من أين يأتينا الفرَح؟

خضر سلامة

.. ثمّ لماذا كلما ارتفع سعر النفط العربي، انخفض سعر الانسان العربي، ولماذا كلما انخفض سعر النفط العربي، ارتفعت أسهم سوق النخاسة؟

حسناً،
أخبرني رجلٌ ممعنٌ في العروبة يوماً، أننا كلما ابتعدنا أكثر عن الوطن، نراه أجمل وأجمل.. فالله يسكن في المساحة الضيقة بين حدّ السيف وأصابع الحرف، وأخبرني أن من فوق شرفة الشوق سأسقي ظمأ العين بلون البحر، لأن البحر صديقنا، والبحر مركبنا وملعبنا.. أخبرني العجوز قبيل الدفء بلسعة ليل باردة، أن كل الأطفال الذين لم أنجبهم بعد، والأشجار التي لم أسقها بعد، والقصائد التي لم أكتبها بعد، وكل النساء اللواتي لم أحتس ي من جدائلهن ياسميناً بعد.. كل أشيائي تنتظرني.. "فإن افتقدتَ أشيائك ومدنك يا ولدي.. لن تفقدها".RESIST_logo_40th

والآن أعرف أن العجوز كان طيباً حد الحماقة، فكلما ابتعدتَ أنتَ عن الوطن، أصبحتَ تراه ممزقاً كرصيفٍ يمرح الريح فوقه: مشنوقاً على حائط الفضيحة، وطنٌ تستبدل الأسماء فوق خارطته بأحجام المذاهب، بمخازن الرصاص.. وطنٌ يضيق بحزن الجياع.. وطنٌ يُعار.. شعبٌ يباع.. أنظمة عار..

البحر خاننا يا خال..
وفتحنا يافا يوماً للبحر، فزرع الموج في ثديها الأول مسيحاً دجالاً يحمل ملامح  نبيٍ توراتي كذاب، وفي ثديها الثاني أعوراً يهوى كشف عورات العرب.. جائنا بنو صهيون من البحر يا خال، غدرنا البحر.
وحملنا الصنارة والشبكة، وسألنا بحر غزة أن يطعمنا سمكاً ووطناً، فأكل البحر من قلب هدى غالية، وبصق فوق شفتيها حوتاً يشبه السفن، وليس بسفينة، وابتلع شباك الصيادين وأغانيهم.

جئنا بحر بيروت كقافلةٍ من نار، ورأينا حذاء فدائيِ يشير إلى الشاطئ ويقول: من هنا رحلت الكفافي مخضبةً بدم الحصار، تراها خافت بيروت من عدوى جدار برلين فخلعت عنها ثوب الأشعار ولبست دفاتر التجار، من طرد السياب منها وأعطى ألف كازانوفا تأشيرة دخول؟ أتى السواح يا خال إلى بيروتنا وصارت معرضا للأسماء العربية المهددة بالانقراض، خبئنا خجلاً مكتباتنا ومسارحنا، وأقمنا حفلات المآتم السنوية، لأننا شعب نحب الرثاء، وزّعنا البحر على سماسرة الأملاك الخاصة، ولصوص الأملاك العامة، ثم تسائلنا.. هل البحر "غضبان ما بيضحكش؟".

وافترشنا الرمال بنفسجاً رسولاً لحزننا وانتظرنا كثيراً.. سألنا عن قرطاج، قالوا سقطت في فم اللغة العبرية وأكلت من لحم العابرين، كتبنا في مصر قصيدةً وانتظرنا صوت حاديها، فشوهتها خصور الراقصات، قصدنا شارع جدٍ لنا في بغداد يكنى بالمتنبي، فانفجرت بنا شحنات الطوائف، عدنا مكسورين إلى دمشق فاعتقلتنا أقفاص الخطابات الفارغة، طلبنا من صور ضوءاً فأعطتنا لون الحداد، وأضاءت ستين شمعةً لحزن الجليل.

وطنٌ من عمر الخليقة، لعبنا فوقه لعبة الهزائم، نهزم أنفسنا كل يومٍ، ثم بعد ذلك يأتي يهزمنا الآخر: الأعداء والطوائف والمال وروتانا وسجائر المارلبورو، تأتينا كل الأشياء من نشرة الأخبار وتهزمنا، نهرب صوب الشارع فيضيق بنا ويغيّر لون أشجاره يجعلها اسمنتاً خانقاً: كيف تكون مواطناً مكتمل الانتصار، وأنت شحّاذ أمام المصارف؟ أو كيف تكون كامل الكرامة، وقناعاتك رهن عدّاد تقلبات الأنبياء الجدد؟ كيف نكون أحراراً، وحرية الأرض غير مرتبطةٍ حكماً في بلادنا، بحرية انسانها.

متى ننتصر؟ "عندما ينتصر الكاتب على دفتر الشيكات السعودية وينتصر القلم على القنبلة الثورية الكاذبة" قال، "ثم عندما نفهم ما الفارق اللغوي بين الدِين والديْن".

عندما ننظّم لائحة المسروقات الوطنية من متحف الخارطة ونوازي بين ما صادره الجيران حلفاء كانوا أم أعداء، ننتصر، عندما نقتنع بلعبة الأمم ومصالح الدول الخبيثة، ونصبغ عملاتنا الوطنية بلون الكرامة الوطنية، ننتصر.. عندما نقنع أبناءنا أن بناء المواطنية لا يكتمل إلا بقلمٍ ورغيف خبزٍ عزيز كريم، وأن عدونا يخاف من حبرنا ووعينا وحريتنا، ننتصر.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

3 تعليقات to “من أين يأتينا الفرَح؟”

  1. SunSet Says:

    يأتي الفرح كما الحب….. من حيث لا ننتظره!
    ولدفئ الأوطان طعمٌ لا تمحوه العذابات

    تحياتي

  2. شادية Says:

    هكذا نحن كنطفة في رحم الوطن
    ننمو وسننمو ونكبر
    هكذا نحن مصلوبون على على امتدار جدرانه

    الجرح كبير ،، كبير كثير
    والفرح قريب وبعيد

    يا صبر !

  3. حسن Says:

    ما هي جنسية زوجها؟ سوري؟ فلسطيني؟ كردي؟ سيريلانكي؟ باكستاني؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: