في حنجرة محمد منير

خضر سلامة

لسه الأغاني ممكنة

كانت تقول: السماء هنا تبكي يا صديقي، واللون يميل إلى العتمة، قلت لها: افتحي أذنيك للريح، ويديك للسحاب، وضعي في فمك أغنيةً يرقص عليها الغجريّ حين تطل عليه سيوف المعابد كي تسرق منه اللحن، وتعطيه كاتم الصوت، يخلع ما عليه من قيود الظلم والظلام، ويسكب الضوء على وجه القمع ويقول: "علّي صوتك بالغنا.. لسه الأغاني ممكنة.. ممكنة"

كل شيءٍ ممكن، الصمت ممكن، والأغاني أيضاً، علينا أن نختار جيداً ما نريد، أن نكسر دائرة السكون، ونبايع واو العطف أميرةً جميلة للغة وللحب أيضاً، أو أن نقبل أن نوضع في قفص اللون الأبيض، ونسقط حين نسكت، الأغاني ممكنة، يمكنهم، وهم الممسكون بشرعة الحلال والحرام، أن يضعوا الأغلال في يد المغني، وقفل السكين على فمه، لكنهم لن يستطيعوا أن يصادروا الفكرة، ولا كلمات الأغنية القادمة، التي سيكتبها، حين تولد الشمس، غداً، أو بعد غد، أو في السنة الألف لميلاد القمع، الأغاني ممكنة، ونحن أيضاً، ممكنون، الإنسان فينا مجرد احتمال، بعضنا يحققه، بعضنا لا يفعل.

رفاقي، لا تتركوا العود وحيداً، أخاف أن يصبح عود مشنقة، ويعلقكم أحفاد أبو لهب عليها حين تتركوه، فلتمسكوه جيداً، ولنغنّ..

يا حريّة!

"ضميني خديني أنا لاجئ.. ولأول مرة بكون صادق.."

يا شجرتي الأخيرة في بيروت، ضميني كباقة وردٍ في يد عاشق ينتظر حبيبة لن تأتِ أبداً إلى موعدها، ضميني، ثم خذيني إليك غصناً يهتف للربيع، كزند عامل كان يهتف للثورة، فصار يهتف بحياة سارقه، عيّنيني لاجئاً سياسياً إلى لونك الأخضر، كوني مخيماً لنا، نحن الشتات الأخير، نحن الممزقون في الأرض بلا أرض، نحن المتشردون على الرصيف بلا أحذية، نحن العارون إلا من الكرامة، في مدينة عارها زيٌ رسمي لأبنائها.. لأول مرة أكون صادقاً: "جوايا قلبي شجر مقطوع.."

vlcsnap-88966

بيروت، ماذا أفعل فيكِ؟ خصّبتك بقصيدة شعر صباح اليوم، فأنجبت في المساء مذبحة جديدة للطيور، لقّحتك بكلمة حب، فتقيأت باطوناً على وجه شتل التبغ في الجنوب… ماذا أفعل بكِ؟

سأحبك أكثر، علّك تعقلين!

"يلّي انتِ حبك حرية… في العشق، آه، ولا شيء ممنوع"

مساكن شعبية!

"أنا قلبي مساكن شعبية"، أؤجرها لكل ثغرٍ مغلق، كي يصرخ من مكبّر شراييني، فيزعج الشرطة الحاكمين، وأقول لهم: "ارحلوا، هذا الثغر يسكنني، وسأقطع كل يدٍ تمتد على فمٍ كي تسكته، لا صمت في بلادي.أما "الاسم الكامل: انسان" يكفينا ذلك، يكفي أن يكون كل منا انسان، قدمين تطبقان جيداً على التراب، وتحملانه إلى ألف مفاجأةٍ جديدة، يكفي أن يكون في كلٍ منا انسان لا يكبر، يتمسك جيداً بألعاب الطفولة، بالدمى، ويرى كل مشهد من حوله فيلم كرتوني، يستحق الضحك، فلنضحك يا أصدقائي!

مساكنٌ شعبيةٌ قلوبنا، نوزعها على المجانين الذين يلاحقهم العقلاء بكارثة الواقع البشع، نعطيهم صك غفرانٍ، لا يعدهم بجنة السماء، بل بجنة الأرض، ولو في لوحة على الحائط، تقنعنا أن عالماً جديداً، سيكون غداً، أريد قلبي سلةً، كي أجمع الأوراق الصفراء عن وجه مدننا، وأضعها في خانة التذكار، كي نبقى أوفياء للصيف، أو أريده صنّارة صيد، ينظّف أذن البحر من عبث السفن بموجه، أريد قلبي جناح طير، يغزل في الغيم قبلةً في سماء صبيّة تتنزّه على شاطئ المتوسط وتركل الرمال وتأكل الجبال، بعينين تبحثان عن رسالة حب جديدة، كي تلعب بقلب صاحبها لعبة الشوق.

منير، يا صديقي، سأصبّ لك الشاي، غنّ قليلاً، كي يطل عليك الفقراء من شرفاتهم، ويلوحون لك بمناديل الطرب، تراقص كسنبلة في جهنّم مصر، كوتر عود في حرب لبنان، يا صديقي الأسمر، ارمِ لي طبلاً من النوبة، وتعال بإكليل ياسمينك، كي نغنّ، للحرية، للموسيقى، للأنثى، لكَ أنت ولي، ولكل متعب.

Advertisements

الأوسمة: , , , , ,

2 تعليقان to “في حنجرة محمد منير”

  1. عبير Says:

    “الأغاني ممكنة، ونحن أيضاً، ممكنون، الإنسان فينا مجرد احتمال، بعضنا يحققه، بعضنا لا يفعل”.

    رائع النص خضر!

  2. صرخــات أبـــو حجـر Says:

    رائعة جداً يا رفيق ….
    ولسا الأغاني ممكنة ولن نترك العود للظلمات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: