بطاقة حزبية

بطاقة حزبية

خضر سلامة
أود لو أقتل هويتي، وأبعث حياً في مرحلة أقل بذاءة مما نحن فيه، أود لو أغتال تاريخ ميلادي، برمح الخضر الذي عقر به تنين الظلام، وأبتدع تاريخ ميلادٍ، يكون تأشيرة دخول إلى زمن جميل، إلى مظاهرة لا تهرب منها أحزاب اليسار إذا غضبت الشرطة، ولا تغيب عنها النقابات إذا انزعجت الزعامات، ولا يسقطها الطلاب من يومياتهم المملة.

أريد حزباً يغيّر بالأحمر والأصفر والأخضر والأزرق.. دون ورقة عمل طائفية أو إقليمية، حزباً يغير بالألوان، كي يخرجنا من تدرج الرمادي الحزين الذي يحاصرنا، دون أن يغرق في نقاش عقيم حول أسماء شهداءه، ودون أن يهرب من تسمية قتلتهم بالإسم، حزباً جميلاً لا يسرق قادته أموال خزينة الدولة، ولا أموال خزينة الحزب، ولا يعقر أحلام شبابه بتهمة التآمر والتعامل.vlcsnap-88966

حزبي، حزب العاطلين عن العمل، والثابتين على الأمل، مشروع تأسيس مؤجل إلى حين، يتمسك بأمجاد الماضي، لكن يرفض العيش عليها داخل دوامة فشل الحاضر وغموض المستقبل، حزبي خبرٌ يتصدر نشرات أخبار الإرهاب، ولا يغرق في الحسابات السياسية، يعتنق الثورة ديناً، لا وعداً كاذباً، يعقد مؤتمره السنوي في الشارع تحت هراوات الشرطة، لا في قاعة فندق فاخر على مسافة من جيوب الفقراء.

هذه بطاقتي الحزبية، هموم الناس ورائحة عرقهم، أحلام الشهداء وواجبنا الأخلاقي تجاه أسرهم، وسخ الأطفال وغبار الشارع والكتابة على الحيطان، فكرة الرشاش وفن السلاح وغريزة تركيب القنبلة، وبعد أول درس في كل ذلك، تأتي النقاشات الطويلة، وطعم الخمرة الجميلة، والمشاوير والرحلات وأهازيج العيد.. بعد أن يصبح الحزب حزباً، والعمل عملاً.

ولكن.. من أين آتيكم يا أحبابي الموتى، ويا أطفالي الجائعين، ويا نسائي الثكالى، ويا أصدقائي المرميين على رصيف الفقر منتصف الشهر، بحزب فيه كل ذلك، في زمن التآمر والتبعية وسياسة القطيع؟ كيف أخرج من دائرة الطائفة دينية كانت أم لا دينية، وكيف أدخل عليكم ولست أملك إلا خطاباً يحتضر على سرير التعصب ضد كل ما يفضح زيف مشاريعهم، ونفاق قياداتهم، كيف أجرؤ أن أدعوكم إلى اجتماع سري عاجل، ولم يترك لنا ماكدونالد ملعباً واحداً خارج إطار الاستهلاك والمستهلكين، نمارس فيه ثورةً صغيرة، على حجم أصابع الصغار المتسولين على كورنيش البحر.

بعضكم سيغضب، بعضكم سيشتم، بعضكم سيقول فوضوياً أنارشياً لا مكان له في بيروت، ولكن، حين تعودون إلى حساباتكم المصرفية، ومقاهيكم، فكروا قليلاً في علب حليب فارغة، فكروا في عجوز دفن أبناؤه كرمى لأحزابكم، وجلس على قارعة الطوائف يشحذ معاشاً شهرياً، فكروا في فواتير سيارات القيادات، وفي المنح الجامعية لأبنائهم، فكروا برشاش كلاشنكوف أكلته سنوات الصدئ وأكلته الخيانات، فكروا في كل ذلك.

وفي زحمة البطاقات الحزبية، أم شهيدٍ ماتت.. ولم يضع حزبه على قبرها وردةً.. ولا حتى اصطناعية: ليس ثمة قبور جميلة في هذا العالم.. ولا أحزابٌ جميلة

"حينما لم يبق وجه الحزب وجه الناس.. قد تم الطلاق" يقول مظفر.

"حينما لا يُعرف وجه الحزب من قفاه.. ضاع الرفاق" أقول.

Advertisements

الأوسمة: , , , ,

3 تعليقات to “بطاقة حزبية”

  1. h2o Says:

    استمرارنا في البحث عن حزب ننتمي اليه ، قتل فينا حقيقة الإنسانية الفطرية التي لا تغيب .. لا أعلم .. هل الحزب يستمر أيضا في البحث عنا .. أو البحث فينا ؟

    أم أن كل الأحزاب تشبه بعضها بتطرفها وفسادها ؟

    من الأفضل أن يبقى الإنسان كما هو !!
    دون حزب .. دون لون .. إنّه الأجمل في زمن (( عمى الألوان ))

    صدقت مظفّر :
    “حينما لم يبق وجه الحزب وجه الناس.. قد تم الطلاق”

  2. يسار Says:

    حلو كتير بس بتمنى ما يكون عندك ولا شوية تهاون ولا شي من الملل ولا قلة الارادة كون انت التغيير ولا ترضخ لأهوال الغير يا رفيق ولا يكون ضعف الارادة ولا كلمة جارحة تخليك تبكي عالاطلال مشكور كتير على هالكلام الحلو يا رفيق ……تحية تقدير ومحبة

  3. tabosho Says:

    كلماتك تركت أثرا في طريقي

    وأغنت موسوعتي البسيطة

    وأضافت شيئاً لمكتبتي

    اشكرك
    ساتابع باهتمام

    اخوك 🙂

    عبود

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: