ثمّ يبكي المهرّج

خضر سلامة

"لم يبق لدينا ما نعطيه.. أعطيناه أعظُمَنا وجماجمَنا.." – نشيد الموتى

كل ديكٍ على مزبلته صيّاح، تقول العجوز، وأنا مزبلتي هذا العالم يا جدّتي، فبماذا أصدح هذا الصباح؟ أأصيح بوجه الضاحكين للشمس، أن ثمة من يحبسه السجن عن الضوء، أو أنقر بمنقار الشتائم موائد المتخمين بالمال، كي يعرفوا أن هناك من يقتله الحنين إلى الطعام، بماذا أصدح هذا الصباح وماذا أغني، أأعيد على المستمعين أغنية من زمن السلاح، وأحذّر من سماسرة الشعوب والبلاد، أو أقول عشقاً، وأكشف عورات الشعراء الباعة، والقصائد المباعة؟ هذا الصباح قليل السكّر، والجسد كثير الثقوب، مدن مالحة، تهترئ فتنكسر أمام المصارف وتباع خردة عشق في حانات الليل المسماة مجازاً حكومات، العالم مزبلة، والجزّارون كثر، دولارٌ واحدٌ يكسر سيفاً، سيفٌ واحدٌ يكسر عنق أنثى، أنثى واحدةٌ تكسر قلب رجلٍ، رجلٌ واحدٌ يكسر خزينة حزبٍ، حزبٌ واحدٌ يكسر آلاف الأصدقاء، وصديقٌ واحد، يكسر رغيف خبزه، ويقدم لي حصتي من تعبه.

أصدقائي لا تموتوا، يقول درويش، وأقول: كونوا محبرةً لمن يحبكم، وحين أضعف، اصفعوني، أخبروني أن نيسان يحمل لنا دائماً كذبة جميلة، نصدقها، ونعيش على خمرها عشرون عاماً جديداً، ككل الشعارات التي ركضنا خلفها، حتى فقدنا أقدامنا في الشوارع، وفقدنا الشوارع، ككل الثورات التي خططنا لها، ووجدناها معروضة للبيع في صحف اليوم التالي، أقنعوني بكأسٍ من البلاهة، أن هناك كوكب آخر، لم يمسسه رجسٌ من عمل الأميركان، ينتظرنا، أصدقائي، أنتم آخر الأنبياء في قومي، عمّدوني بماء الحب، ثم ودّعوني، كي أحمل معجزة الضحك في زمن الطاعون، إلى كل حزين، وأبشر بعد موتي بالقيامة، قيامة كل ما هو يحتضر.

Untitled

أفريقيا تجلس في زاوية الفقر وتنسج ثوباً لتستر به جثةً قديمة، آسيا تفتح سهولها لبورصات الأيدي العاملة المتعبة، أوروبا تستقبل الهاربين إليها بأعواد المشانق، أمريكا تغطي تناقض شمالها وجنوبها بمعطف ديزني، قطبين صقيعهما يفرض قانونه على قلوب الأغنياء، فأين أقف، وأين أصيح، أأقف على حافة الهاوية، وأودع من أحب قبل أن أسقط، أو أقف على قمّة التفاؤل قبل أن أيأس بقليل، من يشتريني بوعدٍ براحة من أحب، من يشتري الأحرف المرقعة بياسمين اللغة، بقبلة من فتاة أصدقها حين تقول أنها لم تندم حين قبلتني، من يشتري فرَحي، ببكارة وطنٍ لا يفضّها ألف هولاكو، أو زعيم واحد، أبيع المتبقي من زيت قنديل الأمل، لمن يعطيني كل هموم الشعوب، كي أضم الحزن في كفني، وأترك خلفي عالماً يرقص كإله هندوسي يخترع الحياة كل يوم، ولا يعرف طعم الألم.

يا شعبي، كُن أليفاً مع الفقراء، متوحشاً مع الآلهة المزورة، حطّم أصنامك كي تبني بحطامها قصوراً للمشتردين، وملاعباً للاجئين إلى عطفك، جِع جيداً، كي أراك وأنا معلقٌ في أحذية أبنائك تراباً بعد أن ركضوا على قبري، كي أراك تأكل لحم مغتصبيك ولا تسامحهم.

يا أنتِ، كوني سعيدة حيث أنتِ، سرّ العروبة نسائها، والسر لا يليق الحزن به، جليلة أنتِ في حبّك حين تخبئينه عن عيون الشاعر الذي يكتب فيك، كي لا ينجرح باسم آخر يخرج من فمك كزنبقة، أو كي لا ينتشر خبر الانكسار في المدينة كجرثومة تخافين أن تصبح فضيحة، كوني كأي ليلى، تقدم ضفائرها لطهاة الأنوثة وجلاديها، كي تستمر القصيدة، ولا ينقرض العشاق في القبيلة.

يا بحري، إبلع كل الأساطيل الذاهبة لسرقة النفط، أو تهريب القمح، أو ابتكار الحروب، أعد بوسايدون كي يعاقب كل من يتجرأ على جرح الوفاء بخنجر الخيانة، أخرجه كي يحارب كل من جعلوك مرفأً للتجارة، لا حقلاً لزنود البحارة، وكن سريراً للنورس وحده كي يصنع فيك حرية.

يا منزلي، شدّ جيداً على أسراري، شهوتي الأولى، قصيدتي الأولى، سيجارتي الأولى، كن مخزن رصاصٍ لضمير لا يتوب عن الحلم، ولا يذوب في جحيم يكبر يكبر، ويبسط هولوكسته فوق جماجم الأطفال النائمين على خديعة الحمام في أغاني الأمهات.

يا أنا، كن لي مرةً واحدة، لا للآخرين، كي أصيح من فوق ركام هذا العالم المزبلة، بكل ما فيّ من ياسمين: "لا تمت قبل أن تكون نداً!"

 

Advertisements

الأوسمة: , , , , ,

5 تعليقات to “ثمّ يبكي المهرّج”

  1. fadi Says:

    جميل جداً …رائع كما عودتنا.
    على خديعة الحمام في أغاني الأمهات.

  2. عبير Says:

    مرّتين قريتها .. وبعدها الدهشة ذاتها ..
    وبتعرف شو؟ حسيت حالي عم بسمع صوت مش عم بقرا كتابة!
    خاتمة النصّ ماكانتش متوقّعة، إلي عالقليلة .. حلوة حلوة.

    تحيّة كبيرة
    من قلب بعدو صغير

    ضلّ إنت

  3. Yassin Says:

    خاطرة و كأنها رسالة الرسل إلى أوفيائهم. جميلة جداً !

    تحيّة

  4. شادية Says:

    مررت من هنا واستقر شيء ما

    متل صعقة !
    موجعة عنجد

  5. أبو حجر Says:

    وأنت تفكر بالأخرين البعيدين فكر بنفسك ..قل ليتني شمعة في الظلام …فكر بغيرك ..
    نقرأ فنشعر بأن القيد قد حطم المعصم …فهل يمكن ؟
    ويل لمن خان الصديق ..ويل لألف صديق قد ترك الحزب مرمياً على قارعة الشوارع ..يبيع المواقف…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: