هنا بيروت.. هناك لندن

خضر سلامة

هل لندن دافئة في هذا الوقت من العام يا عزيزتي؟ هنا لا دفء، أنا هنا، عالق في الجليد لا زلت، أسكن هذه الصحراء الكبيرة التي تلقب بأرض العرب، ومع ذلك أشعر بالبرد، لا شيء يدفئني، أغطي جسدي المورّم بهموم الفقراء بخرقة العلم وبالبذلات العسكرية، ولا أدفأ، أحرق الأناشيد والشعارات والمظاهرات في موقد الأحزاب الوطنية، ولا أدفأ، أسقط كل قليلٍ في حفرة من حفر الجحيم الرسمي، وأموت برداً ولا أدفأ، كل الخطابات والبرامج الحكومية والمشاريع النيابية والوثائق الحزبية، تحرق أعصابي، ورغم ذلك، أشعر بالبرد.

الحاكم لم يتغيّر، لا زال يحكم بأمر الله منذ زمن الجاهلية، واللصوص هم نفسهم، غيروا أسمائهم المستعارة وطوائفهم، واستمروا لصوصاً، والمعابد والجوامع والكنائس، لا زالت تبيع جنة الأرض للأغنياء، وتدعو الفقراء لجنة السماء بعد ألف عام ونيف، والشرطة لم تتغير أيضاً، ولا زالت تضيف أسماء جديداً لأجساد مرت تحت عصا شرطيٍ غاضب، أو لرأس سحق تحت جزمة ضابطٍ يتأكد من سلامة الأمن الوطني، أما شعبنا، شعبنا لا زال طيباً وبسيطاً، يخرج من فراشه صباحاً كالحمل صبيحة عيد الأضحى، يضحك لصورة الزعيم على الشاشة ولا يسأل إذا ما كان سيذبحه اليوم أو أن دوره غداً، يغسل وجهه بالتراب حين يعزّ الماء في الأنابيب المهترئة، يخرج للشارع ليشارك في الماراثون اليومي للركض خلف لقمة العيش الكريمة، يشتمه حاجب الوزير، وحارس الوزير، وابن الوزير وزوجة الوزير، ومع ذلك يضحك، يعود من عمله إلى حضن امرأته، ليجدها مذبوحة ومعلقة فوق شرعة حقوق المرأة، يضحك، يتوضأ بالكسل، ويصلّي لإله جميل لا يشبه آلهة البرلمان، ويضحك، وينام.

أشعر بالبرد، مخيف هذا الصقيع الذي لا تكسره شمس الديمقراطية الأميركية التي تقوم على ضحكة حسني مبارك، وانسانية آل سعود، وحكمة سلاطين الخليج، مخيف هذا الصقيع الذي لا يذوب رغم أنف شريعة الملالي في قم والتي تعدل بين المحكومين بالشنق والمحكومين بالرجم، مخيف هذا الصقيع الذي يتمدد فوق أطرافي كجهاز أمن في زمن قوانين الطوارئ التي لم تحرر شبراً منذ ألف قرن، أشعر بالبرد، أشعر بالبرد في زمن الاحتباس الحراري والمصارف الحريرية، أشعر بالبرد في زمن ثقب الأوزون، وثقب النظام العربي الذي يغير شكل القصيدة من خيمة، إلى وكر ذئاب.

46833836v5_225x225_Front

هل لندن دافئة في مثل هذا الوقت من العام؟ يا صديقتي…

في الأنف رائحة بلادٍ يأكلها عفن الثقافة التي تمجّد الأمراء، وفي الأذن صوت سوطٍ يسلخ ضفائر النساء باسم الشرف والترف الذكوري، في العين صورٌ بالأبيض والأسود لبلاد نسيها قوس القزح، ولم يغزل فوقها ألوانه منذ زمن، في اليد بقية من خريطة مزقها السماسرة، وتركوا لنا فتات الهوية ورماد القضية، قدماي في الريح، تبحث عن وكالة حصرية لتجارة السفر، خذوني إلى بلاد الدفء، خذوني إلى خريف يوازن بين التين وبين الليمون، بين الريح وبين الحزن، بين المطر وبين الضوء، خذوني إلى خريفٍ يخترع ألف سبب للدفء، ولا يقتل ما في القلب من غضب، يربي الغضب، ويسقيه وجع المشردين على أرصفة الديمقراطيات اللعينة، والديكتاتوريات الخبيثة.

أخبريني عن لندن يا صديقتي، هل يميز العشاق فيها بين هراوات بوليس الآداب، وهراوات البوليس السياسي؟ أما هنا، فلا فارق بين الاثنين، العصا رقيب على كل شيء، أخبريني عن لندن، هل ينام كارل ماركس مرتاحاً في قبره؟ أما هنا، فنحن لا زلنا نحترف فن نبش المقابر كي نتاجر بما تبقى من دماء شهداء صنعوا المجد وسرقناه نحن، أخبريني عن لندن، هل يسمح الوضع الإقليمي بقبلة سريعة بين اثنين؟ أما هنا، فالشارع الرسمي ملك لدار الافتاء، والقبل مقننة حسب مزاج شركة الكهرباء وفاتورة حساب الجنة والنار، أما العواطف، فرهن عودة أنثى، فتحت خزنة الشعر وسرقت تاج الكلمة الجميلة، وتركتني عارياً على رصيف الرسائل الممزقة، عارياً، أشعر بالبرد.

أخبريني عن لندن، يا صديقتي، خريفها لا زال جميلاً؟ ضعي لي في حقيبة سفرك لونه الأصفر، وبقع الضباب التي تخنق الأصوات كي لا تزعج الفوضى عاشقين يصنعان طفلاً في الظلام، ضعي كل ذلك، وبعضاً من الأمل، في حقيبة، وارميها في البحر، البحر صندوق بريدنا الوفي.. البحر دفؤنا، أشعر بالبرد في الصحراء هنا، أعيريني قليلاً من دفء لندن.

Advertisements

الأوسمة: , , , , ,

رد واحد to “هنا بيروت.. هناك لندن”

  1. نور مرعب Says:

    Thank you (Y) … A!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: