لننفض الغبار عن الخريطة

خضر سلامة

القلب قنبلة موقوتة، أعدّها رجلٌ تبقى من الزمن الجميل، أسمّيه أبي، يقنعني أن في السماء متّسعٌ دائماً لعصافير جديدة، وأن الشرفات ستختنق يوماً بفكرة القفص، القلب قنبلة، وهذا الوطن هدفٌ شرعي للتفجير: أفجّره بمفرقعات الأطفال، وكل يومٍ لا يُعصى المبدأ فيه، عيد، ألغّمه بكلمة حب، بالأمل الذي لا يموت، بروح التفاؤل التي لا تصطادها البنادق ولا الهراوات ولا الفتاوى، بصوت الريح يهز جبال الطوائف، وثقبٍ صغير تركه مسمار القصيدة في عرش الزعيم، مسمارٌ يأرّخ للسقوط الأكيد، ولو بعد حين.

أنا يا وطني ابنك العاق، فسامحني، فيّ طيش الطفولة والميل المستمر إلى التخريب، لأتعلم هندسة البناء الجديد، ابنٌ عاق، لم أتعلّم جيداً درس السكوت عن الضيم، ولا مادّة الصلاة لأصنامٍ تقدمها لنا في الشاشة كل يوم، حرف نفيٍ، “لا”، لا أكثر، في عصر الرأس المكسور، والكتف المنحنية لزعيم يركبها، والكف الممدودة لثريٍّ يسرقها، والقدم المتربعة على كنبة الهزيمة والبؤس، ابنك العاق، المحروم من الوظيفة، لأنه لم يؤد فريضة الطاعة، والمعاقب بالتكفير، لأنه يجيد السؤال عن كل شيء، والمحبوس في سجن الخوف المستمر من الغد، والخوف المورّث من الأمس، والخوف الضروري من الحاضر يطرق باب اليوم… ابنك العاق، يقرأ في البحر غضب الموج على الشاطئ وتكرار فعل الحفر في الرمل بلا تعب، ويسمع في المطر غضب القطرة على الإسفلت الذي يغير شكل الخريطة ودرس الجغرافية الأول، ويرى في الشمس غضب الضوء على الليل ووعد الفجر المستمر بنهارٍ جديد، فسامحني.

Banksy_2

هذا بيان اعتذاري عن كفري بكل شيء، علمك الوطني، أيقونة لجيل مات وترك لنا الخيبة، أرزة لا تسأل عن فعل سماسرة الأرض بكل شيءٍ أخضر، لونان للأحمر، شهداء لهذه الطائفة، وشهداء للطائفة الأخرى، ومستنقع من الأبيض الكثير الكريه الرائحة، يغطي رماد الحروب الماضية، والقادمة، بكذبة السلام وكذبة الحضارة، أما السارية، فعامود كهرباء معطّل، قسطل مياه مقطوعة، عصا رجلٍ تتحطم على خد امرأة، ساريتك، مسافة القدم بين مقعد المغادرين في المطار، والطائرة.

هذا بيان اعتذاري عن كفري بكل شيء، نشيدك الوطني، لحنٌ مسروقٌ من قافية غير موزونة، كلّنا للغربة، واللصوص لهم الوطن، ونحن في ملء عين الزمن، سيف صدئ مضبوب في علّية التصفيق لكل محتل جديد، وقلم ينتظر الشيك الجديد ليكتب، والرقابة الكثيفة كي يعبر إلى حبره، قولنا مخنوق، والعمل مؤجّل بانتظار جلاء البطالة، شيخنا مشنوق على باب المستشفى الحكومي، وفتىً يتعلم اللغة الرسمية للدولة التي ستفتح له باب الهجرة، بحره ينتظر حكم الطوائف على نفطه، وبرّه تحكمه ماشية الزعيم، حاشيته، أما اسمه، فمبتدأ لخبر الديون في صفحة الاقتصاد، وعزّه، مجازٌ يطرب له اليمين المقيم في الكذب… كلّنا للوطن، في مزاده العلني، للعُلى، مرتفعين إلى السماء لنا الأمل، للعُلى.. للألم!

هذا بيان اعتذاري، ابنك العاق، حين أبرُد، أحرق كتب التربية المدنية كي أدفأ، وحين أتعب، أتمدّد على صناديق الاقتراع المزورة بالمال وبالدين، وحين أغفو، أغطي السرير بخريطتك الرثة، وحين أضجر، أقرأ خطابات الزعماء، وبيانات التصفيق والولاء والحماقة، وأضحك!

Advertisements

الأوسمة: , , , , ,

3 تعليقات to “لننفض الغبار عن الخريطة”

  1. SawTi Says:

    روعه يا خضر! كالعاده

  2. بيسآن الفلسطينية Says:

    كلماتكـ ,خضر … اختزلت الكثير من الأحلام والكوابيس .. الأمنيات وخيبات الأمل .. الطموح واليأس..
    جميل جدا ما كتبت … أتمنى لكـ وللبنانك الحرية……… والحرية “كما تريدونها أنتم ”

    بيسان الفلسطينية

  3. salimallawzi Says:

    رائعة !!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: