لأن لومومبا لم يخنْ

نص مهدى إلى روح باتريس لومومبا، القائد الديمقراطي الاشتراكي الأول في القارة المعذّبة والذي أعدم بإشراف الأمم المتحدة وتحطم معه شعار أفريقيا حرة من حسابات الشرق والغرب، لكل الرفاق، ثم إلى بيروت الغد الجميل، المختبئة وعداً في عيون عسلية، كي لا نسقط في الحزنِ المغلق:

خضر سلامة

تبكي، إلى أن تصبح عيناك جزءً من الأرض، وتقضي عمرك في الدعاء إلى أن تصبح يداك قطعةً من السماء، هذا التصاق الغصن بالجذع، يداك للسماء ، امسك السماء جيداً، كي لا تقع على رؤوس العباد فتسحق حقهم بالحرية، حافظ على المسافة الضرورية بين الدين والدَين، بين الجامع والجامعة، بين الله واللهو، بين الملاك والملك، حافظ على كل ذلك، بيدين من شوك، كي تجرح وجه السماسرة، أما عيناك فللأرض، راقبها جيداً، داعب جفن سنبلةٍ تخرج من صدرها، خبئ وجه التراب جيداً من زحف الإسفلت والسفلة، عيناك سياجٌ تركه جدٌ لك، كي يحمي الزرع من شهوة الذئاب والمصارف، يداك للسماء، علقها، عيناك للأرض، راقبها.

لك متسع من الأمل، في كل ذهابٍ إلى يومٍ جديد، لكَ أسرةٌ كظلال ياسمينة، تحيطك بالعاطفة مهما قسوتَ عليها وتردد كل قليلٍ سؤالاً جميلاً: كيفك؟… لكَ أصدقاءٌ يخرجون من كتب الضحك المستمر على الجوع، والرغيف المقسّم ألف كسرةٍ كي نساوي بين الجيب والجيب… لكَ حبٌ يأتي بعد حين، أنثى كنت ترسمها، خرجت من الرسمة، وتركت لك طعام العشاء كي تشبع شعراً، ريثما تعود، لكَ وطنٌ لا تصادره الشرطة، لأنه يتقن الهرب من البواريد ليلجأ إلى العلَم، لكَ حزبٌ لا يأكله الفساد ولا اللصوص، لأنه لم يتأسس بعد إلا في فعل الفقراء بالنظام، لك كل ذلك وأكثر: كورنيشٌ يرقص كل ليلة مع العاطلين عن العمل، شارع يطفأ أنواره ليلاً كي لا يقلق شغف العاشقين، كتابٌ لم يقرأ بعد، ويتوعّدك بالسهَر، يا قلبُ لكَ كل ذلك، فلا تيأس.

There%20is%20always%20hope-251688

ثم أعطيك تعويذةً، أقرأ عليها وصايا الشهداء، أحقنها بقليلٍ من زغاريد الأعراس التي تطلع رغم خراب البلاد، أشبكها في قلادةٍ من طحينٍ، يخترع الرغيف وحديث الصباح، ويسمح للشمس بالعبور من نافذة الرائحة الطيبة، إلى مدينتنا، بعد كل ذلك، أعلق التعويذة في شرايينك يا قلب، لا تخنْ، لا تسكت، قل للظلم أنت ساقط، قل للحكم أنت ساقط، قل للديكتاتور أنت ملعون، ثم قل للباعة المتجولين، أعيدوا ليَ الكلام لأكتب، ولا تتركوني عارٍ، ولا عاراً، أعوذ نفسي بالأمل من أي ضعف، أعوذ قلبي من أي مزاد، أعوذ قلمي من كل تاجر: سأواسي أطفالي غداً بأغنية، إن لم أحضر لهم الحلوى.

وبعد كل هذا، أخرج كل أحمال ذاكرتي، هذه طفولتي أخترع بها نار الانسان الأول، في غرفة نوم أهلي فأحيلها رماداً، هذه الأحضان تتناقلني وتخترع أسماءً تعوّض عليّ الحنين بالحنين، هذه طفولة اللعب في الشارع، كرة القدم البدائية، كنا نجعلك "تنكة بيبسي"، كي نلعب بها حين يعزّ علينا شراء طابة، هل كنا نتحدى بذلك عصر العولمة ونهزم شركة البيبسي؟

هذه مراهقتي الجميلة، اكتشاف القبلة الأولى بين الشجر، وبطولات نسائية واهمة كنت أخترعها كي ألبس قميص كازانوفا وأستعير قصصه، هذه ضربة السكين الأولى، الندبة الأولى في رأسي، الطعنة الأولى في ظهري، حروبٌ أهلية صغيرة كانت تدور بيننا وبين أطفال آخرين، أما القضية كانت ولا تزال أكبر من كل قضايا حروب الكبار: الأنثى.

هذا عمر الشباب الأوّل، البندقية تدخل المنزل وتأخذني إلى اللعب، كنت أشعر بقوة القاتل في يديّ كلما أمسكت السلاح وحاربت الشجر، وبعد أن يفرغ، أشعر بخوف الجندي بعد مقتله، من ثأر الشجر من جثته الضعيفة، هذا عمر الشباب الأول، الجنس حديقة دخلتها، وأضعت فيها مفتاح القلب، ولم أخرج بعد، هذا عمر الشباب، فهم الأغنية السياسية الأول، ونقاش الفكر الأول، فالسفر، والغربة، ثم العودة من الغربة الأولى، إلى الغربة الصفر، إلى الوطن الجريح.

كل ذلك أنا، والقادم أيضاً، وجهي في المرآة يشبهني جداً، كل الثقة به، كل ضجيج الجيوش لا يقدر أن يهزم حنجرةً تقول لا، كل رصاص العالم لا يمنعك من الضحك قبل العتمة، كل العيون الشاخصة، كل الشفاه المغلقة، كل الأصدقاء، كل النساء، كل الشعراء، كل الذكريات، كل الآباء، كلهم في أذنك الصغيرة، تظاهرة تردد في الشارع: لك الحياة.. لك الحياة…

Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

رد واحد to “لأن لومومبا لم يخنْ”

  1. ابراهيم شاعر Says:

    هذه هي الحياة كل يركض وراء لقمة عيشه وينسى كرامته وراء باب الجوع .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: