هذا الحزن الكثير

خضر سلامة
إلى صديقي حسين ش.

الساعة الآن الواحدة، بيروت ستلفظك إلى البعيد الكثير بعد أقل من نهار، وأكثر من سنة، ستقول يا حسين، أنها رحلة الخروج من بطش فرعون فينيقي، إلى الصحراء الكبيرة، سأقول لك، أنت لست موسى، لست نبياً، أنت أكثر من ذلك بكثير، أنت صديقي، نجمةٌ تزرعها الريح في جبين الكوكب، وأرى فيك وجه إله يحمل همّ الكون، وينظّم السير في طرق القدر السريعة.

تعال نتقاسم هذا الرغيف الأخير، سنقول أنه من بقايا اعتصام باعه سماسرة اليسار يا رفيق، تعال أخبرني النكتة الأخيرة، كي نضحك الضحكة الأخيرة، قبل أن تغرق أنت وأمك وأخاك في البكاء، وبعض الرفاق أيضاً سيبكون، وبعضهم سيضحك، كي لا يشمت بنا العابرون، أو كي نسرق رغم المرارة، ابتسامتك العنيدة، كلا، بل تعال نخترع شتيمة جديدة لفخامة الرؤساء الثلاثة، وسعادة النواب ومعالي الوزراء، تعال نشوّه وجه البطالة بسكين السخرية، ونرقص فوق الديون بفنجان شاي على الرصيف، أو كزدورة في شارع "المثقفين"

هذا زمن الهجرة من اليأس إلى البؤس، سأخيط لك قميصاً من أرض الضاحية المرسومة بالحفر، كي لا تنسى وجه الأرض، سأعطيك باقةً من ياسمين الجنوب، لأنك أكثر الجنوبيين سقوطاً في حب الياسمين، أو قنينة فيها رائحة الخمر والعنب، ورائحة القبل الكثيرة التي تأت مع كل سلام، كي تتأكد أنت جيداً من عدد أصدقائك، قل ماذا تريد في حقيبة سفرك؟ خذ زعتراً كي لا يحكمك ملح الحزن، خذ تفاحة، كي تتذكر شهوة اللقاء المؤجل قليلاً، ثم خذ وعاءً كبيراً، كي تضع فيه البلاد والخرائط والحدود والعسكر والحزن والقصائد والخطابات وجوازات السفر، كي تضعها كلها في الوعاء، ثم ترميه في البحر، لأن فيك كل ذلك أنت، حسين.

sasasasa

أتعلم، هذه البلاد تضع في حليب طفولتنا، سمّ شفتيها، فيُقال لنا هذا طعم الانتماء، تلفّ طفولتنا بخرقٍ من ضفائر شعرها المتهادي علماً وطنياً فوق الأبنية الرسمية، وفي ملاعب الكرة، وعلى منابر النواب السفلة، ويُقال لنا هذا حدود الدم، علاقة خطيرة بلادنا، لا تخرج إلا من مسامات العرق، على شكل احتضار بطيء، لا ينتهي، إلا بوداع ثقيل، وانتظار طويل، وبكاء كثير، نشفى منها حين نخرج منها، تصبح في البعد أحلى، لأننا لا نرى ثقوبها الكثيرة، وشعوبها المتناحرة، وكذب حكامها المتناسل كالنمل في قمحنا، ستقول بلادي هي حنجرة فيروز لا أقل من ذلك، بلادي صوت أمي على الهاتف لا أقل من ذلك، بلادي سلام من صديق يأت من الشاشة ليرفرف كدوريّ على شباك صباحي، لا أقل من ذلك.

رفيقي، صديقي، صفعتك البلاد بكفّ أمك حين ربتت على كتفك، صفعتك البلاد بكفّي حين سلّمتك مفتاح الصبر، ليس وداعاً ما أكتب، بل رثاء مبكر لمئات من بعدك، سنترك لافتة على باب مطار بيروت تقول، نرجو من المسافر الأخير من هذه الأرض ، أن يغلق باب الوطن خلفه، هذا رثاء مبكر لنفسي، أما أنت، فعدّل نظارتيك، أغمض عينيك، وارسم بلاداً تستحق الحلم، غير أسماء الشوارع وسمّها باسم الأصدقاء، لأنهم أبطال هذا الفيلم الذي عشناه ونعيشه، فكّر في كل شيء جميل، في عليّ يعد السنوات الخمس عشر من صداقتكما، في سامر وهو يراجع كل إشكال تافه بينكما، في أحمد وهو يدافع عن ما تبقى من اليسار الجميل، في حسين وهو يجاريك في البسمة، في محمّد وهو يغزل الضحك بمنول البسمة، فكّر بكل شيء جميل، بكل من أحبّك، وقل، هذه بلادي، الناس وما فيهم من فرح.. "ما بلادي هيي بلادي.. ناس وبيت وزوّادة"

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , ,

2 تعليقان to “هذا الحزن الكثير”

  1. Abir Says:

    كلّ من يحنّ إلى مدينة يعود إليها. ولكن ماذا يفعل من يشتاق إلى مدينة لم تعد موجودة إلاّ في خرائب الذاكرة؟؟

  2. ali bassal Says:

    يلعن ربك يا خضر…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: