من يغسل العالم؟

خضر سلامة

لسنوات خلت، علمتني فرنسا مهنة غسل الصحون في مطاعم الأغنياء، امتهنت ذلك: كنت أستعير يديّ من معول الكتابة، وأأخذ إذن الشعر، كي أذهب ليلاً لأنظف ما نجسه المترفون في نومهم الوسخ على جوع الأفارقة المرميين فوق رصيف الدعارة، أعطتني فرنسا أطباق العشاء كل يوم لسنوات، كي أغسلها مما تبقى من الحصص المسروقة من جعب المنتظِرين في طوابير مخيمات اللجوء، نظفت كل ذلك بيدين من كحل، وأعطيتها قلبي كي تغسله، فأعادته إليّ متسخاً بكل ما في هذا العالم من قضايا: لطخة قيء من فم طفلٍ شردته معارك الأنبياء في الصحارى، بقعة دم من شريان امرأة ذبحها الشرف العربي المهدور في السفارات، ثقب رصاصة عبرت في صدر فدائي في جنوب أمريكا، ثم حوّله القتلة إلى شعارٍ جديد لمطعم جديد، نظفتُ أطباق فرنسا جيداً، وألبستني غبار العالم جيداً، ثم سألتُ باريس ذات ليلة: "من يغسل هذا الطبق الكبير، من يغسل هذا العالم يا تفاحتي الجميلة؟"، "المطر" قالت باريس.

من يغسل العالم؟ بعد أن يأكل منbanksy-nola-printه الأثرياء، فيتركون الفتات فوق يابسته، ويبولون على بحره؟ فعلاً، هذا العالم تنقصه النظافة، اللون الرمادي يأكله، رمادية بيروت حين لا تعرف أي الشوارع هيَ: شارعٌ أعمدته مهترئة، يخنق سكانه بهمّ الحجارة المسكوبة حطاماً كقصيدةٍ عتيقة، أم شارعٌ يبشّر بنبيٍ يأتي على فرسٍ خضراء، ويلقب بالدولار، رماديٌ هذا الوطن حين يكون جميع أبنائه شهداء، وجميعهم عملاءُ أيضاً، رماديٌ هذا القلب حين يكره ويحب، ويشتم ويكتب غزلاً، ثم رماديٌ هذا الشعب حين يقول "سأفعل"، ويجيئه ابن وزيرٍ، كي يفعل به، رمادي حبري، حين لا يعرف كيف يقدم للقارئ قافيةً جديدة، فيكرر قافية المقال الأخير، كل شيء رماديّ، وأنا، أريد قوس قزح، من يبيعني لوناً كي أخرج شارلي شابلن من ملل التكرار في لون ياقة بذلته؟ أو كي أنقذ ضحكة غوار من شحوب الشاشة؟ من يعيرني أحمراً كي أقول للأحزاب المتساقطة، هؤلاء شهداؤك، أو أصفراً كي أقنع الخريف أن لا يتخلّ عن عاداته الجميلة، أخضراً كي أكون بكامل حروف اسمي الثلاثة، أو أزرقاً، كي أعيد البحر صندوقاً فيه حكايات الأنبياء السُمر.

الآن أعرف مشكلة هذا العالم، يحتاج إلى عصير الجنة، إلى مطر يغسله، والمطر قليل هذا العام، جافٌ هذا القرن وتحكمه أعراف الصحراء، يحتاج إلى صابون الشعر، والشعراء لا يزالون ينتحرون كل يوم خوفاً من المستقبل، ولا يموت فيهم إلا ماضي البلاد الجميل، يحتاج إلى خرقة كي يمسح الأطفال بها زجاج الكوكب من دخان سجائر الكبار، والأطفال فيه لا يحملون إلا الأسلحة ليقتلوا ما تبقى فيهم من بكاءٍ خفيف، هذا العالم وسخ، من يغسل العالم؟

يداي متعبتان، جذور يديّ يابسةٌ، في تراب بلادٍ يشبه الملح ويأكلني، كفّاي أصغر من أن أحضن بهما كوكباً يهرول صوب الاختناق، باريس، أحتاجك، عمّديني في نهر السين كي أخرج نوحاً جديداً، فأنقذ القصائد والإناث والطرب والأحصنة، من لعنة الرمال… من يغسل العالم؟ لو أن لنا في السماء إلهٌ يحبنا… لو أنه ينفخ فينا روحاً مرةً أخرى، لو أن له ولدٌ آخر، يصلبه أصحاب الهيكل، فيصلبهم بالحب، لو أن الحب يخرج من الأحلام، من يغسل العالم؟ أحلامنا؟

ربما!

Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

6 تعليقات to “من يغسل العالم؟”

  1. عبير Says:

    ربما ليس لنا في السماء إله يحبّنا، لكن لنا في القلب أحلاما قادرة دوما على ولادتنا من جديد، كي نغسل العالم، لأننا نحن المطر.

    وردة لأحلامك الحلوة

  2. h100 Says:

    اتحفنا من يراعك و إغسل العالم بمدادك لعلنا يا خضر في عالم الشعر نبقى اوفياء للقافية ,ولو أردت من صديق لك كلمةً ،لا تفيق من سبات شعرك لأن النوم بعده مر كالعلقم

  3. رضا حريري Says:

    ذكرتني بفيلم مارتن سكورسزي سائق التاكسي لما يقول روبرت دينيرو جلته الخالدة:

    في الليل تخرج جميع انواع الحيوانات,العاهرات,التافهون,المدمنون,االحشاشون والمرضى والمرتشين.
    يوما ما مطر حقيقي سيهطل ويغسل كل هذه القذارة من الشوارع

  4. Hachem Says:

    قد أعاني من لون عينيك
    إن حل علي كالمطر
    و غسلني في مدينة تكره نفسها
    أنا مجرد طفل أحمق
    لا اكف أردد هذا
    لك أولا
    لأنني عدت و لم أجدك بإنتظاري
    كما وعدتني دائما
    لأنني لست مجرد صفحة كئيبة
    أو سطر مبتل الكلام
    و غير مقروء من تاريخك البذيء
    و لكنني جريمتك المتكررة بإبتذال
    تلك المدينة العاهرة حين شاخت
    لم تجد سوى القوادة
    لتستمر بعرض ما بين فخديها
    لرجال يتحدثون بلهجة بدوية
    عن قفاها البض الكبير
    و فنون إدخال العملة الخضراء فيها

  5. yasare Says:

    yehlo hiree nchallah b mouto kil shi fi aghniya w 2iqta3iyye w burejwaziyye
    tabban lahon jamee3an……
    yalli byeghsilon howde killon thawra 7amra

  6. Houssam Says:

    تقاتل البشر منذ وٌجدواعلى هذا الكوكب (بغض النظر عن كيفية تواجدهم) هو الذي أشعل العالم بالطبقية و الحقد و الترف…لنا في السماء اله يحبنا لكن للأسف نحن البشر الأنانيون لا نحب أنفسنا….
    أما بيروت,فحدث ولا حرج……بيروت أم التناقضات….شعب بيروت يعتقد أنه أصل الوجود و البشرية, و في الحقيقة هم مجموعة تناقضات أوجدتها أحداث تاريخية لا قيمة بتواجدها…
    الترف يملأ جانبا” من المدينة. و الجانب الأخر فيه “فقراء و مشردون و أطفال يتسكعون و زوجين لا يعرفا لما تواجدا سويا” و هناك أيضا” المهاجرين في أوطناهم و ما أكثرهم في زماننا”…
    فكثيرون هم “المغتربون في وطنهم”….و أفتخر بأنني منهم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: