مفيستوفليس يشتري كل شيء

خضر سلامة

إلى س. م. – وآخرين أعرفهم أو لا أعرفهم من النازحين من غربة الوطن إلى غربة جديدة، رفاقي الذين يجمعون حقائبهم ويرحلون يوماً بعد يوم، هاربين من جحيم الوطن.
مفيستوفليس في الأسطورة الفاوستية هو رمز الشيطان الذي يحمل بيده كتاباً، يضع فيه أسماء من يشتري أرواحهم.

من قال أن الأقوياء، لا يتلفتون إلى الوراء؟ من قال أنهم لا يُشعلون خشب الأسماء القديمة التي تشير إلى كل زاوية بقصّة، والذكريات المعتّقة ككأس نبيذٍ يخرج من تحت أقدام العذارى في صقلية، يشعلونها كي يضيئوا بها قنديل الليل، فالحزن، والفرح، والبسمة الدافئة في وجهٍ عابرٍ في البال، أو الدمعة المحنّطة على فعل ماضٍ ناقص، كل هذه التفاصيل الصغيرة، نجومٌ في سماء كل قويّ. من قال أن الأقوياء لا يبكون؟ هم يغسلون غبار الآخرين بالدموع ويلمّعون أحذية المارة بما تبقى من ماء في بئر العين، من قال لا يضحكون؟ هم يكنسون الفكرة بالفكرة ويغلقون على الشفة السفلى بخجل الشفة العليا: الأقوياء هم الأقوياء، الصادقون مع عواطفهم، الصريحون بالبكاء كما هم صريحون بالصراخ، الجريئون بالرقص كما هم جريئون بالكتابة، الأقوياء هم أبناء الماضي الأبرار، وصناع المستقبل الجميلون، والخارجون من رزنامة الحاضر ليعلنوا من على رصيف الشارع قيام دولةٍ جديدةٍ كل ثانية: جراحهم، خريطة البلاد بعرضها وطولها.

الأقوياء أصدقائي، أعرفهم من بقايا الهراوات فوق أجسادنا حين كنا نزور أطفالاً، كعاصفة من غضب، الأرض المحتلة بالسفارة الأمريكية، الأقوياء هم، أعرفهم من اللون الأسود الغارق في الحلم، حين يكبر الحديث عن الفقراء ونصبح نحن الحديث، أعرفهم من وتر العود في حناجر نجمعها حطباً للسهرات، ونغنّي لأي شيء: للحب حين يغيب فيكبر حضورنا في بعضنا، للوطن يعرج في الصحيفة ونحن عكازه في الأغنية، لنا، أعرفهم، وأخاف نسقط فنقول: كنّا! أعيد حساب الأيّام، اجتياح العراق، عوكر، عيد العمّال، جمّول، الغلاء، غزة، تمّوز… من يكمل اللائحة غداً، ويسجّل الهزائم الجديدة، والانتصارات الحزينة، حين ترحلون يا رفاقي؟

Untitled

هذا عصر السوق الحرة، كل شيء يباع ويشترى، بدولارٍ واحدٍ أشتري ربطة خبز، وبربع ذلك أشتري صوت صديقٍ في الهاتف، الخبز أغلى من الأمومة والعواطف، عصر السوق نحن، معلّقون كالأبقار على حبال الغسيل الوطنية، معروضون للبيع في مزادات شركات الإعلان، ذاك يُباع بوجبة سريعة، وتلك تشتريها وكالة سفريات، تجمعون حقائبكم، تهربون من هذا الجحيم الكبير المكتوب على بابه: قطعة سما، تهربون من الحريق المستمر في طول البلاد وعرضها، جامعة رسمية يحتلها الصحابة الجدد، ويحكمون الغابة الجديدة بعين القمع، وزارات تفتح كمغارة علي بابا أحشائها لثلاثين لصاً، وتغلق نفسها على أنفاس الشباب الحالمين بغرفة وشجرة ياسمين واحدة، دولة تصدّر أبنائها، وتستورد السوّاح وأجهزة المخابرات، تهربون من الحريق، وتتركون بعضاً من أجسادكم هنا: رفاقكم، نحبكم أيها الحاضرون فينا، أغلقوا على نفسكم ستار المسرح، خذوا قيلولة المحارب التعب، جرّبوا فيروز بوجهها الحزين حين تشرق من نافذة المنزل في الغربة، وعودوا بعد ذلك بعام، أو أكثر، كي نذبح ما تبقى من قناني النبيذ قرباناً للضحك، عودوا، لا تتركوني جريحاً بكم، لا تتركوني مسيحاً يحمل وزر الخطايا عن شعوب الظل كلها، أخاف عليّ إن لم تكونوا، أخاف على أطفالٍ لم يأتوا بعد، إن لم تعودوا.

فقط حين ننقرض، فقط حين يهرب آخر زندٍ من آخر اعتصام يسأل الدولة عن عنوانها، حين تخرج آخر ضفيرة كانت تغني للفقراء وللاجئين وللحرية وللعلمنة من الكادر، فقط حين ينتهي هذا الجيل المتعب بأحلام تشيخ وتكبر ثم يثقبها النظام اللبناني بالغدر، فقط حين تُقطع آخر زهرة غاردينيا كانت تظلّل الشعب برائحة جميلة، فقط حينها، سأقول عنك يا وطني: مزبلةً كبيرة.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , ,

3 تعليقات to “مفيستوفليس يشتري كل شيء”

  1. ظمـــأ Says:

    وجع الوطن هنا
    وودع ارض اخرى باسم اخر
    .
    ( مزبلة كبيرة )
    لن نصل لهذا المصطلح يا صديقي وان امتلئ الكأس لن نصل

  2. salimallawzi Says:

    أنتم سائرون بسرعة مع تيارِ نهرِ الحياة فلا تَلْتَفِتُون نحونا,

    أما نحن فجالسون على الشاطئ نراكم ونسمعكم.

    أنتم لا تَعُونَ صُرَاخَنَا

    لأنَّ ضَجِيجَ الأيَّام يملأ آذانكم,

    أما نحنُ فنسمَعُ أَغَانيكم

    لأنَّ هَمْسَ الليالي قد فَتَحَ مَسَامِعَنا.

    نحن نراكم لأنَّكم واقفون في النُّورِ المظلم,

    أما أنتم فلا تَرونَنَا لأنَّنا جالسون في الظلمة المنيرة.

    نحن أبناء الكآبة.

    نحنُ الأنبياء والشعراء والموسيقىون…

    وأنتم – أنتم أبناء غفلات المسرات ويقظات الملاهي

    نحن نبكي ودمُوعُنا تنسكب في قلب الحياة مثلما

    يتساقط الندى من أجفانِ اللَّيل في كَبِدِ الصَّباح,

    أما أنتم فتبتسمون ومن جوانِبِ أفواهكم المبتسمة

    تنهَرِقُ السُّخرية مثلما يسيل سُمُّ الأفعى على جرح الملسوع.

    نحن نبكي لأننا نرى تعاسةَ الأرملة

    وشقاءَ اليتيم,

    وأنتم تضحكون لأنكم لا ترون غيرَ لمعان الذهب.

    نحن نبكي لأننا نسمَعُ أنَّة الفقير

    وصراخَ المظلوم,

    وأنتم تضحكون لأنكم لا تسمعون سوى رنَّةِ الأقداح.

    نحن نبكي لأن أرواحنا منفصلة بالأجساد عَنِ الله,

    وأنتم تضحكون لأن أجسادكم تلتصق مرتاحة بالتراب

  3. abir Says:

    waaaaaaaaaaaaawwwww

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: