Archive for 26 سبتمبر, 2010

طزستان كمان وكمان

26/09/2010

خضر سلامة

ملّ الأصدقاء من “النكد والنق” في مقالتيّ الأخيرتين على المدونة، ولم يفهم الكثيرون يأسي من كل شي، وصف البعض لي الضحك على الواقع دواءً، لذا، قررت إلقاء التحية من نافذة تعبي على طزستان، جمهوريتي المفخوتة، ولمن لا يعرف طزستان، يمكنه مراجعة المقالات السابقة عن هذه الدولة المزرعة هنا.

في طزستان، الحكومة ترفع كل شيء: تزيد الأسعار، تزيد الضرائب، تزيد الهموم، تزيد التحريض الطائفي، ولا تنقص إلا من عمر المواطن، حكومة طزستان لا تعرف من أين تؤكل الكتف، تعرف كيف تأكل أموال الخزينة، تأكل أحلام شبابها، تأكل حقوق الموظفين، أما شعبها، فلا يأكل إلا "هوا".

في طزستان محكمة دولية، تؤمن لها وزيرة المال المليارات لتموّلها، كي تعرف من قتل اللص الكبير، وفي طزستان أيضاً قمحٌ لا ميزانية لدعمه، وأساتذة لا ميزانية لإنصافهم، في طزستان أموالٌ تكفي لتمويل صناديق الطوائف للإعمار، وصناديق ميليشياتها التي تتوكل بإعادة الدمار، ولا أموال تكفي لتمويل حق الاستشفاء لضحايا حروبها.

من لا يعرف طزّستان؟ هي هذه البلاد الفضيحة على شاشات الفضائيات، صقر يحوم بكذبة جديدة فوق قمم السياسة النفاية، كي يحرّض، وقنديل زيته معبأ في قصورالاحتلال الشرعي السابق، يكفي لإشعال نارٍ كي يدفأ أسياده، سعدٌ يبشر ببنكه الدولي ببؤس للفقراء على حجم كروش الأمراء الذين صنعوه زعيماً، عونٌ لا يعين إلا صهره، جبرانٌ طاقته لا تجبر إلا خاطر فنادق السوّاح، في طزستان أمينٌ احترف السرقة حين كان رئيساً، جميلٌ يذكرنا بالزمن البوليسي البشع، وريّا لا تنتظر سكينة، بل تحمل سكيناً، وتذبح به الحد الأدنى للأجور.

caricature1952008

هذه طزستان، وطنٌ يدخل كتاب غينيس من باب أكبر صحن حمص، وأعرض قرص فلافل، وأطول علم، وأنذل أجهزة أمنية، وأحقر زعماء، وأهم نسبة عملاء جواسيس حتى صح المثل القائل: ما اجتمع طزّستانيّان إلا كان ثالثهما عميل! وطنُ معاركه رماديّة: فقراء حاربوا فقراء، شهداءٌ قتلوا شهداء، وتجّارٌ ضربوا أنخاب الحروب ثم وظفتهم السفارات برتبة نوّاب.

هدّدوا، وأنا سمعتهم، بمصادرة أسلحة الزعران من الشوارع، وحين اجتمعوا، اتفقوا على أن يصادروا رغيف خبزٍ من حصة الجياع! قالوا، وأنا سمعتهم، بأنهم سيبنون الدولة المؤسسات، وما بنوا إلا قصوراً جديدة، وعدوا، وأنا سمعتهم، أنهم سيسدّون الدين العام، فسدّوا أفواه الأحرار وخصخصوا الحريات في مزاد الطوائف، أقسموا، ثم قسّموا، حلفوا بالبلاد، ثم حلبوها واحتفلوا.

لا أستثني منهم أحداً، طزستان دولة لا يأتون على ذكرها في الصحف في صفحة الدوليات، بل وضعها الخبراء منذ زمن في صفحة الوفيات، إكرام الميت دفنه، فادفنوا هذه الدولة ومعها كل ثوابتها الوطنية، وكل كتب تاريخها المزور، وكتب جغرافيتها المسروقة، وأنا، أطالب المعنيين، بإلغاء صفة الجمهورية عنها وإعطائها صفة الحانة الليلية، ثم أطالب كطزستاني، بسحب رخصة الإشعاع والنور من هذا الوطن، لأن الساعة الآن السادسة، وقد حان موعد انقطاع الكهرباء!

Advertisements

ثمّ يبكي المهرّج

23/09/2010

خضر سلامة

"لم يبق لدينا ما نعطيه.. أعطيناه أعظُمَنا وجماجمَنا.." – نشيد الموتى

كل ديكٍ على مزبلته صيّاح، تقول العجوز، وأنا مزبلتي هذا العالم يا جدّتي، فبماذا أصدح هذا الصباح؟ أأصيح بوجه الضاحكين للشمس، أن ثمة من يحبسه السجن عن الضوء، أو أنقر بمنقار الشتائم موائد المتخمين بالمال، كي يعرفوا أن هناك من يقتله الحنين إلى الطعام، بماذا أصدح هذا الصباح وماذا أغني، أأعيد على المستمعين أغنية من زمن السلاح، وأحذّر من سماسرة الشعوب والبلاد، أو أقول عشقاً، وأكشف عورات الشعراء الباعة، والقصائد المباعة؟ هذا الصباح قليل السكّر، والجسد كثير الثقوب، مدن مالحة، تهترئ فتنكسر أمام المصارف وتباع خردة عشق في حانات الليل المسماة مجازاً حكومات، العالم مزبلة، والجزّارون كثر، دولارٌ واحدٌ يكسر سيفاً، سيفٌ واحدٌ يكسر عنق أنثى، أنثى واحدةٌ تكسر قلب رجلٍ، رجلٌ واحدٌ يكسر خزينة حزبٍ، حزبٌ واحدٌ يكسر آلاف الأصدقاء، وصديقٌ واحد، يكسر رغيف خبزه، ويقدم لي حصتي من تعبه.

أصدقائي لا تموتوا، يقول درويش، وأقول: كونوا محبرةً لمن يحبكم، وحين أضعف، اصفعوني، أخبروني أن نيسان يحمل لنا دائماً كذبة جميلة، نصدقها، ونعيش على خمرها عشرون عاماً جديداً، ككل الشعارات التي ركضنا خلفها، حتى فقدنا أقدامنا في الشوارع، وفقدنا الشوارع، ككل الثورات التي خططنا لها، ووجدناها معروضة للبيع في صحف اليوم التالي، أقنعوني بكأسٍ من البلاهة، أن هناك كوكب آخر، لم يمسسه رجسٌ من عمل الأميركان، ينتظرنا، أصدقائي، أنتم آخر الأنبياء في قومي، عمّدوني بماء الحب، ثم ودّعوني، كي أحمل معجزة الضحك في زمن الطاعون، إلى كل حزين، وأبشر بعد موتي بالقيامة، قيامة كل ما هو يحتضر.

Untitled

أفريقيا تجلس في زاوية الفقر وتنسج ثوباً لتستر به جثةً قديمة، آسيا تفتح سهولها لبورصات الأيدي العاملة المتعبة، أوروبا تستقبل الهاربين إليها بأعواد المشانق، أمريكا تغطي تناقض شمالها وجنوبها بمعطف ديزني، قطبين صقيعهما يفرض قانونه على قلوب الأغنياء، فأين أقف، وأين أصيح، أأقف على حافة الهاوية، وأودع من أحب قبل أن أسقط، أو أقف على قمّة التفاؤل قبل أن أيأس بقليل، من يشتريني بوعدٍ براحة من أحب، من يشتري الأحرف المرقعة بياسمين اللغة، بقبلة من فتاة أصدقها حين تقول أنها لم تندم حين قبلتني، من يشتري فرَحي، ببكارة وطنٍ لا يفضّها ألف هولاكو، أو زعيم واحد، أبيع المتبقي من زيت قنديل الأمل، لمن يعطيني كل هموم الشعوب، كي أضم الحزن في كفني، وأترك خلفي عالماً يرقص كإله هندوسي يخترع الحياة كل يوم، ولا يعرف طعم الألم.

يا شعبي، كُن أليفاً مع الفقراء، متوحشاً مع الآلهة المزورة، حطّم أصنامك كي تبني بحطامها قصوراً للمشتردين، وملاعباً للاجئين إلى عطفك، جِع جيداً، كي أراك وأنا معلقٌ في أحذية أبنائك تراباً بعد أن ركضوا على قبري، كي أراك تأكل لحم مغتصبيك ولا تسامحهم.

يا أنتِ، كوني سعيدة حيث أنتِ، سرّ العروبة نسائها، والسر لا يليق الحزن به، جليلة أنتِ في حبّك حين تخبئينه عن عيون الشاعر الذي يكتب فيك، كي لا ينجرح باسم آخر يخرج من فمك كزنبقة، أو كي لا ينتشر خبر الانكسار في المدينة كجرثومة تخافين أن تصبح فضيحة، كوني كأي ليلى، تقدم ضفائرها لطهاة الأنوثة وجلاديها، كي تستمر القصيدة، ولا ينقرض العشاق في القبيلة.

يا بحري، إبلع كل الأساطيل الذاهبة لسرقة النفط، أو تهريب القمح، أو ابتكار الحروب، أعد بوسايدون كي يعاقب كل من يتجرأ على جرح الوفاء بخنجر الخيانة، أخرجه كي يحارب كل من جعلوك مرفأً للتجارة، لا حقلاً لزنود البحارة، وكن سريراً للنورس وحده كي يصنع فيك حرية.

يا منزلي، شدّ جيداً على أسراري، شهوتي الأولى، قصيدتي الأولى، سيجارتي الأولى، كن مخزن رصاصٍ لضمير لا يتوب عن الحلم، ولا يذوب في جحيم يكبر يكبر، ويبسط هولوكسته فوق جماجم الأطفال النائمين على خديعة الحمام في أغاني الأمهات.

يا أنا، كن لي مرةً واحدة، لا للآخرين، كي أصيح من فوق ركام هذا العالم المزبلة، بكل ما فيّ من ياسمين: "لا تمت قبل أن تكون نداً!"

 

هنا بيروت.. هناك لندن

17/09/2010

خضر سلامة

هل لندن دافئة في هذا الوقت من العام يا عزيزتي؟ هنا لا دفء، أنا هنا، عالق في الجليد لا زلت، أسكن هذه الصحراء الكبيرة التي تلقب بأرض العرب، ومع ذلك أشعر بالبرد، لا شيء يدفئني، أغطي جسدي المورّم بهموم الفقراء بخرقة العلم وبالبذلات العسكرية، ولا أدفأ، أحرق الأناشيد والشعارات والمظاهرات في موقد الأحزاب الوطنية، ولا أدفأ، أسقط كل قليلٍ في حفرة من حفر الجحيم الرسمي، وأموت برداً ولا أدفأ، كل الخطابات والبرامج الحكومية والمشاريع النيابية والوثائق الحزبية، تحرق أعصابي، ورغم ذلك، أشعر بالبرد.

الحاكم لم يتغيّر، لا زال يحكم بأمر الله منذ زمن الجاهلية، واللصوص هم نفسهم، غيروا أسمائهم المستعارة وطوائفهم، واستمروا لصوصاً، والمعابد والجوامع والكنائس، لا زالت تبيع جنة الأرض للأغنياء، وتدعو الفقراء لجنة السماء بعد ألف عام ونيف، والشرطة لم تتغير أيضاً، ولا زالت تضيف أسماء جديداً لأجساد مرت تحت عصا شرطيٍ غاضب، أو لرأس سحق تحت جزمة ضابطٍ يتأكد من سلامة الأمن الوطني، أما شعبنا، شعبنا لا زال طيباً وبسيطاً، يخرج من فراشه صباحاً كالحمل صبيحة عيد الأضحى، يضحك لصورة الزعيم على الشاشة ولا يسأل إذا ما كان سيذبحه اليوم أو أن دوره غداً، يغسل وجهه بالتراب حين يعزّ الماء في الأنابيب المهترئة، يخرج للشارع ليشارك في الماراثون اليومي للركض خلف لقمة العيش الكريمة، يشتمه حاجب الوزير، وحارس الوزير، وابن الوزير وزوجة الوزير، ومع ذلك يضحك، يعود من عمله إلى حضن امرأته، ليجدها مذبوحة ومعلقة فوق شرعة حقوق المرأة، يضحك، يتوضأ بالكسل، ويصلّي لإله جميل لا يشبه آلهة البرلمان، ويضحك، وينام.

أشعر بالبرد، مخيف هذا الصقيع الذي لا تكسره شمس الديمقراطية الأميركية التي تقوم على ضحكة حسني مبارك، وانسانية آل سعود، وحكمة سلاطين الخليج، مخيف هذا الصقيع الذي لا يذوب رغم أنف شريعة الملالي في قم والتي تعدل بين المحكومين بالشنق والمحكومين بالرجم، مخيف هذا الصقيع الذي يتمدد فوق أطرافي كجهاز أمن في زمن قوانين الطوارئ التي لم تحرر شبراً منذ ألف قرن، أشعر بالبرد، أشعر بالبرد في زمن الاحتباس الحراري والمصارف الحريرية، أشعر بالبرد في زمن ثقب الأوزون، وثقب النظام العربي الذي يغير شكل القصيدة من خيمة، إلى وكر ذئاب.

46833836v5_225x225_Front

هل لندن دافئة في مثل هذا الوقت من العام؟ يا صديقتي…

في الأنف رائحة بلادٍ يأكلها عفن الثقافة التي تمجّد الأمراء، وفي الأذن صوت سوطٍ يسلخ ضفائر النساء باسم الشرف والترف الذكوري، في العين صورٌ بالأبيض والأسود لبلاد نسيها قوس القزح، ولم يغزل فوقها ألوانه منذ زمن، في اليد بقية من خريطة مزقها السماسرة، وتركوا لنا فتات الهوية ورماد القضية، قدماي في الريح، تبحث عن وكالة حصرية لتجارة السفر، خذوني إلى بلاد الدفء، خذوني إلى خريف يوازن بين التين وبين الليمون، بين الريح وبين الحزن، بين المطر وبين الضوء، خذوني إلى خريفٍ يخترع ألف سبب للدفء، ولا يقتل ما في القلب من غضب، يربي الغضب، ويسقيه وجع المشردين على أرصفة الديمقراطيات اللعينة، والديكتاتوريات الخبيثة.

أخبريني عن لندن يا صديقتي، هل يميز العشاق فيها بين هراوات بوليس الآداب، وهراوات البوليس السياسي؟ أما هنا، فلا فارق بين الاثنين، العصا رقيب على كل شيء، أخبريني عن لندن، هل ينام كارل ماركس مرتاحاً في قبره؟ أما هنا، فنحن لا زلنا نحترف فن نبش المقابر كي نتاجر بما تبقى من دماء شهداء صنعوا المجد وسرقناه نحن، أخبريني عن لندن، هل يسمح الوضع الإقليمي بقبلة سريعة بين اثنين؟ أما هنا، فالشارع الرسمي ملك لدار الافتاء، والقبل مقننة حسب مزاج شركة الكهرباء وفاتورة حساب الجنة والنار، أما العواطف، فرهن عودة أنثى، فتحت خزنة الشعر وسرقت تاج الكلمة الجميلة، وتركتني عارياً على رصيف الرسائل الممزقة، عارياً، أشعر بالبرد.

أخبريني عن لندن، يا صديقتي، خريفها لا زال جميلاً؟ ضعي لي في حقيبة سفرك لونه الأصفر، وبقع الضباب التي تخنق الأصوات كي لا تزعج الفوضى عاشقين يصنعان طفلاً في الظلام، ضعي كل ذلك، وبعضاً من الأمل، في حقيبة، وارميها في البحر، البحر صندوق بريدنا الوفي.. البحر دفؤنا، أشعر بالبرد في الصحراء هنا، أعيريني قليلاً من دفء لندن.

عالمٌ يحترق وشعراء يسكرون

10/09/2010

خضر سلامة

تحت حائط السلّ الذي يفتك بالقلب، جسد كافكا حبل غسيلٍ لأمراض المدينة التي تغتال أحرفه الجميلة، كان سيعلّقها في يديّ امرأته، أساور تخنق الكلام البشع بعينين من ضحك، كافكا سقط، قتله قلمه: هذا الكذب الكثير ثقيل على قلب الكاتب، وهذا الوطن الراكض بشعبه صوب احتراف الخيانة، جحيمٌ لا يليق بيدٍ قطعها الحزن، وحبسها في محبرة الذاكرة الناقصة… ينقصه موعدٌ لم يأتِ بعد، تأخر في زمن الشرطة على حواجز التفتيش عن عاطفة صادقة، في حضنك أنتِ، كان كافكا آخر أنبياء سفر الطفولة، وأنتِ، سالومي، أميرة ترقص كي تغوي البنادق بقتل نبيٍ وعدها بتفاح الجنة.

لو أن كافكا كان يدري أن رسائل حبه، ستحولها الجالسة على عرش من سجائر باردة، إلى معرضٍ أدبي للقادمين ليبحثون عن لغة جميلة، لا حب جميل، هل كان ليكتب بهذا الصدق؟ وهذه الحرارة؟ وهذا الحزن؟ بعض الخيانات أشدّ قسوة من طعنة سكين… بعض الخيانات أشد ألماً من كابوس كان يلاحق نوم الكاتب، فاستيقظ يوماً من عمره ليجد نفسه ميتاً، محبوساً في هذا الكابوس، أكل الذئب شعره، وبصق فوق صورة من يحب.

“بدأت بالرقص، الجميع قالوا: زوربا جنّ.. لم أكن قد جننت، كنت قد متّ”، من يرقص مع زوربا في صالون هذا القرن الآخذ في التآكل بصدأ الشعر المكرر، كي يلعب بالفخار، قطع زوربا أصبعاً، واليوم، كي يلعب بالكتابة، قطع رأسه، ووضعه خلخالاً في قدم أنثى، باعته في سوق النخاسة، زوربا أجمل مجانين هذا العالم، يركل الكرة الأرضية كأنها كرة قدم، ويضعها في مرمى الضحك، والخمر، وصناعة الكلمة الجميلة، لم يفقد عقله، فقد حبيبته، سيرقص: ارقص يا زوربا.. ارقص! ضع موسيقى أفريقيا، وانسى غيتار البكاء، تركت لك وقود شعر يكفيك لقرون، فاسكر بمجدك وانتصارك وارقص، ارقص! خرجت أنت صادقاً بنفسك، وتركتها مهزومةً بنفسها، لك اللحظة والذاكرة والقصيدة، والرقصة الأخيرة قبل موتك.

وحين تفرغ الشعوب من اللعب بالقذائف، سيجمعهم زوربا تحت زيتونة في ريف أثينا، وسيحكي لهم عن الشعر المقتول بمقص اللذة، والعيون التي تفتك بالحقد وتجبره على فكرة القبلة، وسيحكي لهم عن عمرٍ مرّ في أسبوع، واحترق بعدها البعد الرابع كله، تباً لك يا أينشتاين.

BEIRUT_saxo_CAMILLE_ALLAM

أسبانيا! أعيريني جثة لوركا، أريد أن أتأكد أنه أكثر موتاً مني، من قتله؟ بنادق الطغاة أو عيون النساء؟ يحكى في أحلام الشعراء أن لوركا أميرهم، سقط بداء القلب، وأتاه الرصاص من مسدس الوحدة، فعل انتحار، لا اغتيال، سلّم نفسه للأنثى، فسلمته للنوم، خدعته بقناع الضحك، كان طفلاً جداً، صدقها، بنت له قصراً من أعواد الكبريت، ثم أحرقته عندما وضع ريشته فيه، لوركا! لك العالم بكل ما فيه، لك نفسك التي لم تبعها، ولم تخسر شيئاً منها لأنك أنت أنت كما كنت، لم تتغيّر، يتغير الكون، وتتغير الأنظمة، وتتغير حسابات العشيقات ومواعيدهن ووعودهن، يتغير شكل الخارطة ويتغير اسم الإله، ولا تتغير أنت، لأنك أكثر صدقاً من أول قبلة، وأشد ثباتاً من كلمة أخيرة: “أكرهك، بكل ما فيّ من غرور، لكني سأحرق الإسفلت لو فكر أن يلمس قدميك”

في مشرحة الأذن، تكررين كلمة “كلا”، وتنتظرين أن أغلق فنجان قهوتي وسيجارتي الأولى، وكأسي الألف، وأحمل هذا الدفتر الذي مللتِ من عاطفتي البدائية معه، وأرحل، “كلا”؟ في أذن الحزين الغاضب، سكين يود لو تذوقها خاصرتك المكنوزة بالسمّ، أما في أذن العاشق الذي يكتب كي يثبت للأصدقاء أنه لم يمت، “كلا” طينة يمعجنها الشعر، ويعيدها إلى شكلها الطبيعي: “إلك”.

كافكا، زوربا، لوركا، أصدقائي الثلاثة، دمي نبيذ لأحزانكم، فأوقدوا نار الحكاية، كي نشتم الكوكب بمن فيه، ونصنع عالماً جديداً، يكون على قياس أحلامنا، لا كوابيس فيه.. لا أغانٍ كئيبة.

هذا العالم يحترق، تعالوا نسكر!

أشياء حزينة

06/09/2010

خضر سلامة

في زمنٍ مضطرب/ زمن فوضى الأوطان والأحزاب والخرائط، وفوضى الكتابة والقراءة، يكفي أن نأخذ خطوة للوراء، للبحث في اللون الأصفر للزمن البعيد أو المكان الأبعد، للتأمّل، خطوةً للوراء، كي نرى المشهد بوضوح المسافة، أو قسوة الطعنة.

1.
هكذا تبدأ القصيدة
دمعة وبسمة:
وكلام كثير.

2.

بين الفجر والغروب
رائحة الأرض عند أول مطر
وضجيج العبور
قبيل السفر
بينهما أغنية بيانو
لم ينهض بعد من سبات الضجر

3.

وأتيت إليك
حاملاً نعشي على ورقي…
أشيائي الحزينة، قهوتي واليأس
وقبلةٌ بعد قبلةٍ ما عادت تغريني
إليكِ، حاملاً جسدي
وبقاع تشردي
أبحث عن وطنٍ، عن حانة
عن وسادة
عن رصيفٍ يفرش لي أحزانَهْ
يقبلني…لا يسألني
من اين أتيت وكيف أتيت..
لكني أتيت!

4.

تقرعني أجراس الكنائس
والقلب مأخوذ بإيقاع مارسيل
في حنجرتي عصافير ونوارس
وبلابل حمراء ورسائل
حزينة كأعمدة النور
فكيف السبيل إلى القصيدة

5.

عندما تطلع فيروز من نافذة الحزن
كفجرٍ يبحث عن سريرٍ ليبسط ألحانه
أضيء لها صلاةً وأسكب القليل من الصمت
…وأبكي

6.painting

ما بين الطفولة والرجولة
مساحة شهوة ومسافة لذة
تدفعهما سويةً للبكاء
ذاك هو عبورك…

7.

بي رغبة لأن أغمس حبري في بساتين سفركْ
كي أصنع من حطام حطامكِ وجه مقصلتكْ
بي رغبة أن أحضر كالموج
مراسم تعبكْ
أو أصدح كالزلزال
بما ترك لنا العشاقُ
…من كلمة أحبك
8.

كئيبةٌ كانت عودتك كعودة الخريف
وخافتةٌ صلاتك
وكافرةٌ…
ككفر الجوع إلى الرغيف
كئيبة.. وظلام عينيك الخافقتين في البعيد
خيط دخانٍ تلاشى بين أبعاد المصير
…تلاشى
بين خاصرة السماء وأقدام المستحيل

9.

…ذات مساء
كنت كإلهٍ يوناني شقيٍ عابث
تتراقصين شغفاً ولذة
على نغم غيتار إسبانيٍ عاشق
غيتار… تلاحقك أوتاره كزهرة غاردينيا
يرجو أناملك العاجية أن تدوسه
لتشبعه موتاً… وشهوة

10.

كم أثملني ذاك الللحن الاسباني الكئيب
ذاك الجرح العربي في جبين الغيتار
كم من قرطبة تسكن بين النوتة والنوتة
كم من غرناطة تنبت بين الاصبع والاصبع
كم من أندلسٍ… في لحظة طرب واحدةٍ
أدرك أني أعشق
كم من أندلسٍ.. في لحظة وعيٍ وهزيمة
أدرك أني.. فقدت

11.

تتركني أمطار تشرين الرقيقة
معلقاً بين الشتاء والصيف
لا أطلب من السماء قراراً ولا ثباتاً
فأجمل الأمطار هي الآتية بلا موعد

والراحلة بلا وعد

12.

غداً ترحل النجوم وتبقى السماء لنا
غداً.. تقف الأيام عند محطات المغنى
وحدود المعنى
وسيأتي تشرين ككل صباح
لنقول له ويقول لنا
ليكنس كل مكاتيب البرد

وليزرع فينا… ربيعنا

13.

…أحاول أن أقطف صوتك من ضجيج الشاشة
فلا أحصد الا علامات التعجب
فمتى تحين مواسم اللقاء؟؟

14.

قصفٌ اممي في قلبي
وامرأة تخلع ثوب الصوم
وتقدس آلهتي
في عينيك أخبأ حزني
وأطوّبك بالرمل امرأتي
وجهك أكثر الماً من سكين
يخلع خاصرة الثوب
ويقبّل..
وجهك أكثر حزناً من تشرين
لا زال يسبّح باسم العشب!

15.

في عتمة أنفاسك،
خبأت أنفاسي الأخيرة
وأقفلت ذكريات وطني
ووجهه الممزق الجميل
بشيءٍ من الكآبة

الشيء الأخير

أجمع أحلامي في زورق
لأمارس فيه…
جوعي للحب… للآخر، إليك!
كي أفرغ في صمت اللحظة
صلاتي الأخيرة
وأسلم للريح بكائي
وأموت كموت الشعراء
حزينا…ووحيدا!

إشكال أمني شديد الأسف والانفجار

04/09/2010

خضر سلامة

حدث ما كنا ننتظره، وأعلنت جميع الأطراف طي صفحة الاشكال الأمني الأخير، وبعد مطالبة عدة أصدقاء لجوعان، رئيس جمهورية طزستان، بتحليل ما حدث، طالما أن تحليل الوضع السياسي في البلد يشبه تحليل بول حمار كان يرعى في حقل حشيشة، نمر على الإشكال الأخير ونحن نبتهل: من أين أدخل في الوطن؟.. من قفاه يا مواطن!

انتهى الإشكال الفردي في أحد شوارع عاصمة طزستان، على خير، وأعلن بالأمس طي الصفحة نهائياً، بأربع قتلى فقط، المسؤولون أكدوا أن لا خلفية سياسية، ولا خلفية مذهبية للإشكال، الخلفية الوحيدة المعنية هي خلفية المواطن القابعة على ألف خازوق، أما تحالف الجماعتين فتعمد بالدم، تأكيداً على وحدة المسار والبواسير بين السنة والشيعة، المغرومين ببعض منذ ألف سنة ونيف.

لا يوجد أي خطر فتنوي، الوضع بألف خير، وناقوس الخطر لن ندقّه خوفاً بعد اليوم، نستطيع أن نستعمله في التشجيع في مباريات كرة القدم مثلاً، أو نستطيع دق ناقوس الخطر في وقت السحور لإيقاظ الصائمين، الجميع يحب الجميع، وما حدث يمكن أن يحدث بين الأخوة، قال أحد النواب الجهابذة، وأنا أصدق كل ما يقول النواب ورئيسهم، فعلى سبيل المثال، آخر مرة اختلفت فيها مع والدي، عاقبني بقصفي ب43 قذيفة آر بي جي فقمت بخطف أمي وأخوتي كرهائن، تحدث هذه الإشكالات في العائلة الواحدة، أما الجسد اللبناني، فهو أشد تماسكاً يوماً بعد يوم: الديْن العام متضخم كثدي خارج للتو من عملية تكبير، الوضع الأمني مفتوح على مصراعيه كما تفتح أمٌ يديها لتودع ابنها المهاجر، الهوية الوطنية مثقوبة من أسفلها كأسفل أي مواطن، وأنياب المصارف مغروزة جيداً في لحمنا، أما موازنة العام القادم، فهي خير دليل على النشاط الجنسي لوزارة المال التي لا تزال تفعل فعلها فينا.

quit-smoking-ad-18

الموقف القوي، والجاد، جاء من وزير الدفاع، أعلن عن تجميد رخص السلاح الفردي أثناء نهار الاشتباك، كأني بإعلان يقول: وزارة الدفاع ترجو من سائقي الدبابات عدم التجول في المدينة حاملين مدافعهم الثقيلة وقذائفهم الصاروخية المرخصة للاستعمال الشخصي، وزير الدفاع يجمد الرخص، كأن المتقاتلين يهتمون لرأي معاليه القانوني، أو اجتهاد مستشاريه، تخايلوا معي يا أصدقائي، أحد عناصر الميليشيات، يحمل رشاشاً حربياً ويقصد أقرب مخفر للدرك، كي يقدّم طلب "رخصة حرب أهلية" صالحة لمدة معينة.

انتهى الإشكال الفردي، وقف الجميع على النشيد الوطني لطزستان، شهداءٌ قتلوا شهداء، من أدان ومن استنكر؟ من شجب ومن شجع؟ من امتعض ومن انطعج؟ لا يهم، البيانات هي هي من خمس سنوات إلى اليوم، يغيرون فقط المكان والزمان، ويرتجعون نفس أوراق النعي، الشيء الوحيد الذي يتغير بين كل إشكال طائفي فردي، هو أسماء القتلى، أما عشاء المصالحة بين الأحياء المحتفلين، فهو هو.

أعزائي المواطنين، أجارنا الله جميعاً من شر التعايش، مشكلة، أنه كلما "تعايشت" طائفتان، مات أربع مواطنين! والمشكلة الأكبر، أن كل إشكال "فردي" يتطور إلى إشكال كلاشنكوفي، ثم إشكال صاروخي، أما الكارثة، فهي في المواقف، في بلاد العالم، يمر موقف تاريخي واحد كل عشرة أو عشرين عاماً، يغير وجه البلاد، أما في طزستان، فكل زعيم يطلق عشرة مواقف تاريخية في اليوم، ولا يتغير شيء… لا يتغيّر إلا سبب موت مواطنٍ جديد، للوطن، للأمة، للحقيقة، للكهرباء… لله يا محسنين!

من هنا، من على منبري كمواطن وأقل، ألعن الميثاق الوطني، وحكومات التوافق، والاشعاع والنور، وقدموس السافل الذي اخترع الحرف الذي أتى بالنشيد الوطني، وألعن كل شارعٍ فيه شعار كاذب، او صورة شهيد يسأل بلسان مظفر: "أيهمّ الميت أن القبر يزخرف؟."

حين يحلم داروين

01/09/2010

خضر سلامة

عقارب الساعة تلسع العمر بسمّ الوقت، يمضي العمر، يصادر من الذاكرة صوراً لطفولة ككوخٍ جميل، عمرته على كتف أسرةٍ تتسع لهمومي، حين تضيق الكرة الأرضية بها، يمضي العمر، يسرق شعلة الحياة من يد بروميثيوس، ويعطيها لأنثى طارئة على السرير كخبر عاجل، تشعل بها سيجارة، كي تتمتع بمشهد القلب يحترق كأي روما أخرى… العمر يمضي، وسارتر يطل من شبّاك القراءة ليسأل: إلى أين؟

إلى يومٍ آخر يا رفيقي، إلى جواب مؤقت، يؤجل سؤالك إلى مساءٍ بائسٍ جديد.

من صنع الأرض على شكل دائرة مثقوبة؟ أقلّب وجه الكوكب المعلّق في فضاء تاء التأنيث، من أين يسقط الموتى إلى حفرة النسيان، ومن أين يدخل الأطفال في لعبة الوجود؟ أيها الكوكب الثقيل على وجه التاريخ، تدور حول الشمس الأنثى بكل ما فيك من تكبر، وأنت تحترق ببطء، كفراشة تظن ببلاهة أنها ملكة الضوء، وهي ملك للعتمة، تذوي، تذوب في فكّ الوجود، غيّر قليلاً من خارطتك اللعينة، انفض قليلاً من البشر الموبوئين بجراثيم المال لتصبح أخف وأحلى، علّك تستحيل حقيبة سفر، كي أحملك إلى كون جديد، كي أعطيك من جعبة الكتابة قمراً آخر يوازن بين أحلام الفقراء بالنور لا أكثر، وجشع الأغنياء ببناء فندق عليه وأكثر.

وحين يوقفني رجل الجمارك على حدود مجرّة ما، سأقول أنّك صديقي، وأنا، لا أسافر بدون أصدقاء.

يا خجلة الأموات في آسيا، من زملائهم في أفريقيا، يموتون هنا ضحايا ماءٍ فاضت به الأرض، ويموتون هناك شوقاً للمياه، من سيفصل في قضيتهم؟ سيقف الحكَم في يوم الحساب حائراً، يا خجلة الأموات بداء القلب، من وجوه الأموات بداء الانتحار، يا خجلة الأموات بالرصاص من عتب الأموات بالمشانق، يا خجلة الأموات تخمة، من الأموات جوعاً، للموت وجوهٌ كثيرة، كل مقبرة في هذا العالم، حفلة تنكرية، أما نحن، فضيوفٌ مؤجلون إلى حين، حتى نجد الزيّ الذي يناسبنا.

أمّا أنا، فسألبس جسدك، حين أموت، سأكون متلبساً بتهمة الإيمان بأنك وحدك، لا شريك لكِ، مسدسي الذي أحب ملح رصاصه في فمي.

dream-1722

"لا صوت يعلو فوق صوت الموسيقى"، أقول، العود هو النظام العربي الوحيد العادل منذ أول شيخ قبيلة، والغيتار هو الكحل الأوروبي الشرعي رغم أنف أمراء مكيافيلي، والطبل الأفريقي أشدّ قوة من مدافع الحروب السوداء وأعمق من شرعة حقوق الانسان الأبيض، والناي في آسيا الوسطى أسرع من علماء الآثاء في فن التأريخ لأي وطن، أما صوتها في الهاتف، فهو أكثر ثمالةً من تركة أبو نواس، وأجمل من موشحات الأندلس بكل مغنيها… والهمس الدافئ في السرير ألف ربابة تعزف عند الفجر رائحة الخبز، وأهازيج الفلاحين الذاهبين إلى الرقص مع السنابل.

وتسألين، بعد هذا، ماذا سنسمع اليوم أغنية جديدة؟ ضعي صوتك، احكي لي أي شيء، وستأتي إلينا كل الموسيقى، حين أخبرك كم أحبك.

ثلاثة يغيرون العالم لأنهم هم، تغيروا: مجنون يخيّط الوعي على منول الضحك والبكاء، شاعر يرى العالم محبرةً وقافية لقصيدة جديدة، وعاشق يختزل نشرة الأخبار في موعد لقاء بحبيبته… أما الطغاة، أما الأنظمة، فلا تغيّر شيئاً، يدمرون المدن أو يسرقون، فتعود بعد ألف عام إلى شعبها راضية مرضية وتدخل في جنته، يتقيأون القوانين والسجون، فتدفن معهم حين يموتون، ولا تموت الفوضى الصانعة للحرية الشريعة، كخيوط عنكبوت هذه الأنظمة من حولي، أمزقها بإصبع واحد، يرتفع بوجه عصا الشرطي: أنا سرطانك الذي يفتك بسوطك، وأنا، من هذا الشعب: صدأ يأكل بنادق الميليشات ومنابر الطوائف.

وحين ننتصر، سننادي على حمزاتوف، ليعود من داغستان إلى العالم الكبير، ويقيم دولة الحب: "نجوم كثيرة وقمر واحد.. نساءٌ كثيرات وأم واحدة.. بلاد كثيرة ووطن واحد" يقول هو، وطن واحد، وطن لا طغاة فيه، إلا حبيبتي.


%d مدونون معجبون بهذه: