حرّية –أونلاين–

خضر سلامة

هذه الشاشة اللعينة، تتصيدني كطير سنونو من مساحات البحر الخاوية من الهم، وتعيدني إلى البر الجميل طفلاً يحبو على جبين أرضه، ويتعلّم درس اللغة الفصحى، ليكتشف العلاقة الخطيرة بين التراب وبين القتيل، وبين السماء وبين الزند، أحصي عدد الرفاق القتلى، مزادٌ علني هذا النظام العربي الخبيث: خمسون لتونس، مئة لمصر، لملك البحرين عشرون، للجالس كالمزبلة على تاريخ اليمن عشرة، للملتف كأفعى على عنق الأردن بعضهم، لتجار الدين حصّة من الدم… هذه الشاشة اللعينة، تربطني إلى جذع النخيل، تعلّمني ما ترك لنا الأسلاف من أغاني الحرية، نشرة الأخبار تكسر الصدأ عن الكلمة القديمة، وصوت الشاهد العيان الساقط سهواً من المجزرة ينفض الغبار عن اللحن.

كم أودّ لو أن بيدي مفتاح الوصول إلى كفّ أبي القاسم الشابي، ليعيد رسم خريطة تونس، على شكل قصيدة جديدة، لو أن بيدي خريطة الطريق إلى وتر الشيخ إمام، ليعيد تقسيم النشيد الوطني لمصر على مقام الحرية، لو أنّ بيدي شيئاً من رفات عمر المختار، لأنثره على وجه ليبيا طرحة عرس تنهي رزنامة المشانق، لكني في زمن العولمة، مستهلِكٌ برتبة مشاهِد، وليس بيديّ إلا جهاز تحكم، وقلَم، وكتب تاريخٍ، حان وقت تنقيحها: هؤلاء الزعماء، أخطاءٌ مطبعية، لا أكثر.

IsmetVoljevica

ثم، كيف أقيس الخبر، بمسطرة بيروت؟ لكل طاغية هنا، شرعيته، ولكل قصرٍ أزلامٌ كثيرون، ولكلّ رصاصة في صدر الفكرة الحرة، ثمانية عشر تبريراً، وسبعون عاماً من الاستقلال المرّ الكئيب المفصّل على حجم السفارات الشقيقة والصديقة، أما المنافي، فهي حكرٌ على الفقراء، كيف أقلب عرش الهجرة على رؤوس صنّاعها، كيف أمنع أصدقائي من خطب التنحي عن الهويّة في منبر المطار، وكيف أكسر الحصار عن الرغيف وأضعه حول عنق المجلس النيابيّ، ثم كيف أقول أن النظام هنا هو الحكومة وهو المعارضة، وهو الجالسون على مقعد اليأس و”النق” المزمن أيضاً.

وأعرف، باسم الشعوب الخارجة كمواكب فرح إلى القتل، والنصر، أن في الأرض ما يكفي من الحجارة لرجم أصنام العروش، وأن في السماء دوماً زرقة تشفي العيون الباحثة عن أمل، وأن ما بين السماء وما بين الأرض، ما يكفي من الزنود لهدم الهيكل، وما يكفي من الأكتاف ليضع الوطن رأسه، وينام بعد السجن الطويل.

أخوتي أبناء أرضكم، الثائرون في بلادكم، بلادنا، أخاف أن يصيبنا داء الخبَر، أن يصبح غضبكم كغضب أطفال فلسطين، خبراً عادياً يملأ المقدّر من وقت النشرة، كأخبار الطقس، أن يصبح موتكم كموت العراقي، خانة جانبية في صفحة الوفيات اليومية المعروضة للعرب، أخاف السقوط المخيف في التحليل السياسي، وفي فواصل الإعلان على الشاشة، فاخرجوا من عدّادات القتلى، وصيروا عدّاد الحرية، للطغاة الأمس فعل ماضٍ ناقصٍ، ولكم اليوم فعل مضارعٍ كامل الأناقة والضمّة فيه ضمّة ورد، ولنا، نحن المنتظرون، حرف “سوف”… ولسَوف يفعل.

Advertisements

الأوسمة: , , ,

3 تعليقات to “حرّية –أونلاين–”

  1. عبث Says:

    لا شيء .. سوى أن قلوبنا تنحني لهم وبعجز يداري عجزه .. لأرواحهم التي تحررت ولهتافاتهم التي صمّت آذان التخاذل فينا …

    أخجل من نفسي لأن شعبي وأنا مازلنا نتفرج ثم نعود إلى سقم حياتنا المعتادة, ودّي بقطرة من دماء الشهداء الثّّوار .. علّها تُحيي شعوب الخليج التي أكسبتها البحرين ألقاً لم تعرفه قبلاً ..

    أقحوانة خجلى لك يا مواطن ..
    سعودية بلا وطن … علّنا نصبحُ يوماً عليه .. ربما .. ذات زمن

  2. القط Says:

    وللأوطـانِ في دمِ كلِّ حُرٍّ يدٌ سلفت ودينٌ مستـحقُّ
    ففي القتلى لأجيالٍ حيـاةٌ وفي الأسرى فِدىً لهُمُ وعتقُ
    وللحريةِ الحمـراءِ بـابٌ بكل يدٍ مضرَّجـَةٍ يُـدقُّ

    تتغير الأزمة، و يبقى النضال بابًا لكل حر، و تبقى الحرية هدفًا لكل شريف.
    تحياتي خضر.

  3. Rafa Almasri Says:

    مستهلِكٌ برتبة مشاهِد،
    ن يصبح موتكم كموت العراقي، خانة جانبية في صفحة الوفيات

    الصور التي ترسمها …رائعة
    بالتوفيق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: