هكذا تكلم موليير

خضر سلامة

عالسريع:

– وين الملايين.. وين
– يصلون صلاة الليل يا جوليا

خطبة البدوي:

إذاً، بعد قرون من القتال، ضد الأنظمة القمعية، ضد الميليشيات الدينية، ضد الاحتلال الصليبي، ضد الاحتلال المملوكي، ضد الاحتلال العثماني، ضد الاحتلال الفرنسي والبريطاني والإيطالي والاسرائيلي، وجد العربي نفسه مهزوماً في المعركة الأهم، وجد نفسه مهزوماً أمام نفسه:

بمعنى، تصوروا أنه بعد ستين عاماً من النضال، تقلص همنا من حلم العودة إلى حدود 48، إلى حلم العودة إلى حدود 67، إلى حلم العودة إلى حدود كمب دافيد، ليصل المواطن مؤخراً إلى نتيجة منطقية: لا أريد ضمانات من اسرائيل أن أعود إلى حدود 67، أريد ضمانات من النظام العربي أن أعود سالماً آخر النهار إلى منزلي!

كيف يتفائل المواطن؟ وكيف يرى نصف الكوب الممتلئ، وهو في جلسة واحدة مع جهاز مخابرات عربية، لا يرى بعدها لا النصف الممتلئ ولا الفارغ ولا الكوب نفسه! ثم كيف يتفرغ للاستماع لأغنية عاطفية واحدة، وثمة خمس بيانات عسكرية من مسجد الحي، و128 خطاب يومي من مجلس النواب عن دولة القانون والمؤسسات والميليشيات، و12 نشرة أخبار، وبضع آلاف من التصاريخ الفارغة في كل إذاعة، كل ذلك بدون مقبلات، من مؤخرة الزعيم إلى أذن المواطن مباشرةً، ثم إلى النفايات.

انتصاراتنا المُبهدلة:ARESs

من المحيط إلى الخليج، أناشد النخب المثقفة أن تتوقف عن الدعوة إلى رمي الأنظمة العربية في مزبلة التاريخ، لأن التاريخ امتلأ عن آخره بنفايات العرب، من الآن وصاعداً يمكننا مثلاً أن نرمي الأنظمة في مزبلة الجغرافيا، طالما أن حدودنا تتآكل، أو في مزبلة الفيزياء، طالما أن أساليب التعذيب العربية أصبحت مستهلكة حتى أن المواطن قد "تمسح"، أو في أسوأ الحالات، يمكننا أن نرمي المثقفين أنفسهم، في مزبلة البيولوجيا، نظراً لتطورهم العكسي من انسانٍ إلى قردٍ، يطبل ويرقص في قصور الأمراء والوزراء والسفراء.

ماذا نفعل يا رب لهذه الأمة، أخبرنا كيف ستوقظها أنت من قبورها يوم القيامة، كي نوقظها اليوم من سباتها، ثم أخبرني، كيف أمنع الشعوب من العودة إلى النوم بعد كل مجزرة، هل أقدم لهم النسكافيه مثلاً؟ أو القهوة المرة؟

أحتاج نفساً، أملاً، أخرج إلى شوارع بيروت، كان عندنافي المدينة فسحة أمل، عمروا فيها مؤخراً بناية جديدة، الباطون يأكلنا ويخنق الضوء، الاسفلت يسرق منا ورود الحي، الضجيج يبلع صوت فيروز، الدخان يسبق رائحة الخبز صباحاً.. فلماذا سنحب بيروت غداً؟

يحدث في لبنان:

رئيس الحكومة في زيارة إلى سوريا بعد أن حاربها طويلاً، رئيس الجمهورية العتيد العنيد الوطني جداً أيضاً عدل مؤخراً مواقفه المعدلة أصلاً سابقاً عن تعديل في مواقف معدلة عشر مرات تعود بالأصل إلى خطيئة التعديل الدستوري الذي أتى به رئيساً، ذهب إلى سوريا، كمشة وزراء آخرون، قيادات حزبية تتسابق، البيك نفسه، ذهب لا غازياً عريضياً، بل غازلاً ثوباً شامياً، ماذا يحدث؟ لا شيء مهم، يمكنكم دائماً حين تسألون بغضب: "وينيي الدولة؟"، أن تستعيروا من التسعينات جواباً: "في سوريا يا بابا"، أما “وينيو الشعب؟” ف”في كندا يا ماما”.

يوم الحساب:

ماذا بقي كي نقول؟ نعم، ملاحظة وحيدة: الديكتاتور ينتهي يوماً ما، سواء كان ملكاً أو رئيساً أو زعيماً أو شيخاً، يحتل العفن جثته كأي ميتٍ عادي، سيتسلل عندها ضحاياه من تحت التراب، زملائه الأموات، المكبوتون منذ عقودٍ، منذ أن رضع الحكم من جيب أبيه، أو من صدر سفير فلاني، سيتسلل الأموات المقتولون بكذبه وأجهزته، كي يقتلوه مرة أخرى، هذه المرة، بحكم اعدام، لا وفاة، بعد ذلك، نعود إلى قبورنا، لنكمل موتنا بهدوء وفي آذاننا صوت أحياء يهتفون لديكتاتور جديد: "يعيش يعيش يعيش.."

Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

7 تعليقات to “هكذا تكلم موليير”

  1. salimallawzi Says:

    عظيمة .. أكثر من رائعة “يعيش يعيش يعيش” أصبح الصراخ لا يجدي نفعاً، فالنوم هو بروفا للموت، وأصبحنا كلنا أمواتاً.

  2. عبير Says:

    حبيتها كتير كتير.
    والنهاية مدهشة!

  3. شادية Says:

    قصية انه احنا اموات مش راح نتناقش فيها

    وقضية انه احنا عايشين كمان مش راح نتناقش فيها

    وكمان قضية المواطن والوطن وقضية الحاكم والرئيس

    والارض والبلاد والحق والحرية والسارق والمنافق والكاذب والصادق

    شو ضل ولا شي حتى هاي الفسحة اللي بتحكي عنها ما ظل عليها شي مشان نحكي فيه

    متل العراة اللي مش ملاقين شي يغطو عورتهم فيه !!

    ضايعه بجد ضايعه !

  4. Zounazar Says:

    كما تكونون يولون عليكم
    وكل ديكتاتور وطني ، انتبه على كلمة وطني ، وانتك بخير

  5. جوعان Says:

    سليم، نستيقظ يوماً من موتنا، نتجول فوق قبورهم، وهم يبقون أمواتاً.
    عبير، مرورك مدهش دائماً، خلي بالك ع حالك..

    شادية، هيدي الفسحة الي باقية، هي ما قال عنها جورج اورويل، لم يبق من مكان حر، سوى سنتمترات في الجمجمة، هي مساحة الفكرة والكلمة، ضايعة ايه، بس مصيرها تجلس طالما في من يقول لاء.

    ذو نظر، أبو النظر، أهلا وسهلا يا صديقي، مشكلة الديكتاتور أنه لا يكون إلا وطني، يصنّع ويُستهلك ويعاد تدويره، في الوطن!
    وأنت بخير

  6. le prince Says:

    ra2i3aaaa betsatil 🙂

  7. 5ales Says:

    يمكننا أن نرمي المثقفين أنفسهم، في مزبلة البيولوجيا، نظراً لتطورهم العكسي من انسانٍ إلى قردٍ، يطبل ويرقص في قصور الأمراء والوزراء والسفراء.

    وأخيراً حد أثبت داروين إنه خطأ .. بس الحمدلله ضلّت عند المثقفين شوية مواهب، يطبل ويغني ويرقص ولا يقعد بالدار

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: