وخُذ ما يُدهش الطاغية

خضر سلامة

وأسأل نفسي، ببلاهة محاربٍ قديم يتفقّد أوسمته ليتأكّد جيداً من ذاكرته: هل للطغاة حواسٌ خمس، مثل جنس البشر؟ هل يتفقدون الشاشة بعيونهم كما نفعل، فيرون التعب؟ هل يفتحون أنوفهم صباحاً على الشرفة، فيتنشقون رائحة الحطَب؟ هل يفتحون آذانهم عند المغيب، فيسمعون الغضب؟ هل يمدّون أيديهم في الريح، فيلمسون اللهب؟ هل ينطقون بنفس اللغة التي اكتوت بها قصائد العرب؟ أم أنّهم من جنسٍ لا يعرف إلا الهرَب؟

من صوت الملايين التي تشتري الكرامة بالموت، يهربون إلى صوت الحاشية التي تبيع الكرامة بالدولار، من وسخ الشارع الحامل أسرار الأكواخ يهربون، إلى بلاط القصر الذي يفضح ما في المصارف من أسرار، يهربون، من أحلام الأطفال الحفاة على رصيف الوطن، إلى نوادي المعجبين المعروضين على لوائح الأسعار، من تذاكر الباصات المكتظة برائحة العرق الساخن، يهربون، إلى تذاكر الطائرات الهاربة صوب بلاد الغبار.. الطغاة أسرع الهاربين إلى اللعنة، وأسرع الساقطين من الذاكرة، حين يطويهم العار.

Ramadhan Mubarak 2

هذه يوميّات الطاغية الأخيرة، لا يستيقظ صباحاً، لأنه لا ينام، يحتلّه الأرق ويمزّق راحته بخنجر الخوف، يحصي حراسه حول سرير نومه، ويراقب حركات السلاح في أيديهم، يبحث في الشاشة الرسمية عن كذبةٍ لا يصدقها، ويودّ لو يصدقها ثمانون مليون غيره، يخرج إلى المرآة، فيرى صورة ثلاثين سنةً قتيلةً من عمر التاريخ، تتهمه بالقباحة، تخنقه صورته، ويكتّفه ظلّه إلى الأرض، يودّ لو أنه أقوى، أشدّ، ثلاثون عاماً من الملك، لا تكفي لكي تصبح إلهاً يا فرعون. يغسل كفيه بدم شهيد جديد، ويتوضّأ بالنجاسة، ويعيّن مفتياً جديداً يبيح له نكاح الحريّة ويحرّم قول "لا"، يلعب الشطرنج مع قائد عسسه: يزيح وزيراً ويحضر آخر أقصر قامة وأقلّ عاطفة، يطلق حصاناً ليلعب بالموت فوق أرض الغاضبين، يكسر جمجمة فيل الشعب بحجارة قصره، يعقر كل ملكٍ آخر، ثم يبقى وحده فوق الرقعة، منكسراً، عالقاً بين الأسود والأبيض، بين يد الشعب ويد الشعب.

وحين يسقط الديكتاتور الأخير؟

سيصبح الحب أكثر إشراقاً، يصبح الورد عينين شرعيتين لشيخٍ أعمى، كان يودّ لو يزرع عوده وتداً في عنق المخبر الأخير الذي سيعلن نهاية عصر الطوارئ، وتصبح الدماء، محبرةً لشاعرٍ تعب من محو اسمه عن قصائده، خوفاً من نظّار القصيدة ونواطير الكلمة، سيعود الحب أكثر إشراقاً، يعود صوت خرير النيل أعلى من صوت تامر حسني، وهامة النخيل أعلى من هامة السوط، وشال الصعيدي أهمّ وأنقى وأطهر، من بذلة السفير الاسرائيلي، سنرى الحب أكثر إشراقاً، ونرى الديكتاتور معروضاً في المتحف حطباً لنار التجربة، وعنوان مقدّمةٍ في قاموس المزبلة، والجنود معلّبون في أقفاص التصدير نحو أنظمة أخرى يحرسوها من حنق المتسخين بالفقر، والعلم الوطني فيه ثمانون مليون طير، خرجوا من قفص الطير الواحد، وسلموا أجنحتهم للريح، وصنعوا الحضارة.

الطاغية لا يموت قدراً، لا يموت إعداماً… الطاغية يموت غيظاً.

Advertisements

الأوسمة: , , ,

4 تعليقات to “وخُذ ما يُدهش الطاغية”

  1. حسين رمّال Says:

    هلّق للحالة الشاعرية البهية للنص ما بيصح يمكن الإجابة إلا بالصمت، بس رح حاول خبّص.

    سألت حالي ذات السؤال بشكل شامل اكثر: هل هؤلاء من بني البشر أصلاً؟
    والجواب، بلى
    أما بخصوص سؤالك صديقتي: هل للطغاة حواس خمس، والجواب كمان نعم للأسف، ولكن حسب ما تلتقطه حواسهم ومِن مَن؟
    كلنا منعرف عن بن علي وعائلة زوجته وتأثيرها… يعني هو بالمبدأ رجل عادي متلنا متلو، ولكن حصر حواسه بمجموعة من الناس (عائلة زوجته وما شاكل)
    واللامبارك أيضاً بشري طبيعي بالمبدأ ولكنه بالتالي حواسه اجتاحتها المادة والجشع ومغريات الدنيا والكرسي والمال، والأفق لنظره صار محدود بهل الأشيا…
    انحّل، تلف، ذابت القيم الإنسانية والروحية بزيف المادة..

    خليني اسكت، وقول كخلاصة الله يبعدنا عن المال والجاه ويخلينا هيك بشر حواسنا ما الها حدود وفكرنا ما الو افق محدود… أمل وحب وحرية
    وقلّك العوافي والتحية
    خيي

  2. القط Says:

    “الطاغية لا يموت قدراً، لا يموت إعداماً… الطاغية يموت غيظاً.”
    رائع، رائع يا خضر كالعادة!
    الطاغية يموت غيظًا و هو يرى شعبه ينتفض و يطرده. الطاغية يموت غيظًا و هو يهرب على متن طائرة تحوم فوق البحار و لا يجد من دولة تستقبله.
    هذا مصير كل الطغاة.. إنها ليست إلا مسألة وقت.
    تحياتي.

  3. الإمبراطور سنبس Says:

    الطغاة يعيشون في عالم آخر
    لم نعشه نحن العاديون جداً و لن نعيشه

    مفهومهم للخبز .. للدم .. للفرح .. و للحزن مختلفة تماماً عن مفاهيمنا .. لا استغرب أن لم اجد شعبا واحدا في العالم رضاياً عن حكامه

  4. sarat Says:

    لن أهلل للموت ولن أروي ظمأ حريتي بالدماء حتى لوكانت من عروق الطغاة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: