Archive for 30 يونيو, 2010

حدث في طزستان

30/06/2010

خضر سلامة

المقال الآتي لا يمت إلى الواقع بأي صلة، وشخصياته هي مجرد هلوسات وطنية من نسج خيال مواطن جوعان مخبول عقلياً، طبعاً

%20_1_~1

جمهورية طزستان، هي جمهورية حرة سيدة مستقلة، تقع إلى جنوب البحر الأسود كوجه الليل بعيد ساعة التقنين الكهربائي، وشمال البحر الأحمر كدم الشهداء المختلف على طوائفهم وأحزابهم ولون ثيابهم الداخلية، وغرب البحر الأصفر، كوجه أطفال جائعين لا تعرف عنهم أجهزة الأمن، لكنها تعرف أين تجدهم لتعتقلهم وتعالجهم من داء الحرية على الأصول الشرعية في مخافرها، إذا جربوا أن يفكروا يوماً ما.

دولة بأمها وأبيها، بجمهوريتها وبرلمانها وحكومتها، اختلفت على الموازنة العامة، اختلفت على تحديد العدو والصديق، اختلفت على تعريف العميل، اختلفت على حقوق المواطنين واللاجئين وحدود الحرية، اختلفت على كل شيء، واتفقت، على أن تفتتح فندقاً مؤخراً، وبعد أن افتتحت الدولة جيشاً شعباً ومقاومةً ومؤسسات، الفندق، جمعت طزستان حقائبها، وانتقلت كي تطوب قديساً.

وهكذا انتهت الاحتفالات، وتفرغت الدولة الطزستانية لتمارس واجباتها تجاه المواطنين، على الفيسبوك! قامت أجهزة المخابرات الطزستانية باعتقال شباب لأنهم انتقدوا فلان أو شتموه أو ذموه أو زعجوه أو نعروه، وفلان رجل مهم جداً، هيبة مقامه أهم عند البعض من هيبة الشعب كله المهانة بهكذا عهد، وكرامته أغلى من كرامة الآلاف الذين تتعبهم لقمة العيش بفضل جهود حكومة النفاق الوطني، لا أدري، المهم أعتقل الشباب.

لن أدافع عن ن. وأ. وش.، لأن كثيرين دافعوا عنهم، وأصبح الأمر واضحاً كوضوح نجاح هذا الحكم، ولكن ما يزعجني، أن ثمة حفرة في الطريق العام قرب بيتنا في أحد ضواحي العاصمة الطزستانية، هذه الحفرة لم تنفع معها الإدانات التي صدرت من مختار الحي، ولم تسدها بيانات الشجب والاستنكار من نواب المنطقة ضد هذه الحفرة التي تعيق نضال المواطن ضد المشروع الإمبريالي، المسؤول في البلدية أكد لي على الهاتف أن البلدية ستوظف كل علاقاتها الدولية وجهودها الدبلوماسية من أجل سد الفراغ في هذه الحفرة، ورغم ذلك، بقيت الحفرة رغم أنف المسائيل الحزبيين والرسميين ورغم الصلاة المشتركة التي أقمها المسلمون والمسيحيون من أجل أن تختفي هذه الحفرة، لذا، وطالما أن الدولة التي أعيانا السؤال عنها، وينيي الدولة، لعشرات السنين، اكتشفنا فجأة أنها موجودة على الفيسبوك بكامل عدتها الأمنية لذا أقترح فتح مجموعة ترفع هذه القضية الحساسة إلى أعين المخبرين الحساسين المرهفين الغيورين على كرامة أسيادهم، وبعدها، يمكن أن نفتح غروباً يخبر الرئيس الفلاني أن هناك تقنيناً للكهرباء في البلد، وغروباً يخبر الرئيس الفلاني أن هناك انقطاعاً للمياه في البلد، وغروباً يخبر الرئيس الفلاني أن ثمة فقر وجوع وتسول وبكاء مستمر وقهر وغضب في البلد.. لعل، لعل هناك من يكترث لكرامتنا، كما يكترث لكرامة الرجل المهم.

ثم، لو أن هذا الجهاز الأمني الفاضي البال، طالما أنه مشغول بإدخال أسماء وهمية واختراع بروفيلات جديدة ليزيد من عدد مشجعي فلان الفلان في صفحته الرسمية على الفيسبوك، لو أنه يعرف أو يتابع المجموعات الطائفية التي تحرض وتثير النعرات مثلاً في نفس الموقع، أو لو أنه سمع عن صفحة الصداقة الاسرائيلية اللبنانية على الفيسبوك، أو لو أنه يتابع مجموعات من نوع "تحداني كلب من طائفة الكلاب الفلانية أن أجمع مئة كلب من طائفتي"، إلخ.. هل هذه كلها، أمور تفصيلية، هل القضية الأهم، هي اعتقال ومحاكمة من ذم فلان وجرح مشاعره، كي يبقى الشعار الوطني: طز بمشاعر المواطنين وكرامتهم؟!

أيها الجهاز الأمني الطزستاني، أيها القضاء الطزستاني، هناك لصوص في البرلمان، لصوص في الحكومة، هناك قتلة في بذلات عسكرية، هناك قتلة برتبة زعماء، هناك وطن مخصي، وطن يهان، وطن يباع ويشترى، أيها الأمن الوطني، مثل أي مراهق: سكّر فيسبوك وقوم اشتغل شغلك!

Advertisements

مذكرات إله سابق

28/06/2010

خضر سلامة

يا طير البرق، أخفض جناحك قليلاً، أعطني لونك الأبيض وشاحاً لأخبئ صوتي الجريح بالخوف، احملني إلى شرفةٍ في جبل قاف كي أنظم عالماً جديداً على شكل قصيدة، قدم لي معراجاً آخر كما أعطيت محمد، لأواجه الأنبياء المزورين بما سجلت من هموم الرعية، لأركل الكرة الأرضية بقدمي وأكسر بها نافذة الكون، لأعيد عقارب الإنفجار العظيم إلى انعدام مادته، كانعدام الدفء في معدة كل جائع، في عين كل وحيد، في يد كل شهيد، يا طير البرق أنا إلهٌ سابق، متعب، مستقيل من تعب الإغريق بنحت وجهي في الصخر، هارب من عربٍ يأكلون كتفي إن جاعوا، من قومٍ يصرون على صلبي كل عامٍ، ليتطهروا من ذنوبهم ويذكروني بذنوبي، خذني إلى حيث تكون الشمس أكثر وضوحاً من جنديٍ مقتولٍ على رصيف الحرب، وسمّوه خبراً عاجلاً، إلى حيث يكون القمر ملعباً للأطفال الضجرين من اللعب بالقنابل، والمؤجلين في نشرات الطقس الأمني.Ares-Cuba

1. وحدهم الشهداء لا يقرأون قصائد الرثاء التي كتبها الشعراء فيهم، ولا أظنهم يكترثون، يغفون على خد التراب، ويحلمون بعالمٍ أقل ضجيجاً، يتمنون موتاً آخر مختلف، ينقلهم إلى قبرٍ لا تكتظ حوله الخطابات، عالمٌ أقل كذباً، فيه مشرحة معقمة، تقتل الجراثيم والشعارات والأغاني التي توقظهم من سباتهم الجميل، كم شغلوا البال هؤلاء الشهداء، يعودون من المعارك إلى أسرّتهم ليناموا، لا يرمون السلام على أحد، يرمون البكاء على الجميع، لا يكترثون لشيء، إلا لراحة جثثهم، لا يكترثون للون بلاطة القبر، ولا أسماء المعزين اليوم.. كم هم هادئون متنسكون صوفيون، وسط زحمة التجار والسماسرة حول دمائهم.

2. رأيت في حلمي وطناً جميلاً، حدوده ضفيرة سوداء لليلى لم تمت بعد في أرض بابل، ظلت رغم أنف الصحابة الجدد، تحمل جرتها وتبحث عن رائحة الفرات في زوايا البارود، وتمشط شعرها على وجه العرب، رأيت وطناً يمارس فيه العشاق فروض العاطفة في الحدائق العامة برعاية وزارة الثقافة، ولا تلاحقهم مديرية الأوقاف، وطنٌ جميل: رئيسه يوازن بين الغضب وبين التفاح، برلمانه على حجم الخريطة، يتسع لكل الشوارع والضواحي، جنوده نساءٌ تخيط نهراً من العسل، كي يثمل العلم ويرقص كزوربا رقصة الريح.

3. أنا إله سابق، أغفو كأي طفل، أستيقظ كأي بائع خضرة عند الفجر وأصفق للّيل على هذا العرض المدهش للنعاس، أغسل وجهي بباقة من حزن الأنابيب المحبوسة في جدران هذا المبنى، أخرج للشارع، أو يدخل الشارع إليّ، قدماي في الأرض، عيناي على مساحة هذه البلاد المرمية أمامي كعاهرة أكلها المال ورحل.. أمشي وأركض، أدخل وأخرج وأعود، أغني ثم أضحك: لا شيء جديد، لن يتوقف أي عابر فجأةً كي يعيرني وجهاً جديداً من الصدفة، والجميلات اللواتي تزينّ عند الصيف بسمرة البحر الجميلة، لن يقبّلنني فجأةً كما أشتهي، لن أربح اليانصيب هذا الأسبوع، لن أجد فانوساً سحرياً، يبصق في وجهي جنياً يطلب رضاي كما لم يطلب أحد رضاي من قبل.. تباً، هذا اليوم مكرر، وغداً مكرر، أحتاج إعصاراً، أو فنجان قهوة.. فنجان قهوة!

4. تعبت، هل يموت العراقيون والأفغان والفلسطينيون والأفارقة نفسهم كل يوم؟ أم أنهم أولادهم يلحقون بالموت في باص متأخر عن رحلة آبائهم يوماً؟ ثم، بماذا تفكر هذه المذيعة وهي تنعي ألفاً كل يوم؟ أتراها لا تفهم ما تنطق به، لا تهتم، أتراها حين تذكر أن ابنة فلان قتلت بنار عدو، تكون تقول في سرها: "تأخرت عن مسلسلي المفضل"، أو تراها حين تخبرنا أن فيضاناً بلع عائلةً في آسيا، تتذكر أنها وعدت أطفالها المرفهين بقنينة عصير؟ تعبت من هذه الأسئلة، تعبت من السؤال الدائم عن ماركة الطابعة التي تنتج دون أي حساب، آلاف الأعداد من منشور تحريضي سيخرب البلد، أو السؤال الدائم عن ما يدور في بال تاجر السلاح وهو يشاهد حرباً صنعها في أدغال قارة مريضة، تعبت منهم، تعبت من الممثلين في الأفلام وهم ينتصرون على جيوش كاملة في ساعتين، ونحن في ستين سنة لم ننتصر على نصف جيش وربع دولة وأقل كثيراً من شعب، تعبت من كرة القدم تركض من مرمى إلى مرمى، وكرة الفقر لم تخرج من مرمانا منذ قرون.. أنا إله مستقيل، سأمحو حواسي الخمس، أريد أن أعود سمكةً أو أقل، قرداً أو سحلية لا فرق، سأمحو الحواس الخمس، سأمحو بالذات نعمة العقل، كي لا أتذكر عندما يضربني المخبر، أن لي كرامةً أو حق.

يا طير البرق، أخفض جناحك قليلاً، خذني إلى معراجٍ جديد، أريد أن أثقب الأوزون مرةً أخرى، كي يغرق العالم، كي تحكم المياه هذه اليابسة الملعونة.

مارادونا – محمود درويش

24/06/2010

نتوقف اليوم، في مدونة جوعان، مع فاصل رياضي، لالقاء التحية على كرة القدم العالمية التي تشغل بال العالم منذ أسابيع، وأعرض لكم يا أصدقائي، مقالاً بقلم الشاعر الراحل محمود درويش، كتب بعيد مباراة الأرجنتين وألمانيا في مونديال عام 1986 التي فازت بها الأرجنتين بثلاثة أهداف لهدفين، بعنوان مارادونا-لن تجدوا دماً في عروقه بل صواريخ.

وكان درويش، مأخوذاً بأداء مارادونا، الذي صنع الهدف الأخير، ككل أبناء جيله في تلك السنوات.
المقال نشر في مجلة اليوم السابع.

ما-را-دو-نا
لن يجدوا دماً في عروقه بل وقود الصواريخ
محمود درويش

1- ماذا فعلت بالساعة، ماذا صنعت بالمواعيد؟
ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟
مع منْ سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟ وإلى منْ نأنس ونتحمّس بعدما أدمناه شهراً تحوّلنا خلاله من مشاهدين إلى عشّاق؟
ولمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود، وأجج فينا عطش الحاجة إلى: بطل.. بطل نصفق له، ندعو له بالنصر، نعلّق له تميمة، ونخاف عليه ـ وعلى أملنا فيه ـ من الانكسار؟
الفرد، الفرد ليس بدعة في التاريخ.
يا مارادونا، يا مارادونا، ماذا فعلت بالساعة؟ ماذا صنعت بالمواعيد؟
2- سنتذكر لنسهر أكثر
فراغ الأمسيات يتقدّم منّا كطبل من حديد، فنحن لا ننتظر أحداً. سنجر الخطى الثقيلة في اتجاه بيروقراطية النفس والوقت، وسنضطر إلى قبول مواعيد أخرى، نستعيد فيها الثرثرة اليومية حول المناخ، والعنصرية، والحروب الأهلية..
وسنتذكّر، لنسهر أكثر، عصرا ذهبياً عاصرناه:
العصر الذي حل فيه مارادونا ضيفا على لهفتنا، فأقلعنا عن كل شيء لنتفرغ لما مسّنا من طقس: محبة مارادونا، وتسييج قدميه بفضاء الرحمة، والقفز على الشاشة لفك الحصار الألماني الثقيل، الذي يسد الهواء على توتر عضلاته، وهجاء الحكم البرازيلي، الذي كسر قلب مارادونا، كما يكسر الرجل الغليظ القلب قلب طفل بريء.. لا لشيء إلا لأنه يغار من عبقرية الطفولة.

3- يفلت كالصوت
له وجه طفل، وجه ملاك،
له جسد الكرة،
له قلب أسد،
له قدما غزال عملاق،
وله هتافنا: مارادونا.. مارادونا، فنتصبب اسمه عرقاً. ويقتلع الكرة كالقطة البلدية الماهرة، من أرجل البغل. يراوغ كالثعلب المزوّد بقوة ثور، ويقفز كالفهد على حارس المرمى الضخم المتحوّل إلى أرنب: جووول!
مارادونا يرسم علامة الصليب، يبوس الأرض. يقف. يُحاصرْ. يفلت كالصوت. يقطف الكرة. يحاصرْ. يمرر الكرة جاهزة على شكل هدية إلى قدم زميل ساعده في فتح قلعة الدفاع، فيصوّبها الزميل الماهر في اتجاه المدى والجمهور. مارادونا يصفق من الوجع.
إن هو لم يسدد ستموت الأرجنتين من البكاء. وإن هو لم يصوّب سترفع الأرجنتين نصبا لعارها في الفوكلاند. سيتوقف الشعور القومي عن الرقص، وستربح انكلترا المغرورة الحرب مرتين.
ولكن مارادونا يتقدم بالكرة من حيث تراجعت السلطة. مارادونا يعيد الجزيرة إلى الأرجنتين. وينبّه الإمبراطورية البريطانية إلى أنها تحيا في أفراح الماضي.. الماضي البعيد.

4- ما هذا السحر الجماعي؟
ما هي كرة القدم هذه؟ ما هذا السحر الجماعي الذي لم يحل لغزه الشائع أحد؟
مارادونا لا يسأل غريزته. سقراط البرازيلي هو المفكّر المشغول بتأملات ميتافيزيقية حول الضربة الركنية. وزيكو يلاحق كابوس ضربة الجزاء، التي طارت من الملعب فطارت البرازيل من الحلم. وبلاتيني يُحسّن شروط التقاعد. وبيليه الخبيث يُجاهد لإخفاء الشماتة التي تصيب الملوك المخلوعين. ولكن مارادونا يعرف شيئا واحداً هو أن كرة القدم حياته وأهله وحلمه ووطنه و.. كونه.
منذ طفولته الفقيرة في كوخ من تنك، تعلّم المشي على الكرة. كان يلف كرة الخيطان حول علب الصفيح ويلعب. ولعل الكرة هي التي علمته المشي.
مشى من أجلها. مشى ليتبعها. مشى ليلعب بها. ومشى ليسيطر عليها.
لقد تمحورت طفولته حول كرة الخيطان إلى أن ضحى أبوه براتبه الشهري ليشتري له كرة قدم حقيقية. وانطلق.. ليكون أصغر لاعب في منتخب الأرجنتين. وهكذا، ارتفع مارادونا ـ الولد المعجزة ـ من أشد البيوت فقرا إلى أوسع الآفاق، إمبراطوراً على كرة القدم.
لم يكترث في صباه بشاشة السينما والتلفزيون. ولكنه احتل الشاشة ـ ليشاهده أكثر من ملياري إنسان، كما ترنو العيون إلى نجم في السماء ـ بقدميه. لقد رفعته الكرة، وارتفع بها، إلى أعلى أعالي الكلام.

5- عذاب حارس المرمى وضربة الجزاء
مارادونا هو النجم الذي لا تزاحمه النجوم. دانت له بقدر ما دان، هو، لكرة القدم، التي صارت كرة قدمه. النجوم تبتعد عن منطقة جاذبيته لتفتتن بما تراه، لتراه من الجهات كلها، لتبهر في معجزة التكوين، لتصلي للخالق والمخلوق، لتحتفي بحرمانها المتحقق في غيرها، لتنشد نشيد المدائح لمن جعلها تُهزم بهذا الامتنان: فما أسعد من هزمته قدم مارادونا!
هذه القدم، قدم مارادونا، مع كعب ميثولوجي آخر هو كعب أخيل.. هما أشهر قدمين في تاريخ الأسطورة.
فلماذا نخبئ التساؤل المكبوت، الذي يوقده فينا هذا الجنون الجميل، الجنون الذي تنشره كرة القدم، كالعدوى، في ملايين البشر: لماذا لا تكون كرة القدم موضوعا للفن والأدب؟ أكرر: لماذا لا تكون كرة القدم موضوعا للفن والأدب؟
ولماذا لا يتعامل الأدب مع هذا البارود العاطفي، الذي يشعل الملايين في علاقتها بالمشهد الذي يحولها هي إلى مشهد درامي؟ ثم: أهناك عذاب أشد، ووحشة أقسى من عذاب حارس المرمى، ووحشته الكونية، أمام ضربة جزاء؟
و: أهناك ضغط نفسي أثقل من ضغط الوقوف الدقيق على وتر النجاح أو الفشل، والتحكّم بمصير الأمة المعنوي، حين يقف الهدّاف الماهر لتسديد ضربة الجزاء؟
أليست هذه اللحظات اشد قسوة ورهافة وتفجيرا للعاطفة الفردية والجماعية من اللحظات، التي يواجهها "مقامر" دستويفسكي، مثلا؟

16493191

6- حرب التأويلات
ما هي كرة القدم هذه؟
هي شيء من صراع التأويلات، ومسرح واقعي لتعديل موازين القوى، أو المحافظة عليها، لخلق مستوى آخر للواقع، أو تثبيته. هي شيء من لعبة إعادة تركيب العالم على أسس مختلفة، وعلى جدارة مختلفة.
حرب عالمية يمارس فيها خيال الشعوب دوره الغائب أو الحاضر. لا أحد يتفرج على سباق الأجساد، والمهارة، والذكاء، المعبّرة عن طبائع الأمم في الهجوم والدفاع، في العنف والرقص، في الفردية والجماعية. الجميع ينخرطون.
ولعل المشاهدين هم أشد اللاعبين اندفاعا لأنهم يدفعون بتاريخهم النفسي وتأويلاتهم ورغباتهم في التعويض إلى الملعب، لرفع اللعبة إلى مستوى التعبير التمثيلي المتخيّل عن روح الأمة وحاجتها إلى التفوّق على الآخر. هي الوطنية المتفجرة. شرارة الإفصاح عن الباطن في علاقته بالآخر. وهي حرية الإفصاح المتاحة عن الذات المحرومة من الإفصاح في سياق السياسة أو الجنس أو اللون.
هي انفجار حرية تعبير عن حرية غائبة، أو عن سيادة تسعى لأن تواصل سيادتها. هي شيء من الصراع الاجتماعي أحيانا، وعن وحدة القوى الاجتماعية الداخلية في صراعها القومي مع الخارج أحيانا أخرى.
هي المُتاح للتعبير والتنفيس والتظاهر ضد قمع يتحوّل الحَكم، أو المدرب فيه، إلى رمز لحاكم ظالم، أو لقضاء غير عادل حين تتخذ محاكمة الهزيمة شكل محاكمة السلطة، أو حين يتخذ الانتصار شكل التدليل على أن روح الشعب ووحدته هما اللتان انتصرتا، وأنهما لا يتحملان المسؤولية عن هزيمة عسكرية ليست حتمية.
وأحيانا تتخذ اللعبة معنى الانتقام الجماعي أو التعويض الجماعي عن عدم التكافؤ في موازين القوى بين دول كبرى ودول صغرى. وباختصار، فإنها تمثل ما تبقى من إجماع حول فكرة، أو حماسة، أو قوّة، أو هدف.
إنها حرب التأويلات  ومن مظاهرها الوحدة الأوروبية المفاجئة حول ألمانيا في المباراة النهائية التي اتخذت شكل الصراع الأوروبي ـ الأميركي اللاتيني، بينما لم يعبر "العالم الثالث" عن وحدته.
وقد يحمل هذه الدلالة انحياز الحكم البرازيلي السمسار المستلب، الذي بذل جهودا طائلة للحصول على "البراءة" الأوروبية من تهمة محتملة لأن مقياس النـزاهة هو مقياس أوروبي! فغضّ الطرف عن المخالفات الألمانية الفظة، وعاقب مارادونا بقسوة زائدة، فذكرنا بأن العالم الثالث لا يتوّحد حول ذاته، بل يوّحد استلابه أمام السيد. إنه يرنو إلى نموذجه الآخر، يتملق "غربه" ولا يحب لطرف من أطرافه أن يساويه بغير الهزيمة.

7- الملك الأحمق لا يوقف موج البحر
لكن مارادونا، كما استقر فينا، خفف من انسياق هذه التأويلات إلى ما هو أبعد. لقد رفع كرة القدم إلى مستوى التجريد الموسيقي الشفاف، رفعها إلى الطهارة المطلقة.
لم يحرّك فينا العاطفة القومية، فهو ليس منّا. ولم يحرك فينا وحدة التضامن مع العالم الثالث ممثلا في الأرجنتين، التي لا تريد هذا الانتماء، وتستمرئ تبعيتها المثقلة بالديون والعنصرية الرسمية، ولكنه حرّك فينا حاسة الدفاع عن النفس أمام هجوم الإشارات العنصرية الغربية، ومنها تعليقات التلفزيون الفرنسي.
لعب مارادونا من أجل اللعب. وحوّل كرة القدم إلى أغنية راقصة. مزيج من السامبا البرازيلية والتانغو الأرجنتيني.
لا يمكن إيقافه ـ كما لا يمكن للملك الأحمق أن يوقف موج البحر. هكذا يقول الخبراء الرياضيون الذين وجدوا في المرجعية الشعرية اللغة الوحيدة القادرة على وصف هذا الشيطان الملائكي، صانع الفرص، نشّال ماهر، موجود في كل مكان، حوّل الملاعب المكسيكية إلى مرتعه الخاص.
المونديال هو مارادونا. قوي كالثور. سريع كالقذيفة.
يدخل الملعب كأنه داخل إلى كنيسة. يغربل الدفاع ويهدّف. نجم هذا العصر. لن يجد الأطباء دما في عروقه ـ سيجدون وقود الصواريخ. يمر كالهواء عبر المساحات الضيقة. ملك الكرّة المتوّج الذي قال:
"سجلت الهدف الأوّل في مرمي الإنكليز بيد الله ورأس مارادونا".

8- مارادونا، يا بطلي…
مارادونا، يا بطلي إلى أين نذهب هذا المساء؟
مارادونا، ساعد أبويك، ساعدنا على تحمل هذه الحياة، وساعد هذا العصر على الخروج من السأم والدخول في الحنين إلى البطولة الفردية.
مارادونا، متى تحمل اسمك عن شفاهنا لنعود إلى قراءة هيغل ونيتشه؟
مارادونا، مارادونا، مارادونا!!

من كتاب أعده حسن خضر سيصدر قريباً ويضم مختارات نثرية لمحمود درويش.

النظام المكب: لبنان العنصرية

22/06/2010

خضر سلامة

إذاً، فعلها الأمن العام اللبناني وفضح النظام الرسمي، خلع لبنان بطوائفه الثمانية عشر، وأحزابه المتصالحة جميعها، دون استثناء، مهما نافق بعض عتاتها، مع وجود هذا النظام والراضية عنه، خلع هذا البلد قناعاً يسمى مجازاً "وجهاً حضارياً"، وأظهر بممانعيه ومعتدليه، أنهم ربوا لستين عاماً خلت، توأماً مستنسخاً عن النظام الصهيوني، أبارتهايد بأشكال عديدة، من العرق إلى الدين إلى الثقافة إلى السياسة، كلها لوحات فصل عنصري، يمارسها أبناء ميشال شيحا وخصومه على حد سواء، وبعد أن يفرغوا من التنكيل بكل شيء يختلف عنهم، يحاضرون في الوطنية والريادية والسمو الحضاري والتقدمية وغيرها من المصطلحات الفارغة.

أهلاً بهتلر في دياره! – هتلر أيضاً يحب التبولة – ماذا فعل الأمن العام اللبناني، حسناً، قام هذا الجهاز سيء الذكر، بضربتي "معلم" عنصري جيد، إذ اقتحم عناصره حفلاً لرفاق مواطنين سودانيين، يقيمون حفلاً تراثياً لجمع تبرعات لعلاج حالة سرطان، وقام أشاوس النظام اللبناني، بممارسة أسوأ أنواع التنكيل الجسدي واللفظي على حد سواء، بالحاضرين، حتى حملة الاقامات الشرعية منهم، التهمة التي لا بد تدربوا طويلاً عليها: "أسوَد، فحمة، عبيد…" إلى جانب خليط يمثل أخلاقيات الأجهزة اللبنانية من قبيل "حيوانات، بهايم…"، من بعدها اقتيد المحتفلون بطريقة مهينة إلى شاحنات الاعتقال النازية، ومن ثم إلى التحقيق، فالافراج عن معظم الحالات واحالة المخالفين بانتظار الابعاد.

الضربة الثانية التي أنجزها قدموس القرن الواحد والعشرين، كانت بمداهمة.. بيت دعارة؟ سوبر نايت كلوب يرتع فيه النفطيون؟ حقيبة نائب يهرب فيها صفقة كوكايين؟ كلا كلا… قدموس طريق دمشق الدولية لا وقت لديه لهذه التفاصيل، قام جهاز الأمن العام اللبناني في عملية نوعية، بمداهمة مسرح المدينة في بيروت! والتهمة هذه المرة مسرحية بلجيكية لم تحظ على تصريح من ابن تيمية الساحل الفينيقي، بعد مماطلة الجهاز نفسه في الرد على طلب التصريح بتغيير اسم المسرحية لاسباب تسويقية بحتة، المهم بدأ العرض، وفي العرض الثاني، دخل فرسان الحرية، نواب نواب الأمة ووزرائها، بأسلحتهم وببزات عسكرية! وهم اللذين لم يداهموا إلى اليوم مركز ميليشيا وطنية واحدة، داهموا مسرح المدينة، هذه هي الطريقة المثلى لدعاة الحضارة اللبنانية، ليتفاهموا مع الثقافة، هكذا يقوم النظام اللبناني بتشريح الكلمة، والمسرحية، والفيلم، على كلٍ، بما يخص الثقافة، ليست البطولة الأولى للأمن العام، وهو الخبير في ذبح الكتب واخصاء الأفلام والتنكيل بكل ما ينظف عقل المواطن من همومه وقرف أسياد هذا الجهاز من زعماء.

Untitled

إلى متى يعسكر كل شيء في البلد؟ إلى متى يحق للقوى الأمنية أن تظل فوق الأخلاق (عملياً تحتها) ثم إلى متى، يكون القانون التافه حامياً حارساً لتجاوزات تهين كل شيء انساني، المخيف، أن ما يقوم به هؤلاء ليس مخالفاً للقوانين التي يطبقونها، القانون اللبناني والقضاء اللبناني والقرار السياسي اللبناني، يحمي العنصرية بل ويربيها مثلاً، ويمارس التمييز ضد العامل-ة الأجنبي-ة ويقمعها، وقانون المطبوعات لا يلحظ الرقابة على السخرية او العبارة الاعلامية العنصرية المسوقة لتفوق شوفيني لبناني، إذاً، فإن القرار السياسي اللبناني منذ ستين عاماً إلى اليوم، يربي العنصري في نفس هذا الشعب، شعبنا ليس عنصرياً، بل هو ضحية مؤامرة يقودها النظام الحاكم بأجهزته الأمنية الخبيثة التي تدير كل شيء وبقضائه الركيك الذي ينظم قوانين تحمي القوى الأمنية التي تحمي النظام الذي يحمي العنصرية من أي محاسبة أو نقد ذاتي، حملات موجهة على الشعب، من أجل ترسيخه كشعب معاد لكل شيء مختلف، لكل لون وعرق ودين وحزب وفريق كرة، مختلف، ولكل ثقافة تأتي من خارج مؤخرة الأمن العام والداخلي والعسكري، كل ثقافة تقول بأن اللبناني جزء من عالم متكامل، كل ثقافة تقول أن ثمة ما يقرأ خارج كتب التربية الوطنية الكاذبة، وأن ثمة مسرحية تستحق أن تشاهد، بعري خجول وكلام جارح، يضحكنا، يبكينا، يوعينا، ويحرج هؤلاء المتخمين بكروشهم، وبعفنهم الفكري والسياسي.

إلى الأخوة في السودان، إلى الرفاق رفاق عبد الخالق المحجوب، نحبكم، ولو كره الكارهون، إلى الثقافة العالمية بكتبها ومسرحها وسينمائها، أعذرينا، ثمة بن لادن يخنقنا.

سيسقط هذا النظام، بأجهزته العقيمة الحجرية، يسقط.

(لن نسكت فليسقط النظام اللبناني)

هكذا تكلم موليير

17/06/2010

خضر سلامة

عالسريع:

– وين الملايين.. وين
– يصلون صلاة الليل يا جوليا

خطبة البدوي:

إذاً، بعد قرون من القتال، ضد الأنظمة القمعية، ضد الميليشيات الدينية، ضد الاحتلال الصليبي، ضد الاحتلال المملوكي، ضد الاحتلال العثماني، ضد الاحتلال الفرنسي والبريطاني والإيطالي والاسرائيلي، وجد العربي نفسه مهزوماً في المعركة الأهم، وجد نفسه مهزوماً أمام نفسه:

بمعنى، تصوروا أنه بعد ستين عاماً من النضال، تقلص همنا من حلم العودة إلى حدود 48، إلى حلم العودة إلى حدود 67، إلى حلم العودة إلى حدود كمب دافيد، ليصل المواطن مؤخراً إلى نتيجة منطقية: لا أريد ضمانات من اسرائيل أن أعود إلى حدود 67، أريد ضمانات من النظام العربي أن أعود سالماً آخر النهار إلى منزلي!

كيف يتفائل المواطن؟ وكيف يرى نصف الكوب الممتلئ، وهو في جلسة واحدة مع جهاز مخابرات عربية، لا يرى بعدها لا النصف الممتلئ ولا الفارغ ولا الكوب نفسه! ثم كيف يتفرغ للاستماع لأغنية عاطفية واحدة، وثمة خمس بيانات عسكرية من مسجد الحي، و128 خطاب يومي من مجلس النواب عن دولة القانون والمؤسسات والميليشيات، و12 نشرة أخبار، وبضع آلاف من التصاريخ الفارغة في كل إذاعة، كل ذلك بدون مقبلات، من مؤخرة الزعيم إلى أذن المواطن مباشرةً، ثم إلى النفايات.

انتصاراتنا المُبهدلة:ARESs

من المحيط إلى الخليج، أناشد النخب المثقفة أن تتوقف عن الدعوة إلى رمي الأنظمة العربية في مزبلة التاريخ، لأن التاريخ امتلأ عن آخره بنفايات العرب، من الآن وصاعداً يمكننا مثلاً أن نرمي الأنظمة في مزبلة الجغرافيا، طالما أن حدودنا تتآكل، أو في مزبلة الفيزياء، طالما أن أساليب التعذيب العربية أصبحت مستهلكة حتى أن المواطن قد "تمسح"، أو في أسوأ الحالات، يمكننا أن نرمي المثقفين أنفسهم، في مزبلة البيولوجيا، نظراً لتطورهم العكسي من انسانٍ إلى قردٍ، يطبل ويرقص في قصور الأمراء والوزراء والسفراء.

ماذا نفعل يا رب لهذه الأمة، أخبرنا كيف ستوقظها أنت من قبورها يوم القيامة، كي نوقظها اليوم من سباتها، ثم أخبرني، كيف أمنع الشعوب من العودة إلى النوم بعد كل مجزرة، هل أقدم لهم النسكافيه مثلاً؟ أو القهوة المرة؟

أحتاج نفساً، أملاً، أخرج إلى شوارع بيروت، كان عندنافي المدينة فسحة أمل، عمروا فيها مؤخراً بناية جديدة، الباطون يأكلنا ويخنق الضوء، الاسفلت يسرق منا ورود الحي، الضجيج يبلع صوت فيروز، الدخان يسبق رائحة الخبز صباحاً.. فلماذا سنحب بيروت غداً؟

يحدث في لبنان:

رئيس الحكومة في زيارة إلى سوريا بعد أن حاربها طويلاً، رئيس الجمهورية العتيد العنيد الوطني جداً أيضاً عدل مؤخراً مواقفه المعدلة أصلاً سابقاً عن تعديل في مواقف معدلة عشر مرات تعود بالأصل إلى خطيئة التعديل الدستوري الذي أتى به رئيساً، ذهب إلى سوريا، كمشة وزراء آخرون، قيادات حزبية تتسابق، البيك نفسه، ذهب لا غازياً عريضياً، بل غازلاً ثوباً شامياً، ماذا يحدث؟ لا شيء مهم، يمكنكم دائماً حين تسألون بغضب: "وينيي الدولة؟"، أن تستعيروا من التسعينات جواباً: "في سوريا يا بابا"، أما “وينيو الشعب؟” ف”في كندا يا ماما”.

يوم الحساب:

ماذا بقي كي نقول؟ نعم، ملاحظة وحيدة: الديكتاتور ينتهي يوماً ما، سواء كان ملكاً أو رئيساً أو زعيماً أو شيخاً، يحتل العفن جثته كأي ميتٍ عادي، سيتسلل عندها ضحاياه من تحت التراب، زملائه الأموات، المكبوتون منذ عقودٍ، منذ أن رضع الحكم من جيب أبيه، أو من صدر سفير فلاني، سيتسلل الأموات المقتولون بكذبه وأجهزته، كي يقتلوه مرة أخرى، هذه المرة، بحكم اعدام، لا وفاة، بعد ذلك، نعود إلى قبورنا، لنكمل موتنا بهدوء وفي آذاننا صوت أحياء يهتفون لديكتاتور جديد: "يعيش يعيش يعيش.."

إلى من أقرأه ولا أعرفه: زياد ماجد

12/06/2010

خضر سلامة

يعتذر جوعان من السيد زياد ماجد عن ورود بعض المعلومات المغلوطة في الكتابة المتسرعة للنص بشكله الأول، وقد تم إعادة تصحيح المقال، مع الاعتذار.

لا أدري كم يحمل زياد ماجد، من الماركسية التي أمجّد، ولا أدري كم تبقى من اليسار الديمقراطي يساراً، وديمقراطية، لكني أعرف جيداً، أن ماجد قلمٌ عربي مهم، أتفق معه حيناً، أختلف أحياناً، لكني أقرأه، وهو الصديق الرفيق لمن نحب، والمقتول بتهمة الحب، سمير قصير، بكل الحالات، أتابع كتابات زياد ماجد، وأخاف عليه من وثنية بغيضة، هي وثنية الثقافة الصنمية غير متحركة، إلا انحداراً.

كتب ماجد مؤخراً، مهاجماً الرفاق الذين يتحركون ضمن إطار ما يسموه وأسميه معهم، محاربة التطبيع مع الكيان الصهيوني، الموجود غصباً على الساحة السياسية، والممحي بحق وبصواب، من الأدب العربي، ومن أفكار الكثيرين من تقدميي العالم وأحراره، بل كلهم، الذين يرون في ثقافته وأدبه، مرآة لإثنوقراطيته البغيضة العنصرية، ولمشروعه الذي يمثل آخر قاطرة في قطار الاستعمار السياسي العسكري المباشر البائد للرجل الأبيض في أرض الكرة الأرضية، زياد ماجد إذاً، يكتب من موقع الخائف، أو الحارس، كما يطرح نفسه، للثقافة الوطنية وحق القارئ والمستمع بالاطلاع، متماهياً بصورة مخيفة مع يمين لبناني منقرض، يطرح كذبة ويصدقها، هي وجه لبنان الحضاري، متغافلاً عن قفاه البربري المهزوم المحتقر.

ares

(عدّل هذا المقطع لضعف الدقة في النقد الذي سبق أن كتب للرفيق زياد ماجد في بعض أسطر هذه التدوينة) المهم، كتب ماجد، معارضاً المعارضة التي وجهت ضد ادراج اسرائيل في جائزة سمير قصير والدعوى القضائية التي رفعت بوجه المؤسسة المعنية – ولو معنوياً – في لبنان عنها، اسرائيل التي لا نعترف بها في خريطة فلسطيننا الواحدة من بحرها لنهرها، من بحرنا لنهرنا، وهو الذي كتب أيضاً متذمراً من الحملة على جاد المالح، الحملة المزورة العام الماضي بالكثير من حججها، ولكن التي أوافق عليها من منطلق واحد، هو منطلق الكرامة الوطنية التي نطالب بها.

لم يخدم المالح في الجيش الاسرائيلي، وأكاد أجزم أنه لا يحمل الجنسية الاسرائيلية، لكن الأكيد أنه صرح بما صرح به من غزل تجاري سمساري باسرائيل وشتاتها الملقب بالشعب، وللإضافة، مؤخراً، لم تقم فرقة بلاسيبو مثلاً بارتكاب المجزرة ولا دعمها بشكل مباشر، بل أقاموا حفلة في لحظة تاريخية سياسية ضيقة على الفن، هي الوقاحة الهمجية للصهيونية ومحاولاتها للملمة صورتها أمام العالم، شن نفس الرفاق حملة على بلاسيبو أثناء زيارتها للبنان في اليوم التالي، كل ذلك في ظل ما نراه استمراراً للصراع الاسرائيلي العربي، بل الاسرائيلي العالمي، صراع لم يك العرب وحدهم طرفاً فيه، بل شارك فيه العالم كله، من آسيا إلى أفريقيا إلى أوروبا إلى أمريكا، مقاتلون أتوا ليقاتلوا، أدباء كتبوا فاضحين زيف المحاولات المستميتة لتصوير الصهيوني بصورة انسانية، فنانون قاطعوا وضحوا من أجل الترفع عن تدنيس الفن العالمي باشراك الصهيونية فيه، فأين موقعنا نحن، وأنت يا رفيقي، من هذا الصراع؟ وأين الرمزية القاتلة التي نراها مهينة لقصير، قبل أن تهين عقل المثقف الطليعي النخبوي في موقعه في القتال ضد العدو، في وجود اسم اسرائيل على جائزة، ينبغي للأوروبي أن يحترم فيها رمزيتها وشخصيتنا الوطنية وثوابتنا، كي تلائمنا، لا أن يمننا بها، وشهداؤنا أرفع من ذلك.

لن أتهمك  بالجهل والنفاق، وأنت التي رميت بهذه التهم في سلة كتابتك، لكني سأعرض كأي مواطن يشارك في الحد الأدنى، في التصدي للاقتحام الصهيوني الامبريالي لعالم الإعلام والكتابة، بعدما سقطت الحدود السياسية الأمنية، يا رفيقي، إن أسس الكرامة الوطنية تقوم على فرض هذه الكرامة على العالم كله، بشروطنا، لا بشروط مجتمعه الدولي المشوه المزور الكاذب، من شروط هذه الكرامة أن يحترم العالم كله قتلانا، وأن يحترم خطوطنا الحمراء، أن لا يأتي المغني ليطربنا، بعد أن أطرب عدونا، أن لا يتحدث عن جمال بلادنا بعبارات استهلكها في جمال مجتمع عدو، من شروط هذه الكرامة أن يقف القادم دقيقة حداد حين نأمره بذلك، لا أن يحسبها في ساعات تجارته، ومن شروط هذه الكرامة، أن يحترم العالم رأينا، ويعتذر حين يجرحنا أو يحرجنا، كما تفرض اسرائيل ذلك على كل مثقفي العالم الذين يودون زيارتها، أما مثقفونا، للأسف، فينحدرون في ذلك، متذرعين بالانفتاح والليبرالية البشعة، ليفتحوا الحدود الكلامية أمام من أهاننا ولو عن غير قصد، آيباك تحاصر في الولايات المتحدة كل وسائل الاعلام، أما ممثلونا، فتحاصرهم وسائل الاعلام نفسها لأنهم أوهن من أن يغلقوا الثوابت الوطنية على أي مساومة، بحجة واهية هي حجة التحرر والليونة والتفهم وتقبل الآخر.

كلا يا رفيق زياد، بناء الدولة التي أرادها قصير، وتريدها أنت، ونريدها نحن، تمر من بناء الشخصية الثقافية التي تعوض غياب السياسي، بناء الدولة تمر من أن يقف أبناء قصير نفسهم ليرفضوا ارتباط اسمه ولو شكلياً باسم اسرائيل وبشطب فلسطين، بناء الدولة مفهوم يمر من بوابة الخشبية نعم، خشبية تنهال على رأس من يستهين بعقولنا، ويخاف من غضب الاسرائيلي، موقناً أن غضبنا يتحول ولهاً بصورة الرجل الأبيض، "يستسوح اللبناني" أمام أي صورة كاذبة للانفتاح حتى على العدو، أما العدو، فيشتد ضراوة أمام أي مستهين بما يراه حق له ونراه انتهاكاً لحقنا، فيكسب العدو احترام الأجنبي أو خوفه ومراعاته لمشاعره، أمام نحن فنستمر في سقوطنا الدائم إلى الفراغ.

أخيراً يا رفيقي، عن الترجمات والتعاونات الأدبية سواء المباشرة أو الغير مباشرة، تعال ندخل في الأدب الصهيوني من باب الناقد الناقض، لا باب القارئ المنفتح على الاحتمالات، أما عن المثقفين والجوائز الثقافية، فتعال نغلق جيداً حدودنا الثقافية على مثقفي العالم بجوازات سفر تشترط اقتناعهم بحقنا وصورة عدونا الدموية، بعد كل هذا، نقف على ضريح سمير قصير، نضع وردة حمراء، ونقول له، شعبنا أكبر من العسكر يا قصير، شعبنا أكبر من الرجل الأبيض، شعبنا هو شعبنا، شهداؤنا وحقنا وكرامتنا، شعبنا لا يموت، لا يزور نفسه، لا يتغير ولا يتلون، بل يلون الكوكب بألوان علمه.

الرسم بالفقراء

10/06/2010

خضر سلامة

يطالعني ضلعٌ أفريقي أسمر نسيته قوافل الجوع الهاربة الى الموت، أكتب فوقه اسم مئة مليون طفلٍ اذا ما جاعوا مضغوا أدعيةً وترانيم.. واذا ما عطشوا، شربوا من خمرة الصبر.. والله يحب الصابرين.. والجائعين.. والمنقادين الى نار الموت ايضاً. (خضر)

في آخر ليلة
صوت بكاء
والصوت لطفلٍ والطفل لأم
والأم لها الله
في هذا الليل وعطف العابرين.

“الفقر، أن لا تملك كفاً تمسح خدك
إن فرّت دمعة حزنٍ من ثقبٍ في العين
الفقر، أن يطرق قلبك عزفُ بيانو
لا تفهمه الأذنين
الفقر، أن يبحث ثغر الطفل عن الثدي
ويجفف صمتُ العالم ما في الثديين.”

وسأرسم في وجه الرين
صورة قارب
حمل الطفل الأسود عبر المتوسط
صوب الشط الأبيض
هرّبه جوعاً من أرضٍ جاعت
أكلت دمع الفقراء
وتقيأت الجوع على وجه العالم
آلاف الأموات.

وسأرسم في الشارع
لمس يدين لطفل
والطفل له أمٌ
وصوت بكاء.african_painting_CAL_006

"من سرق اللون الأسود من أفريقيا
من ألبس فرح الغرب المتخم بالأضواء
هموم المنسيين أمام لجان الغوث
وحروب الصحراء.
من ألبس فرح الغرب هموم المطعونين
بحبة رملٍ تزرع موتاً في الأحشاء!"

ثم من
من يعرف كيف النوم يذوب
في بسمة طفلٍ يشحذ رائحة الخبز
في حلمه:
والرائحة بلا ذكرى.
من يعرف كيف يكون النوم على قدحٍ من ماء
من يعرف كيف
يجعلك الحزن بعينيه وعينيها
تعرف كل الأشياء.
والعالم لا يعرفها.

فالعالم سقفان
بناه فلانٌ من لونين
أعطى مفتاح الضوء لأهل الشمس
وترك الليل لأهل العتمة
العالم سقفان

العالم
سقفٌ من ذهبٍ وعيون زرقاء
والخارطة صحونٌ تأكل فيها.

العالم
سقفٌ من تعبٍ وصدورٍ مكسورة
وعيون مطفأةٍ
تبحث عن جمجمةٍ لم تطفأها بعد الأنواء:

كي تُدفن فيها!

عن الحاسة السابعة: الأمل

07/06/2010

خضر سلامة

قالوا: لم يبق من الوطن إلا النشيد، وخرقة العلم
قلنا: لا زال ثمة فسحة للغناء إذاً.

قالوا: كثيرون هم الخائنون وقلة أنتم
قلنا: كثير هو الحق، كثير هو البقاء، كثير هو الغضب، وقليلٌ جداً هذا التعب.

قالوا: أبجدية تبدأ بالنفط وتنتهي بالدولار، تشتريكم
قلنا: الأبجدية هي الصوت لا الرسمة، تبدأ باللام وتنتهي بالألف: لا.

قالوا: الديكتاتور يكبر يكبر يكبر، ثم يبلع كل الأرض
قلنا: سيختنق بقبور ضحاياه إذاً.

قالوا: لكم البلاد بعرضها وبطولها، فاتركوا القليل للأعداء
قلنا: من يكمل عندها، إذا بعنا، جسد امرأةٍ جميلة اسمها البلاد؟ETHIOP~1

قالوا: وماذا إذا هرمتم وبقي النظام؟
قلنا: بعكاز عجوز نضربه، بوجبة الأسنان نقضمه، بالتجاعيد نحاصره، ونقاتل.

قالوا: السفير الأمريكي في بلادكم أشهر من شهدائكم
قلنا: شهداؤنا ورثوا عن العرب الثأر بصمت، أما السفير فلم يتعلم من العرب غير الإذاعة.

قالوا: ماذا يفعل المنزل أمام القذيفة؟
قلنا: تنفجر القذيفة فتنقرض ولا تعود، أما المنزل، فيبعث حياً بعد قليل بالعمل.

قالوا: أيهما يقتله القناص أولاً، حامل الحجر أم حامل القلم؟
قلنا: بل يُقتَل القناص نفسه، بغريزة الخوف من كلمةٍ بقلمٍ يروي سيرة الحجر، فيخلده.

قالوا: تعدمون
قلنا: من على المشنقة، من حول الرصاصة، من على كرسي الإعدام، من داخل رغيف الجوع، سنرى جثثاً كثيرةً لم تمت بعد، ونحن الأحياء.

قالوا: أي الآلهة تعيدكم من القبر إذا أردتم؟
قلنا: يعيدنا حب الحياة، على شكل وردة، شوكها يجرح البذلة العسكرية، ورائحتها تمتص غبار الدبابات.

قالوا: المخبرون يلاحقون أسماء الأحياء
قلنا: ككل الغزاة هؤلاء المخبرون، حمقى، ينسون غضب الموتى، أو يقظتهم يوماً.

قالوا: ماذا بقي لكم من الماضي؟
قلنا: الأمل بالمستقبل

بطاقة حزبية

06/06/2010

بطاقة حزبية

خضر سلامة
أود لو أقتل هويتي، وأبعث حياً في مرحلة أقل بذاءة مما نحن فيه، أود لو أغتال تاريخ ميلادي، برمح الخضر الذي عقر به تنين الظلام، وأبتدع تاريخ ميلادٍ، يكون تأشيرة دخول إلى زمن جميل، إلى مظاهرة لا تهرب منها أحزاب اليسار إذا غضبت الشرطة، ولا تغيب عنها النقابات إذا انزعجت الزعامات، ولا يسقطها الطلاب من يومياتهم المملة.

أريد حزباً يغيّر بالأحمر والأصفر والأخضر والأزرق.. دون ورقة عمل طائفية أو إقليمية، حزباً يغير بالألوان، كي يخرجنا من تدرج الرمادي الحزين الذي يحاصرنا، دون أن يغرق في نقاش عقيم حول أسماء شهداءه، ودون أن يهرب من تسمية قتلتهم بالإسم، حزباً جميلاً لا يسرق قادته أموال خزينة الدولة، ولا أموال خزينة الحزب، ولا يعقر أحلام شبابه بتهمة التآمر والتعامل.vlcsnap-88966

حزبي، حزب العاطلين عن العمل، والثابتين على الأمل، مشروع تأسيس مؤجل إلى حين، يتمسك بأمجاد الماضي، لكن يرفض العيش عليها داخل دوامة فشل الحاضر وغموض المستقبل، حزبي خبرٌ يتصدر نشرات أخبار الإرهاب، ولا يغرق في الحسابات السياسية، يعتنق الثورة ديناً، لا وعداً كاذباً، يعقد مؤتمره السنوي في الشارع تحت هراوات الشرطة، لا في قاعة فندق فاخر على مسافة من جيوب الفقراء.

هذه بطاقتي الحزبية، هموم الناس ورائحة عرقهم، أحلام الشهداء وواجبنا الأخلاقي تجاه أسرهم، وسخ الأطفال وغبار الشارع والكتابة على الحيطان، فكرة الرشاش وفن السلاح وغريزة تركيب القنبلة، وبعد أول درس في كل ذلك، تأتي النقاشات الطويلة، وطعم الخمرة الجميلة، والمشاوير والرحلات وأهازيج العيد.. بعد أن يصبح الحزب حزباً، والعمل عملاً.

ولكن.. من أين آتيكم يا أحبابي الموتى، ويا أطفالي الجائعين، ويا نسائي الثكالى، ويا أصدقائي المرميين على رصيف الفقر منتصف الشهر، بحزب فيه كل ذلك، في زمن التآمر والتبعية وسياسة القطيع؟ كيف أخرج من دائرة الطائفة دينية كانت أم لا دينية، وكيف أدخل عليكم ولست أملك إلا خطاباً يحتضر على سرير التعصب ضد كل ما يفضح زيف مشاريعهم، ونفاق قياداتهم، كيف أجرؤ أن أدعوكم إلى اجتماع سري عاجل، ولم يترك لنا ماكدونالد ملعباً واحداً خارج إطار الاستهلاك والمستهلكين، نمارس فيه ثورةً صغيرة، على حجم أصابع الصغار المتسولين على كورنيش البحر.

بعضكم سيغضب، بعضكم سيشتم، بعضكم سيقول فوضوياً أنارشياً لا مكان له في بيروت، ولكن، حين تعودون إلى حساباتكم المصرفية، ومقاهيكم، فكروا قليلاً في علب حليب فارغة، فكروا في عجوز دفن أبناؤه كرمى لأحزابكم، وجلس على قارعة الطوائف يشحذ معاشاً شهرياً، فكروا في فواتير سيارات القيادات، وفي المنح الجامعية لأبنائهم، فكروا برشاش كلاشنكوف أكلته سنوات الصدئ وأكلته الخيانات، فكروا في كل ذلك.

وفي زحمة البطاقات الحزبية، أم شهيدٍ ماتت.. ولم يضع حزبه على قبرها وردةً.. ولا حتى اصطناعية: ليس ثمة قبور جميلة في هذا العالم.. ولا أحزابٌ جميلة

"حينما لم يبق وجه الحزب وجه الناس.. قد تم الطلاق" يقول مظفر.

"حينما لا يُعرف وجه الحزب من قفاه.. ضاع الرفاق" أقول.

تحرير فلسطين أين كان وأين أصبح – أسعد أبو خليل

02/06/2010

p33_20081106_pic1تحت عنوان تحرير فلسطين أين كان وأين أصبح، اقام اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني محاضرة للدكتور أسعد أبو خليل في الجامعة اللبنانية ببيروت نهار الثلاثاء 1 حزيران 2010، قدم فيها الرفيق أبو خليل مقاربة تاريخية للتطور – او الانحدار السياسي العربي فيما يتعلق بالتعامل م ع القضية الفلسطينية.

وفيما يلي ملف Mp3 للمحاضرة، التي استمرت لساعة وثلاثة ارباع الساعة، يقدمها جوعان للمهتمين ولمن فاته الحضور.

لتنزيل المحاضرة اضغط هنا: محاضرة الدكتور أسعد أبو خليل – Asad Abu khalil lecture


%d مدونون معجبون بهذه: