هذه الثورات لم تُصنع في أميركا

خضر سلامة

دفاعاً عن الثورة التونسية والمصرية والحركات الاحتجاجية الحقيقية ضد الأنظمة المزوّرة. :

إذاً، فعل الشعب التونسي، ومن ثم المصري، أعجوبة الحتمية التاريخية لأي طاغية، لفّ المعجزة بورق الهدايا، وجعلها عنواناً جميلاً لعام 2011، موقفاً تسلسل النكبات منذ ستين عاماً، ومغيراً قليلاً من قواعد اللعبة: المنافي لم تعد سجناً للأحرار، بل أصبحت قيود سجّانهم.

800px-freedom

تغلّبت تونس على وحشها، والهبّة المصرية التي فاجأت أجهزة العادليّ وأسلحته وحاشية مبارك من كبار اللصوص الملقّبين رجال أعمال، لم تكن حركةً ضربةً فقط لما كان يسمى، الرجعية العربيّة، أو للنظام الرسمي العربي بشكل عام، بل كان ضربة أيضاً للمتساقطين من الأحزاب اليسارية والخطوط الوطنية، والمتخلّين عن الشعارات، والذين انهزموا نفسياً بخيار ذاتي في السنوات الأخيرة، مسلّمين بنهاية التاريخ على ذمّة فوكوياما، فانتقلوا من خانة النشاط السياسي إلى النشاط الاجتماعي غير مسيّس وغير مؤدلج، أو غيّروا مواقعهم تماماً ليتبنوا خيارات السلطة، ويصبحون في بلاط الملوك أرقاماً زائدة، وكان من الطبيعي، أن ينبري هؤلاء، بالاشتراك مع بعض الأبواق الأخرى، سواء عن سذاجة أو عن خبث أو عن خوف من هزيمة خياراتهم، لطرح نظرية مريضة، هي بكون ما جرى ويجري في تونس ومصر وبلاد أخرى، عمل أمريكي تسعى من خلاله الإدارة الأمريكية، لإحداث تغيير في وجوه حلفائها وإدخال دماء جديدة للأنظمة المحليّة التابعة لها، وهذا ما سنحاول الرد عليه في هذه الأسطر، عبر تبيان الفروق المهمّة التي تميّز الحركة الاحتجاجية الأخيرة، عن الحركات الاحتجاجية التي تبنتها الخارجية الأميركية في العقد الأخير.

1. كانت المظاهرات المقامة برعاية شركة الإعلانات ساتشي أند ساتشي، والمدفوعة الأجر من قبل زبانية السفارات الأميركية في ثورة التوليب – قرغيزيا، ثورة الأرز – لبنان، ثورة الزهور – جورجيا، الثورة البرتقالية – أوكرانيا وغيرها، تقوم على تنظيم ممكنن للشعارات والتصاميم، فتبدأ الثورة بشعار واحد موحد، أو لون موحّد، مع إعلانات ضخمة بكلفة خيالية، وهذا ما خلت منه الحركتين التونسية والمصرية، والتي بدت العفوية في أدوات الاحتجاجات من شعارات مكتوبة بخط اليدّ، وعدم وجود حملة إعلانية حقيقية ماليّة، مصاحبة للحركة.

2. يطغى تعريف الثورة المخمليّة على مجمل الثورات المتبناة من قبل الماكينة السياسية الأميركية، أي أنها ثورات قائمة على تجنب العنف مع السلطات الموجودة، كما جرى في لبنان على سبيل المثال، إلا أن الثورة التونسية، والمصرية، بدأت مع إصرار مبيّت في قلوب المشاركين، أنهم سيصطدمون بالقوى النظامية من بلطجية وشرطة، ما أدى لسقوط ما يقارب المئة قتيل في تونس، والمئة ونيف إلى اللحظة، في مصر، ما يخلع عنها وشاح المخملية، إذ أنها قامت على مواجهة العنف الرسمي، بعنف شعبيّ مدنيّ، يطغى عليه الطابع الأنارشي في أساليب مواجهة القمع البوليسي.

3. قامت الثورات المخمليّة، وهو ما سنعتمد تسميته في موضع الحديث عن الثورات المغطاة سياسياً من الولايات المتحدّة، قامت على مركزية إدارية للثورة، هي عبارة عن تجمع أحزاب وفصائل معارضة، إلى جانب حضور قوي لجمعيات مدنيّة، ممولة من برامج الاتحاد الأوروبي والخارجية الأميركية، الثورات الشعبية التي ندرسها اليوم، تختلف عن هذا النمط بكثير، المظاهرات في تونس ومصر كانت في لحظة غضب، دون قرار مركزي، ولم تستطع المعارضة الرسمية اللحاق بركب الجماهير بل واصطدمت معهم في نقاط كثيرة، أثبتت فشل أحزاب المعارضة وعدم امتلاكها لأي سلطة على الجماهير، التي بقيت دون مركزية قيادية رغم محاولات الاسلاميين من جهة، وبعض رجال الأعمال من جهة أخرى، قطف الثمار، دون جدوى، بقيت الثورة التونسية والمصرية، شعبية قائمة على جهود أفراد غير معروفين وعفويين في حركاتهم ودعواتهم، قائمة على احتقان شعبي كبير.

4. وهنا ندرس الاحتقان، فبينما قامت الثورات المخمليّة على حسابات سياسية، واصطدام خيارات سياسية بين طرف يمسك السلطة، موال لقوى معينة، وطرف في المعارضة، معارض لهذه القوى الإقليمية، كما حال روسيا وسوريا، كان الاحتقان التونسي والمصري وما يظهر في اليمن او الأردن او الجزائر، قائم على احتقان من نوع آخر، هو احتقان معيشي اقتصادي لا يهتم بالخيارات السياسية الاقليمية والدولية، رغم محاولة البعض عن جهل أو عاطفة، الباس الاحتجاجات لبوس القومية والوطنية المفرطة المؤذية لمطالب الشعب المعيشية الذي مل من خطابات المعارضات لا سيما اليسارية الوطنية الغير ملتفتة لضرورتها الاقتصادية ايضاً، إذاً، بينما كانت الثورات المخملية اصطدام معارضة منظمة سياسياً بموالاة منظمة، كانت الثورات الشعبية اليوم، وصول المأزق المعيشي إلى حد لا يطاق، فانطلقت الاحتجاجات ليشارك فيها النخب الطلابية، والمهمشون أيضاً، وهما الطرفين المعنى مباشرة سواء بالواقع الاقتصادي، او المستقبل، لا بل يذكر هنا، أن الرد الشعبي بالاحتجاجات الدموية كانت على سياسة اقتصادية أميركية مطلقة، موضوعة من قبل تلامذة البنك الدولي في مصر وتونس.

5. كانت الثورات المخمليّة نتيجة مباشرة، رد فعل مبرمج بالطبع، على فعل قمعي، كتزوير الانتخابات في أوكرانيا وجورجيا، أو الزعم بتورط الحكومة بمقتل رفيق الحريري في لبنان، أما في تونس ومصر، فلم توجد هناك فعل حكومي مباشر أطلق القضية، بل كانت تراكماً مستمراً للقمع منذ عقود، كحال إحراق الشاب محمد بوعزيزي لنفسه، والذي كان رد فعل على فعل غير مباشر، هو الفساد الاداري والاقتصادي المستشري في البلاد، وكحال تفجر الثورة المصرية كتصاعد حتمي لحركات احتجاجية قمعت بالنار والحديد في العشر سنوات الأخيرة.

6. أخيراً، يبقى تفصيل هو الفارق الكبير بين الثورات المخمليّة المزورة التي قامت ضد أنظمة مزورة هي الأخرى، وبين الثورات الحقيقية التي تحاكي احتياجات الشعب وإيمانه بحقوقه لا شعارات فضفاضة سواء من الموالين أو المعارضين، وهي في تفاصيل إدارة الثورة المالية، فبينما كانت تتبنى بعض الجهات التمويلية، مصروف الثورات المخملية من لوجستيات وأطعمة ودعم في مواد الاتصالات وغيرها، قامت الثورات الآنية على ماديات متواضعة، يصرفها الشباب من جيبه الخاص، أو يتبرع به أصحاب المحال المحيطة بمنطقة الاحتجاجات، أو لجان طبية شكلت بين المتظاهرين أنفسهم، إلى جانب افتقاد المحتجين لقناة إعلامية تتبنى شعاراتهم ما دفعهم للجوء بشكل مطلق إلى الإعلام الفردي على الانترنت والتقليدي كالمناشير، للتواصل فيما بينهم.

إذاً، نجد في هذه الأسطر، الفوارق الكبيرة، التي تنهي نظرية كون ما يحدث في صالح، أو من فعل، الساحر الأمريكي أو الرجل الأبيض، الذي رعى نبتة الطغيان الرسمي وسقاها من خبثه الاقتصادي والسياسي لعقود ثلاث خلت، حان قطاف رؤوسها اليوم، بأيد شباب سبقوا المعارضات العفنة، المتهالكة، أو المتآمرة، وأحرجوا العالم وأخرجوه من حسابات الداخل.

Advertisements

الأوسمة: , , ,

9 تعليقات to “هذه الثورات لم تُصنع في أميركا”

  1. Sarah Abdel Halim Says:

    عنجد مقال ممتاز، من أفضل ما كتبت، ويشكل رد صريح وواضح لمن يشبهون الثورات الاستعراضية showbiz revolutions كما أحب تسميتها، بثورتَي مصر وتونس. سوف أفسبك المقالة.

    سارة

  2. Fasil Salaheddine Says:

    مقال رائع.. يجدر التنويه بأن الثورة التونسية قدمت حوالي ال ٢٢٠ شهيداً.. والثورة المصرية قدمت أكثر من ٣٣٠ شهيداً حتى الآن..

  3. Saleh Says:

    Great analysis. Well written. I totally agree

  4. القط Says:

    تحليل ممتاز جدًا و يعيد النقاط على حروفها.
    إنها ثورة الشعوب و ليس ثورات فلكلورية. و لذلك لا بد لها أن تنتصر!

  5. رَمْ Says:

    جميل رفيق. لسنا في مصر لكننا نحاول أن نواكب ما يجري ليس بالعاطفة فقط وإنما بالتحليل الرصين وآمل أن تستمر بذلك.

  6. abed mansour Says:

    100 % right…
    مقال مميز جدا وخاصة عندما ميز بين الثورات.

  7. abed mansour Says:

    بوركت على هذا المقال ألذي وضع الاصبع على الجرح وبين الحقائق

  8. Kamal Elkaraki Says:

    Good article but you should not ignore the fact that AMERICA is supporting these revolutions since it realized that the systems they supported for years are really rotten and deteriorated which is of GREAT HELP ..

  9. ثوراتنا والسفير الأميركي « أراك صباحاً.. Says:

    […] أيضاً: خضر سلامة: هذه الثورات لم تُصنع في أميركا السيد حسن نصر الله يتضامن مع الثورات […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: