حين يحلم داروين

خضر سلامة

عقارب الساعة تلسع العمر بسمّ الوقت، يمضي العمر، يصادر من الذاكرة صوراً لطفولة ككوخٍ جميل، عمرته على كتف أسرةٍ تتسع لهمومي، حين تضيق الكرة الأرضية بها، يمضي العمر، يسرق شعلة الحياة من يد بروميثيوس، ويعطيها لأنثى طارئة على السرير كخبر عاجل، تشعل بها سيجارة، كي تتمتع بمشهد القلب يحترق كأي روما أخرى… العمر يمضي، وسارتر يطل من شبّاك القراءة ليسأل: إلى أين؟

إلى يومٍ آخر يا رفيقي، إلى جواب مؤقت، يؤجل سؤالك إلى مساءٍ بائسٍ جديد.

من صنع الأرض على شكل دائرة مثقوبة؟ أقلّب وجه الكوكب المعلّق في فضاء تاء التأنيث، من أين يسقط الموتى إلى حفرة النسيان، ومن أين يدخل الأطفال في لعبة الوجود؟ أيها الكوكب الثقيل على وجه التاريخ، تدور حول الشمس الأنثى بكل ما فيك من تكبر، وأنت تحترق ببطء، كفراشة تظن ببلاهة أنها ملكة الضوء، وهي ملك للعتمة، تذوي، تذوب في فكّ الوجود، غيّر قليلاً من خارطتك اللعينة، انفض قليلاً من البشر الموبوئين بجراثيم المال لتصبح أخف وأحلى، علّك تستحيل حقيبة سفر، كي أحملك إلى كون جديد، كي أعطيك من جعبة الكتابة قمراً آخر يوازن بين أحلام الفقراء بالنور لا أكثر، وجشع الأغنياء ببناء فندق عليه وأكثر.

وحين يوقفني رجل الجمارك على حدود مجرّة ما، سأقول أنّك صديقي، وأنا، لا أسافر بدون أصدقاء.

يا خجلة الأموات في آسيا، من زملائهم في أفريقيا، يموتون هنا ضحايا ماءٍ فاضت به الأرض، ويموتون هناك شوقاً للمياه، من سيفصل في قضيتهم؟ سيقف الحكَم في يوم الحساب حائراً، يا خجلة الأموات بداء القلب، من وجوه الأموات بداء الانتحار، يا خجلة الأموات بالرصاص من عتب الأموات بالمشانق، يا خجلة الأموات تخمة، من الأموات جوعاً، للموت وجوهٌ كثيرة، كل مقبرة في هذا العالم، حفلة تنكرية، أما نحن، فضيوفٌ مؤجلون إلى حين، حتى نجد الزيّ الذي يناسبنا.

أمّا أنا، فسألبس جسدك، حين أموت، سأكون متلبساً بتهمة الإيمان بأنك وحدك، لا شريك لكِ، مسدسي الذي أحب ملح رصاصه في فمي.

dream-1722

"لا صوت يعلو فوق صوت الموسيقى"، أقول، العود هو النظام العربي الوحيد العادل منذ أول شيخ قبيلة، والغيتار هو الكحل الأوروبي الشرعي رغم أنف أمراء مكيافيلي، والطبل الأفريقي أشدّ قوة من مدافع الحروب السوداء وأعمق من شرعة حقوق الانسان الأبيض، والناي في آسيا الوسطى أسرع من علماء الآثاء في فن التأريخ لأي وطن، أما صوتها في الهاتف، فهو أكثر ثمالةً من تركة أبو نواس، وأجمل من موشحات الأندلس بكل مغنيها… والهمس الدافئ في السرير ألف ربابة تعزف عند الفجر رائحة الخبز، وأهازيج الفلاحين الذاهبين إلى الرقص مع السنابل.

وتسألين، بعد هذا، ماذا سنسمع اليوم أغنية جديدة؟ ضعي صوتك، احكي لي أي شيء، وستأتي إلينا كل الموسيقى، حين أخبرك كم أحبك.

ثلاثة يغيرون العالم لأنهم هم، تغيروا: مجنون يخيّط الوعي على منول الضحك والبكاء، شاعر يرى العالم محبرةً وقافية لقصيدة جديدة، وعاشق يختزل نشرة الأخبار في موعد لقاء بحبيبته… أما الطغاة، أما الأنظمة، فلا تغيّر شيئاً، يدمرون المدن أو يسرقون، فتعود بعد ألف عام إلى شعبها راضية مرضية وتدخل في جنته، يتقيأون القوانين والسجون، فتدفن معهم حين يموتون، ولا تموت الفوضى الصانعة للحرية الشريعة، كخيوط عنكبوت هذه الأنظمة من حولي، أمزقها بإصبع واحد، يرتفع بوجه عصا الشرطي: أنا سرطانك الذي يفتك بسوطك، وأنا، من هذا الشعب: صدأ يأكل بنادق الميليشات ومنابر الطوائف.

وحين ننتصر، سننادي على حمزاتوف، ليعود من داغستان إلى العالم الكبير، ويقيم دولة الحب: "نجوم كثيرة وقمر واحد.. نساءٌ كثيرات وأم واحدة.. بلاد كثيرة ووطن واحد" يقول هو، وطن واحد، وطن لا طغاة فيه، إلا حبيبتي.

Advertisements

الأوسمة: , , , , ,

3 تعليقات to “حين يحلم داروين”

  1. walidkhalil2010 Says:

    تحية طيبة
    مدونة رائعة واتمنى لك التوفيق والاستمرار وانا من المتابعين لك والى الامام دائما.

    واهلا وسهلا بك في مدونتي
    http://walidkhalil2010.wordpress.com/2010/07/27/ارحموني/

    مع التحية

  2. القط Says:

    رائع يا خضر، كالعادة رائع… و بالأخص الرسائل المشفّرة و الرمزية التي تُقرأ ما بين سطور نثرك و صراخك في هذا الموضوع.
    تحياتي.

  3. جوعان Says:

    أيها القط، شكراً لك يا صديقي… ما يكتب هو قليل مما نعيشه، وما يصدر من رسائل، قليل مما نحلم أن يصل يوماً، إلى أذن، أو عين من يقرأ، لعله يعقل.
    رفيق وليد شكراً، واهلا بك.. نتواصل!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: