الباحث عن ظل

خضر سلامة

في السرير، أنت ظلها، وهي ظلك، جسدان في جسد، والجسد الآخر لونٌ لا بد منه لضرورة الشمس التي تصنع الظلال، دفؤكما، في السرير تسقط أبعاد الإغريق، لتحل أبعاد العرب: البعد الأول قبلة، تبتكر شكل الفم الذي لا خلاص من اختناقه بشفة الآخر، البعد الثاني لمسة، توقظ أرض العنق وتحيلها ساحة لخيول تغني لأمجاد عابرة، البعد الثالث وجع خفيف، يحث الصوت على كسر قيد الليل، ويبقى البعد الرابع ثابتاً، معلقاً بعقارب الساعة، كل العمر، نصّ العمر، شوية عمر: معكِ.

في الموسيقى، الأذن ظلك، تتكئ عليها كي توهم نفسك أنك شفيت من داء الشبه، كي توهم نفسك أنك وحدك تسمع بيتهوفن هذه الليلة، أنك وحدك تفهم خربشات العود على جدار ضجيج المدينة، في الموسيقى، ظلان اثنان لك، وثالثهما قلبٌ يسمع شيئاً، ولا أحد يسمعه حين يئن، يطرق ألف باب، تغلق الشريعة باب البيولوجيا، وفطرة الخوف باب الكيمياء، وحشرية الجيران باب الفيزياء، والمخابرات باب الجغرافيا، والكذب الكثير باب التاريخ، تبقى نافذة الموسيقى… تسأل كيف تسد الكرة الأرضية أذنيها عن ألمك، وفيه آلام كثيرين، مجرمٌ هذا العالم، مجرمٌ، موسيقاه جميلة.

shadow-43

في القراءة، الكاتب ظل القارئ، على حجم عينيه يكون المجاز، ترانا نبحث حين نقرأ عن المعنى الذي يريده الشاعر، أم المعنى الذي نريده؟ تضيق المساحة كالظل حين يضيق، إذا أزعجتنا الكلمة، وتصبح المساحة شجرة رمان، فيها شهوة الحصاد وحرارة الصيف، حين تأسرنا وتبسطنا على وسع الخارطة، الكتاب صفصافة عتيقة نمت فجأة في تراب العينين، وظللت الوعي لتقيه من مكوى الملل، لا تتركوا الكتاب عطشاناً، واسقوه بالقليل من القراءة، امسحوا عن وجنتيه عار الهزائم، وغبار العولمة، قبلوا جبين فلانٍ غمس الريشة في رزنامة العمر، ليخبركم قصة، أو يغني قصيدة، أو يترك وصيةً، لأحياء لا يغمض "ستار أكاديمي" عيونهم.

في الرقص، خصرها ظلنا، شعرها حين ينسكب كقهوة عربية حلوة، ظلنا، قدمها حين تمسك الأرض من عنقها، ظلنا، يداها حين تعانقان يداه، ظل للعابرين بالنظر من هنا، الرقص قلعةٌ لا تزور انعكاس حصونها في ماء المتذوقين للصورة، تاجٌ يحافظ على لؤلؤته بين الضفيرة والضفيرة، ويحوي الأنثى كنزاً، لا لرجلٍ عابرٍ يعيد رماد عصر الحريم، بل ليتيمٍ يفتح فانوس الغناء، ليجد فيه حورية جميلة، تدعوه لآخر رقصة سالسا، قبل أن يقفز الحارس ليقول: أقفلوا الستار على الأميرة.

في الكتابة، لا ظل لي، شمس الشعوب لا تعطيك حين تمسك قلمك ظلاً، كي لا تقع في الزئبقية، كي لا يصغر حجم شيء فيك إذا اقتربت من لهب الهم، ولا يكبر إذا اقتربت من ضوء الذهب، ليبقى الكاتب كاتباً، الشعوب تعطيك وجهاً لتكون وجه المغيبين تحت تراب الطغاة، يدين لتكون يداً للمقطوعة أيديهم بفأس العمل، صدراً لتعطي الوطن دفئاً، حين ينام عارياً على رصيف مجلس الأمن، حنجرةً لتغني للشهداء كي يناموا، ولا تنام أنت، لأنك بلا ظل، مثلك لا ينام، مثلك يبحث عن ظل، ويتمنى كلما تذكر الأطفال القادمين غداً، أن لا يجده، أن يبقى مأساةً لا دواء لها، إلا الكتابة.

Advertisements

الأوسمة: , , , ,

3 تعليقات to “الباحث عن ظل”

  1. شادية Says:

    رائعة كـ أنت

    كتير حبيتها

  2. Mahmoud Omar Says:

    جميل يا صديق، جدُّ جميل.

  3. حنين Says:

    رائعة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: