مذكرات إله سابق

خضر سلامة

يا طير البرق، أخفض جناحك قليلاً، أعطني لونك الأبيض وشاحاً لأخبئ صوتي الجريح بالخوف، احملني إلى شرفةٍ في جبل قاف كي أنظم عالماً جديداً على شكل قصيدة، قدم لي معراجاً آخر كما أعطيت محمد، لأواجه الأنبياء المزورين بما سجلت من هموم الرعية، لأركل الكرة الأرضية بقدمي وأكسر بها نافذة الكون، لأعيد عقارب الإنفجار العظيم إلى انعدام مادته، كانعدام الدفء في معدة كل جائع، في عين كل وحيد، في يد كل شهيد، يا طير البرق أنا إلهٌ سابق، متعب، مستقيل من تعب الإغريق بنحت وجهي في الصخر، هارب من عربٍ يأكلون كتفي إن جاعوا، من قومٍ يصرون على صلبي كل عامٍ، ليتطهروا من ذنوبهم ويذكروني بذنوبي، خذني إلى حيث تكون الشمس أكثر وضوحاً من جنديٍ مقتولٍ على رصيف الحرب، وسمّوه خبراً عاجلاً، إلى حيث يكون القمر ملعباً للأطفال الضجرين من اللعب بالقنابل، والمؤجلين في نشرات الطقس الأمني.Ares-Cuba

1. وحدهم الشهداء لا يقرأون قصائد الرثاء التي كتبها الشعراء فيهم، ولا أظنهم يكترثون، يغفون على خد التراب، ويحلمون بعالمٍ أقل ضجيجاً، يتمنون موتاً آخر مختلف، ينقلهم إلى قبرٍ لا تكتظ حوله الخطابات، عالمٌ أقل كذباً، فيه مشرحة معقمة، تقتل الجراثيم والشعارات والأغاني التي توقظهم من سباتهم الجميل، كم شغلوا البال هؤلاء الشهداء، يعودون من المعارك إلى أسرّتهم ليناموا، لا يرمون السلام على أحد، يرمون البكاء على الجميع، لا يكترثون لشيء، إلا لراحة جثثهم، لا يكترثون للون بلاطة القبر، ولا أسماء المعزين اليوم.. كم هم هادئون متنسكون صوفيون، وسط زحمة التجار والسماسرة حول دمائهم.

2. رأيت في حلمي وطناً جميلاً، حدوده ضفيرة سوداء لليلى لم تمت بعد في أرض بابل، ظلت رغم أنف الصحابة الجدد، تحمل جرتها وتبحث عن رائحة الفرات في زوايا البارود، وتمشط شعرها على وجه العرب، رأيت وطناً يمارس فيه العشاق فروض العاطفة في الحدائق العامة برعاية وزارة الثقافة، ولا تلاحقهم مديرية الأوقاف، وطنٌ جميل: رئيسه يوازن بين الغضب وبين التفاح، برلمانه على حجم الخريطة، يتسع لكل الشوارع والضواحي، جنوده نساءٌ تخيط نهراً من العسل، كي يثمل العلم ويرقص كزوربا رقصة الريح.

3. أنا إله سابق، أغفو كأي طفل، أستيقظ كأي بائع خضرة عند الفجر وأصفق للّيل على هذا العرض المدهش للنعاس، أغسل وجهي بباقة من حزن الأنابيب المحبوسة في جدران هذا المبنى، أخرج للشارع، أو يدخل الشارع إليّ، قدماي في الأرض، عيناي على مساحة هذه البلاد المرمية أمامي كعاهرة أكلها المال ورحل.. أمشي وأركض، أدخل وأخرج وأعود، أغني ثم أضحك: لا شيء جديد، لن يتوقف أي عابر فجأةً كي يعيرني وجهاً جديداً من الصدفة، والجميلات اللواتي تزينّ عند الصيف بسمرة البحر الجميلة، لن يقبّلنني فجأةً كما أشتهي، لن أربح اليانصيب هذا الأسبوع، لن أجد فانوساً سحرياً، يبصق في وجهي جنياً يطلب رضاي كما لم يطلب أحد رضاي من قبل.. تباً، هذا اليوم مكرر، وغداً مكرر، أحتاج إعصاراً، أو فنجان قهوة.. فنجان قهوة!

4. تعبت، هل يموت العراقيون والأفغان والفلسطينيون والأفارقة نفسهم كل يوم؟ أم أنهم أولادهم يلحقون بالموت في باص متأخر عن رحلة آبائهم يوماً؟ ثم، بماذا تفكر هذه المذيعة وهي تنعي ألفاً كل يوم؟ أتراها لا تفهم ما تنطق به، لا تهتم، أتراها حين تذكر أن ابنة فلان قتلت بنار عدو، تكون تقول في سرها: "تأخرت عن مسلسلي المفضل"، أو تراها حين تخبرنا أن فيضاناً بلع عائلةً في آسيا، تتذكر أنها وعدت أطفالها المرفهين بقنينة عصير؟ تعبت من هذه الأسئلة، تعبت من السؤال الدائم عن ماركة الطابعة التي تنتج دون أي حساب، آلاف الأعداد من منشور تحريضي سيخرب البلد، أو السؤال الدائم عن ما يدور في بال تاجر السلاح وهو يشاهد حرباً صنعها في أدغال قارة مريضة، تعبت منهم، تعبت من الممثلين في الأفلام وهم ينتصرون على جيوش كاملة في ساعتين، ونحن في ستين سنة لم ننتصر على نصف جيش وربع دولة وأقل كثيراً من شعب، تعبت من كرة القدم تركض من مرمى إلى مرمى، وكرة الفقر لم تخرج من مرمانا منذ قرون.. أنا إله مستقيل، سأمحو حواسي الخمس، أريد أن أعود سمكةً أو أقل، قرداً أو سحلية لا فرق، سأمحو الحواس الخمس، سأمحو بالذات نعمة العقل، كي لا أتذكر عندما يضربني المخبر، أن لي كرامةً أو حق.

يا طير البرق، أخفض جناحك قليلاً، خذني إلى معراجٍ جديد، أريد أن أثقب الأوزون مرةً أخرى، كي يغرق العالم، كي تحكم المياه هذه اليابسة الملعونة.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , ,

5 تعليقات to “مذكرات إله سابق”

  1. عبير Says:

    خضر،
    ملاحظ قديش قلمك كبران وعليان؟

    جميل، جدا .. !

  2. fadi Says:

    رائعة جداً
    صوتك كالماء الجارف سيغرق حتماً معابد آلهتهم القذرة

  3. dima madi Says:

    لا تدع الهك هذا يا خضر يغيب عن عينك خفقة قلب…لا تدعه يغفو في سبات عميق على موج الأبد…فلعلنا بانبعاثه نتصالح مع جذورنا من جديد فنغني,نفرح,نصلي ونرتاح…

  4. عبير Says:

    بحبّك كتير خضّور : )

  5. NAWZAT Says:

    تعبت من الممثلين في الأفلام وهم ينتصرون على جيوش كاملة في ساعتين، ونحن في ستين سنة لم ننتصر على نصف جيش وربع دولة وأقل كثيراً من شعب
    VERY VERY GOOD !!!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: