Archive for 21 فبراير, 2011

حرّية –أونلاين–

21/02/2011

خضر سلامة

هذه الشاشة اللعينة، تتصيدني كطير سنونو من مساحات البحر الخاوية من الهم، وتعيدني إلى البر الجميل طفلاً يحبو على جبين أرضه، ويتعلّم درس اللغة الفصحى، ليكتشف العلاقة الخطيرة بين التراب وبين القتيل، وبين السماء وبين الزند، أحصي عدد الرفاق القتلى، مزادٌ علني هذا النظام العربي الخبيث: خمسون لتونس، مئة لمصر، لملك البحرين عشرون، للجالس كالمزبلة على تاريخ اليمن عشرة، للملتف كأفعى على عنق الأردن بعضهم، لتجار الدين حصّة من الدم… هذه الشاشة اللعينة، تربطني إلى جذع النخيل، تعلّمني ما ترك لنا الأسلاف من أغاني الحرية، نشرة الأخبار تكسر الصدأ عن الكلمة القديمة، وصوت الشاهد العيان الساقط سهواً من المجزرة ينفض الغبار عن اللحن.

كم أودّ لو أن بيدي مفتاح الوصول إلى كفّ أبي القاسم الشابي، ليعيد رسم خريطة تونس، على شكل قصيدة جديدة، لو أن بيدي خريطة الطريق إلى وتر الشيخ إمام، ليعيد تقسيم النشيد الوطني لمصر على مقام الحرية، لو أنّ بيدي شيئاً من رفات عمر المختار، لأنثره على وجه ليبيا طرحة عرس تنهي رزنامة المشانق، لكني في زمن العولمة، مستهلِكٌ برتبة مشاهِد، وليس بيديّ إلا جهاز تحكم، وقلَم، وكتب تاريخٍ، حان وقت تنقيحها: هؤلاء الزعماء، أخطاءٌ مطبعية، لا أكثر.

IsmetVoljevica

ثم، كيف أقيس الخبر، بمسطرة بيروت؟ لكل طاغية هنا، شرعيته، ولكل قصرٍ أزلامٌ كثيرون، ولكلّ رصاصة في صدر الفكرة الحرة، ثمانية عشر تبريراً، وسبعون عاماً من الاستقلال المرّ الكئيب المفصّل على حجم السفارات الشقيقة والصديقة، أما المنافي، فهي حكرٌ على الفقراء، كيف أقلب عرش الهجرة على رؤوس صنّاعها، كيف أمنع أصدقائي من خطب التنحي عن الهويّة في منبر المطار، وكيف أكسر الحصار عن الرغيف وأضعه حول عنق المجلس النيابيّ، ثم كيف أقول أن النظام هنا هو الحكومة وهو المعارضة، وهو الجالسون على مقعد اليأس و”النق” المزمن أيضاً.

وأعرف، باسم الشعوب الخارجة كمواكب فرح إلى القتل، والنصر، أن في الأرض ما يكفي من الحجارة لرجم أصنام العروش، وأن في السماء دوماً زرقة تشفي العيون الباحثة عن أمل، وأن ما بين السماء وما بين الأرض، ما يكفي من الزنود لهدم الهيكل، وما يكفي من الأكتاف ليضع الوطن رأسه، وينام بعد السجن الطويل.

أخوتي أبناء أرضكم، الثائرون في بلادكم، بلادنا، أخاف أن يصيبنا داء الخبَر، أن يصبح غضبكم كغضب أطفال فلسطين، خبراً عادياً يملأ المقدّر من وقت النشرة، كأخبار الطقس، أن يصبح موتكم كموت العراقي، خانة جانبية في صفحة الوفيات اليومية المعروضة للعرب، أخاف السقوط المخيف في التحليل السياسي، وفي فواصل الإعلان على الشاشة، فاخرجوا من عدّادات القتلى، وصيروا عدّاد الحرية، للطغاة الأمس فعل ماضٍ ناقصٍ، ولكم اليوم فعل مضارعٍ كامل الأناقة والضمّة فيه ضمّة ورد، ولنا، نحن المنتظرون، حرف “سوف”… ولسَوف يفعل.

Advertisements

ثورة البحرين: سنشرب من دمّ الملك!

18/02/2011

خضر سلامة

للرفاق في البحرين، ولأرواح الثائرين والثائرات القتلى بنار الشرطة البحرينية من جهة، وبسفالة القنوات العربية من جهة أخرى، أعلن تضامني مع ثورة البحرين، وأهديها هذا النص، رداً على التآمر العربي الشامل ضدها.

– “شو في أكبر من الملك؟”
– “ما شي”
– “بالزبط، الـ ما شي، أكبر من الملك”
مسرحية هالة والملك


تعالوا أدلّكم على القاتل يا أصدقائي، يرى نفسه في المرآة ملكاً للبحرين، ونراه نحن على الشاشة بشاربٍ يعوّض ما غاب عنه من المروءة، هذا الملك آخر ما تبقى من لعبة الشطرنج في الخليج، تعالوا أدلّكم على القاتل، أسميه حمداً في البحرين، عبد الله في السعودية، عبدٌ آخرٌ في الأردن، تعالوا: كشّرت مشيخات العرب عن أنيابها، وابتلعت شعب البحرين، الدمّ يكاد يغطي وجه كاميرات الشاشات التي اختارت المواجهة، بينما هربت قنوات أخرى من الحقيقة، واختبأت أخرى خلف قناع الطائفية، الثورة واضحة المعالم، هؤلاء ليسوا شيعة، ليسوا سنة، ليسوا بشراً، المتظاهرون بنظر الملك أقلّ من حيوانات، أما الملك، فهل يعرف أنه بنظر المتظاهرين أيضاً، أقلّ من ذلك بكثير؟

p24_20110217_pic2

أتهمه، حمد بن عيسى، أيّه الساقط كغرابٍ ضربته الشمس بكفّ الحرية، فغاب لونه في ضوء القضية، هذا الملك الصغير الصغير، أمام مارد كبير، كسر قمقم المسدّس، وخرج من فوّهة القذيفة المسيّلة للدموع وللأمل، وقال: هنا لا يعيش الملك، يسقط يسقط يسقط.

حمد بن عيسى، لا يحتاج إلى معجم طائفي لفهمه، قتلى الشوارع واضحون في موتهم، هذا الدم شديد الوضوح، والثقب الذي تركته الرصاصة في رأس العجوز الستيني، واضح أيضاً، لا يحتاج بن عيسى إلى معجم طائفي لفهمه، هذا أكثر الملوك غرقاً في القتل، هاتوه من عقاله، جروه من شاربه الذي يدل على نكسات العرب ونكباتهم، هاتوه من عباءته التي تخبأ ما بقي في الصحراء من غبار التاريخ، هاتوه إلى محرقة الشارع، صورة الملك تحترق، هذه أول بشارات الثورة، اليوم تحترق يا حمد في الصورة، وغداً، تحترق بك القصور.

الشعب اليوم في الشارع، بعضهم في المقابر يعالج موته بدواء المجد، آخرون على بوابة المستشفى يسجلون عهر وزير الصحة، أما من تبقى منهم، يقاتلون البندقية بالكف، يهددون الطوافة العسكرية ببكاء الطفل، يواجهون الدبابة بالقدم العارية، ويضعون الحذاء على وجهك الملوّن بالعار، والحذاء، أيها الملك الأخير، الحذاء أكثر تجذراً في الأرض.

فقراء بالجملة – وزراء بالمفرّق

15/02/2011

خضر سلامة

حسناً، دعوني أساعدكم في تشكيل الحكومة، ليأخذ من يريد وزارة الداخلية، سنبيع نحن ما تبقى من ثيابنا الداخلية، لنسدّ الباقي من ديوننا، ثمّ لا تنسوا وزارة الشؤون، اتركوا لنا الشجون، وحرية التنقل في السجون، والحق بليلة مجون واحدة في الشهر، تنسينا همّ الوطن، وبعد أن تتفقوا على وزارة العمل، سنجلس نحن في قهوتنا الفقيرة، كي نقطف السؤال الغامض في نشرات الأخبار وأحوال الفقر: ما العمَل؟

وبعد، لكم وزارة الصحّة، ولنا السؤال البسيط عن الصحة يخرج من فمٍ جار إلى أذن جارٍ ينطق كذباً: ماشي الحال.. تقتسمون وزارة الثقافة، ونحن نأخذ الثقافة، ثقافة الانتماء الحقّ إلى كل أرضٍ لم تزرعوا فيها سفارة أجنبية، ولكم وزارة التربية، ولنا ما تبقى من أبناء نربيهم على فكرة الرفض.. لكم وزارة الخارجية، ولنا نحن الخارج كلّه، اغتراباً وذلاً.

dictator_187315

ووزارة العدل؟ تأخذونها أيضاً، ونأخذ نحن عدالة الرغيف، هذه الحصة لي، وتلك لصديقي الباحث عن عمل، والأخيرة لصديق آخر يسبح باسم نعم البنك الدوليّ علينا، ووزارة الدفاع لكم، ولنا الدفاع المستمر عن حقنا بقول لا، وحقنا بالخروج من قصور الطوائف إلى أكواخ الوعي، ثم وزارة الشباب والرياضة، ونحن الشباب المتعبون من رياضة الركض خلف وظيفة تلعب لعبة ال"غميضة".

من ستعينون وزير دولة؟ من أين ستأتون له بدولة ليكون وزيراً عليها؟ ثم بعد رئيس وزراء السوليدير، يا سيادة رئيس وزراء السيليلولير، هل سيواظب وزير المالية فقط على أن يكون وزيراً على ما ليَّ، أم ما لكَ أنتَ وزملائك الأثرياء أيضاً؟

سأرشدكم إلى الحلّ: ليأخذ الموالون حقيبة الصناعة، والمعارضون حقيبة الزراعة، ونحن، سنأخذ حقيبة السفر!

وخُذ ما يُدهش الطاغية

05/02/2011

خضر سلامة

وأسأل نفسي، ببلاهة محاربٍ قديم يتفقّد أوسمته ليتأكّد جيداً من ذاكرته: هل للطغاة حواسٌ خمس، مثل جنس البشر؟ هل يتفقدون الشاشة بعيونهم كما نفعل، فيرون التعب؟ هل يفتحون أنوفهم صباحاً على الشرفة، فيتنشقون رائحة الحطَب؟ هل يفتحون آذانهم عند المغيب، فيسمعون الغضب؟ هل يمدّون أيديهم في الريح، فيلمسون اللهب؟ هل ينطقون بنفس اللغة التي اكتوت بها قصائد العرب؟ أم أنّهم من جنسٍ لا يعرف إلا الهرَب؟

من صوت الملايين التي تشتري الكرامة بالموت، يهربون إلى صوت الحاشية التي تبيع الكرامة بالدولار، من وسخ الشارع الحامل أسرار الأكواخ يهربون، إلى بلاط القصر الذي يفضح ما في المصارف من أسرار، يهربون، من أحلام الأطفال الحفاة على رصيف الوطن، إلى نوادي المعجبين المعروضين على لوائح الأسعار، من تذاكر الباصات المكتظة برائحة العرق الساخن، يهربون، إلى تذاكر الطائرات الهاربة صوب بلاد الغبار.. الطغاة أسرع الهاربين إلى اللعنة، وأسرع الساقطين من الذاكرة، حين يطويهم العار.

Ramadhan Mubarak 2

هذه يوميّات الطاغية الأخيرة، لا يستيقظ صباحاً، لأنه لا ينام، يحتلّه الأرق ويمزّق راحته بخنجر الخوف، يحصي حراسه حول سرير نومه، ويراقب حركات السلاح في أيديهم، يبحث في الشاشة الرسمية عن كذبةٍ لا يصدقها، ويودّ لو يصدقها ثمانون مليون غيره، يخرج إلى المرآة، فيرى صورة ثلاثين سنةً قتيلةً من عمر التاريخ، تتهمه بالقباحة، تخنقه صورته، ويكتّفه ظلّه إلى الأرض، يودّ لو أنه أقوى، أشدّ، ثلاثون عاماً من الملك، لا تكفي لكي تصبح إلهاً يا فرعون. يغسل كفيه بدم شهيد جديد، ويتوضّأ بالنجاسة، ويعيّن مفتياً جديداً يبيح له نكاح الحريّة ويحرّم قول "لا"، يلعب الشطرنج مع قائد عسسه: يزيح وزيراً ويحضر آخر أقصر قامة وأقلّ عاطفة، يطلق حصاناً ليلعب بالموت فوق أرض الغاضبين، يكسر جمجمة فيل الشعب بحجارة قصره، يعقر كل ملكٍ آخر، ثم يبقى وحده فوق الرقعة، منكسراً، عالقاً بين الأسود والأبيض، بين يد الشعب ويد الشعب.

وحين يسقط الديكتاتور الأخير؟

سيصبح الحب أكثر إشراقاً، يصبح الورد عينين شرعيتين لشيخٍ أعمى، كان يودّ لو يزرع عوده وتداً في عنق المخبر الأخير الذي سيعلن نهاية عصر الطوارئ، وتصبح الدماء، محبرةً لشاعرٍ تعب من محو اسمه عن قصائده، خوفاً من نظّار القصيدة ونواطير الكلمة، سيعود الحب أكثر إشراقاً، يعود صوت خرير النيل أعلى من صوت تامر حسني، وهامة النخيل أعلى من هامة السوط، وشال الصعيدي أهمّ وأنقى وأطهر، من بذلة السفير الاسرائيلي، سنرى الحب أكثر إشراقاً، ونرى الديكتاتور معروضاً في المتحف حطباً لنار التجربة، وعنوان مقدّمةٍ في قاموس المزبلة، والجنود معلّبون في أقفاص التصدير نحو أنظمة أخرى يحرسوها من حنق المتسخين بالفقر، والعلم الوطني فيه ثمانون مليون طير، خرجوا من قفص الطير الواحد، وسلموا أجنحتهم للريح، وصنعوا الحضارة.

الطاغية لا يموت قدراً، لا يموت إعداماً… الطاغية يموت غيظاً.

هذه الثورات لم تُصنع في أميركا

01/02/2011

خضر سلامة

دفاعاً عن الثورة التونسية والمصرية والحركات الاحتجاجية الحقيقية ضد الأنظمة المزوّرة. :

إذاً، فعل الشعب التونسي، ومن ثم المصري، أعجوبة الحتمية التاريخية لأي طاغية، لفّ المعجزة بورق الهدايا، وجعلها عنواناً جميلاً لعام 2011، موقفاً تسلسل النكبات منذ ستين عاماً، ومغيراً قليلاً من قواعد اللعبة: المنافي لم تعد سجناً للأحرار، بل أصبحت قيود سجّانهم.

800px-freedom

تغلّبت تونس على وحشها، والهبّة المصرية التي فاجأت أجهزة العادليّ وأسلحته وحاشية مبارك من كبار اللصوص الملقّبين رجال أعمال، لم تكن حركةً ضربةً فقط لما كان يسمى، الرجعية العربيّة، أو للنظام الرسمي العربي بشكل عام، بل كان ضربة أيضاً للمتساقطين من الأحزاب اليسارية والخطوط الوطنية، والمتخلّين عن الشعارات، والذين انهزموا نفسياً بخيار ذاتي في السنوات الأخيرة، مسلّمين بنهاية التاريخ على ذمّة فوكوياما، فانتقلوا من خانة النشاط السياسي إلى النشاط الاجتماعي غير مسيّس وغير مؤدلج، أو غيّروا مواقعهم تماماً ليتبنوا خيارات السلطة، ويصبحون في بلاط الملوك أرقاماً زائدة، وكان من الطبيعي، أن ينبري هؤلاء، بالاشتراك مع بعض الأبواق الأخرى، سواء عن سذاجة أو عن خبث أو عن خوف من هزيمة خياراتهم، لطرح نظرية مريضة، هي بكون ما جرى ويجري في تونس ومصر وبلاد أخرى، عمل أمريكي تسعى من خلاله الإدارة الأمريكية، لإحداث تغيير في وجوه حلفائها وإدخال دماء جديدة للأنظمة المحليّة التابعة لها، وهذا ما سنحاول الرد عليه في هذه الأسطر، عبر تبيان الفروق المهمّة التي تميّز الحركة الاحتجاجية الأخيرة، عن الحركات الاحتجاجية التي تبنتها الخارجية الأميركية في العقد الأخير.

1. كانت المظاهرات المقامة برعاية شركة الإعلانات ساتشي أند ساتشي، والمدفوعة الأجر من قبل زبانية السفارات الأميركية في ثورة التوليب – قرغيزيا، ثورة الأرز – لبنان، ثورة الزهور – جورجيا، الثورة البرتقالية – أوكرانيا وغيرها، تقوم على تنظيم ممكنن للشعارات والتصاميم، فتبدأ الثورة بشعار واحد موحد، أو لون موحّد، مع إعلانات ضخمة بكلفة خيالية، وهذا ما خلت منه الحركتين التونسية والمصرية، والتي بدت العفوية في أدوات الاحتجاجات من شعارات مكتوبة بخط اليدّ، وعدم وجود حملة إعلانية حقيقية ماليّة، مصاحبة للحركة.

2. يطغى تعريف الثورة المخمليّة على مجمل الثورات المتبناة من قبل الماكينة السياسية الأميركية، أي أنها ثورات قائمة على تجنب العنف مع السلطات الموجودة، كما جرى في لبنان على سبيل المثال، إلا أن الثورة التونسية، والمصرية، بدأت مع إصرار مبيّت في قلوب المشاركين، أنهم سيصطدمون بالقوى النظامية من بلطجية وشرطة، ما أدى لسقوط ما يقارب المئة قتيل في تونس، والمئة ونيف إلى اللحظة، في مصر، ما يخلع عنها وشاح المخملية، إذ أنها قامت على مواجهة العنف الرسمي، بعنف شعبيّ مدنيّ، يطغى عليه الطابع الأنارشي في أساليب مواجهة القمع البوليسي.

3. قامت الثورات المخمليّة، وهو ما سنعتمد تسميته في موضع الحديث عن الثورات المغطاة سياسياً من الولايات المتحدّة، قامت على مركزية إدارية للثورة، هي عبارة عن تجمع أحزاب وفصائل معارضة، إلى جانب حضور قوي لجمعيات مدنيّة، ممولة من برامج الاتحاد الأوروبي والخارجية الأميركية، الثورات الشعبية التي ندرسها اليوم، تختلف عن هذا النمط بكثير، المظاهرات في تونس ومصر كانت في لحظة غضب، دون قرار مركزي، ولم تستطع المعارضة الرسمية اللحاق بركب الجماهير بل واصطدمت معهم في نقاط كثيرة، أثبتت فشل أحزاب المعارضة وعدم امتلاكها لأي سلطة على الجماهير، التي بقيت دون مركزية قيادية رغم محاولات الاسلاميين من جهة، وبعض رجال الأعمال من جهة أخرى، قطف الثمار، دون جدوى، بقيت الثورة التونسية والمصرية، شعبية قائمة على جهود أفراد غير معروفين وعفويين في حركاتهم ودعواتهم، قائمة على احتقان شعبي كبير.

4. وهنا ندرس الاحتقان، فبينما قامت الثورات المخمليّة على حسابات سياسية، واصطدام خيارات سياسية بين طرف يمسك السلطة، موال لقوى معينة، وطرف في المعارضة، معارض لهذه القوى الإقليمية، كما حال روسيا وسوريا، كان الاحتقان التونسي والمصري وما يظهر في اليمن او الأردن او الجزائر، قائم على احتقان من نوع آخر، هو احتقان معيشي اقتصادي لا يهتم بالخيارات السياسية الاقليمية والدولية، رغم محاولة البعض عن جهل أو عاطفة، الباس الاحتجاجات لبوس القومية والوطنية المفرطة المؤذية لمطالب الشعب المعيشية الذي مل من خطابات المعارضات لا سيما اليسارية الوطنية الغير ملتفتة لضرورتها الاقتصادية ايضاً، إذاً، بينما كانت الثورات المخملية اصطدام معارضة منظمة سياسياً بموالاة منظمة، كانت الثورات الشعبية اليوم، وصول المأزق المعيشي إلى حد لا يطاق، فانطلقت الاحتجاجات ليشارك فيها النخب الطلابية، والمهمشون أيضاً، وهما الطرفين المعنى مباشرة سواء بالواقع الاقتصادي، او المستقبل، لا بل يذكر هنا، أن الرد الشعبي بالاحتجاجات الدموية كانت على سياسة اقتصادية أميركية مطلقة، موضوعة من قبل تلامذة البنك الدولي في مصر وتونس.

5. كانت الثورات المخمليّة نتيجة مباشرة، رد فعل مبرمج بالطبع، على فعل قمعي، كتزوير الانتخابات في أوكرانيا وجورجيا، أو الزعم بتورط الحكومة بمقتل رفيق الحريري في لبنان، أما في تونس ومصر، فلم توجد هناك فعل حكومي مباشر أطلق القضية، بل كانت تراكماً مستمراً للقمع منذ عقود، كحال إحراق الشاب محمد بوعزيزي لنفسه، والذي كان رد فعل على فعل غير مباشر، هو الفساد الاداري والاقتصادي المستشري في البلاد، وكحال تفجر الثورة المصرية كتصاعد حتمي لحركات احتجاجية قمعت بالنار والحديد في العشر سنوات الأخيرة.

6. أخيراً، يبقى تفصيل هو الفارق الكبير بين الثورات المخمليّة المزورة التي قامت ضد أنظمة مزورة هي الأخرى، وبين الثورات الحقيقية التي تحاكي احتياجات الشعب وإيمانه بحقوقه لا شعارات فضفاضة سواء من الموالين أو المعارضين، وهي في تفاصيل إدارة الثورة المالية، فبينما كانت تتبنى بعض الجهات التمويلية، مصروف الثورات المخملية من لوجستيات وأطعمة ودعم في مواد الاتصالات وغيرها، قامت الثورات الآنية على ماديات متواضعة، يصرفها الشباب من جيبه الخاص، أو يتبرع به أصحاب المحال المحيطة بمنطقة الاحتجاجات، أو لجان طبية شكلت بين المتظاهرين أنفسهم، إلى جانب افتقاد المحتجين لقناة إعلامية تتبنى شعاراتهم ما دفعهم للجوء بشكل مطلق إلى الإعلام الفردي على الانترنت والتقليدي كالمناشير، للتواصل فيما بينهم.

إذاً، نجد في هذه الأسطر، الفوارق الكبيرة، التي تنهي نظرية كون ما يحدث في صالح، أو من فعل، الساحر الأمريكي أو الرجل الأبيض، الذي رعى نبتة الطغيان الرسمي وسقاها من خبثه الاقتصادي والسياسي لعقود ثلاث خلت، حان قطاف رؤوسها اليوم، بأيد شباب سبقوا المعارضات العفنة، المتهالكة، أو المتآمرة، وأحرجوا العالم وأخرجوه من حسابات الداخل.


%d مدونون معجبون بهذه: