عالمٌ يحترق وشعراء يسكرون

خضر سلامة

تحت حائط السلّ الذي يفتك بالقلب، جسد كافكا حبل غسيلٍ لأمراض المدينة التي تغتال أحرفه الجميلة، كان سيعلّقها في يديّ امرأته، أساور تخنق الكلام البشع بعينين من ضحك، كافكا سقط، قتله قلمه: هذا الكذب الكثير ثقيل على قلب الكاتب، وهذا الوطن الراكض بشعبه صوب احتراف الخيانة، جحيمٌ لا يليق بيدٍ قطعها الحزن، وحبسها في محبرة الذاكرة الناقصة… ينقصه موعدٌ لم يأتِ بعد، تأخر في زمن الشرطة على حواجز التفتيش عن عاطفة صادقة، في حضنك أنتِ، كان كافكا آخر أنبياء سفر الطفولة، وأنتِ، سالومي، أميرة ترقص كي تغوي البنادق بقتل نبيٍ وعدها بتفاح الجنة.

لو أن كافكا كان يدري أن رسائل حبه، ستحولها الجالسة على عرش من سجائر باردة، إلى معرضٍ أدبي للقادمين ليبحثون عن لغة جميلة، لا حب جميل، هل كان ليكتب بهذا الصدق؟ وهذه الحرارة؟ وهذا الحزن؟ بعض الخيانات أشدّ قسوة من طعنة سكين… بعض الخيانات أشد ألماً من كابوس كان يلاحق نوم الكاتب، فاستيقظ يوماً من عمره ليجد نفسه ميتاً، محبوساً في هذا الكابوس، أكل الذئب شعره، وبصق فوق صورة من يحب.

“بدأت بالرقص، الجميع قالوا: زوربا جنّ.. لم أكن قد جننت، كنت قد متّ”، من يرقص مع زوربا في صالون هذا القرن الآخذ في التآكل بصدأ الشعر المكرر، كي يلعب بالفخار، قطع زوربا أصبعاً، واليوم، كي يلعب بالكتابة، قطع رأسه، ووضعه خلخالاً في قدم أنثى، باعته في سوق النخاسة، زوربا أجمل مجانين هذا العالم، يركل الكرة الأرضية كأنها كرة قدم، ويضعها في مرمى الضحك، والخمر، وصناعة الكلمة الجميلة، لم يفقد عقله، فقد حبيبته، سيرقص: ارقص يا زوربا.. ارقص! ضع موسيقى أفريقيا، وانسى غيتار البكاء، تركت لك وقود شعر يكفيك لقرون، فاسكر بمجدك وانتصارك وارقص، ارقص! خرجت أنت صادقاً بنفسك، وتركتها مهزومةً بنفسها، لك اللحظة والذاكرة والقصيدة، والرقصة الأخيرة قبل موتك.

وحين تفرغ الشعوب من اللعب بالقذائف، سيجمعهم زوربا تحت زيتونة في ريف أثينا، وسيحكي لهم عن الشعر المقتول بمقص اللذة، والعيون التي تفتك بالحقد وتجبره على فكرة القبلة، وسيحكي لهم عن عمرٍ مرّ في أسبوع، واحترق بعدها البعد الرابع كله، تباً لك يا أينشتاين.

BEIRUT_saxo_CAMILLE_ALLAM

أسبانيا! أعيريني جثة لوركا، أريد أن أتأكد أنه أكثر موتاً مني، من قتله؟ بنادق الطغاة أو عيون النساء؟ يحكى في أحلام الشعراء أن لوركا أميرهم، سقط بداء القلب، وأتاه الرصاص من مسدس الوحدة، فعل انتحار، لا اغتيال، سلّم نفسه للأنثى، فسلمته للنوم، خدعته بقناع الضحك، كان طفلاً جداً، صدقها، بنت له قصراً من أعواد الكبريت، ثم أحرقته عندما وضع ريشته فيه، لوركا! لك العالم بكل ما فيه، لك نفسك التي لم تبعها، ولم تخسر شيئاً منها لأنك أنت أنت كما كنت، لم تتغيّر، يتغير الكون، وتتغير الأنظمة، وتتغير حسابات العشيقات ومواعيدهن ووعودهن، يتغير شكل الخارطة ويتغير اسم الإله، ولا تتغير أنت، لأنك أكثر صدقاً من أول قبلة، وأشد ثباتاً من كلمة أخيرة: “أكرهك، بكل ما فيّ من غرور، لكني سأحرق الإسفلت لو فكر أن يلمس قدميك”

في مشرحة الأذن، تكررين كلمة “كلا”، وتنتظرين أن أغلق فنجان قهوتي وسيجارتي الأولى، وكأسي الألف، وأحمل هذا الدفتر الذي مللتِ من عاطفتي البدائية معه، وأرحل، “كلا”؟ في أذن الحزين الغاضب، سكين يود لو تذوقها خاصرتك المكنوزة بالسمّ، أما في أذن العاشق الذي يكتب كي يثبت للأصدقاء أنه لم يمت، “كلا” طينة يمعجنها الشعر، ويعيدها إلى شكلها الطبيعي: “إلك”.

كافكا، زوربا، لوركا، أصدقائي الثلاثة، دمي نبيذ لأحزانكم، فأوقدوا نار الحكاية، كي نشتم الكوكب بمن فيه، ونصنع عالماً جديداً، يكون على قياس أحلامنا، لا كوابيس فيه.. لا أغانٍ كئيبة.

هذا العالم يحترق، تعالوا نسكر!

Advertisements

الأوسمة: ,

رد واحد to “عالمٌ يحترق وشعراء يسكرون”

  1. mhdbadr Says:

    رائعة يا صديقي!!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: