلمات ملح يسكب عليه

    كنا نسمع كثير كبارنا لما تصير مشكله بقولو انا واخوي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب
    اضحك كثيرا على هذه العباره كثيرا جدا من فرط الغضب
    من الغريب؟؟ أعلم فقد اختلط الحابل بالنابل واصبحنا جميعا غرباء نحمل الضغينه لبعضنا فقط لبعضنا فقط
    نقتات على دماء بعضنا البعض لنحقق مصلحة ما سخيفه
    بات كابوس يطاردنا اينما ذهبنا حتى لا نكف كما قلت عن البكاء
    ولكن رغم كل شيء هناك ثقب من أمل يستدعينا بكل قوه للتشبث به

    سلام لبلادك ولبلادي ولبلادهم

  2. عماد Says:

    المشكل اخي جوعان، اننا في زمن الكاميرات، والهوت-ميل المراقَب، اليسار لا يتكوّن سرّاً،
    بعرض لينين إنو ميكلين هوا،

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: