حذار من الأسلمة

خضر سلامة

في خمسينات القرن الماضي، شهد العالم العربي انقلابات عسكرية بالعشرات، حوّلت البلاد والعباد إلى ثكنات عسكرية مثخنة بالشعارات الفضفاضة وبالجزمات التي، باسم الطوارئ، جعلت الحكم العسكري تطوراً طبيعياً للمجتمع، بعكس المنطق السياسي المفترض لصراع العمّال مع الحكم الملكي في تلك الفترة، وقوطبت على العمال وحركتهم، وشعاراتهم ومطالبهم، بحجة الأمن القومي، مع الوقت، اكتشف التاريخ أن هؤلاء، يساراً ويميناً، وصلوا إلى الحكم بضوءٍ أخضر أمريكي، سواء انقلبوا على واشنطن لاحقاً أو لم ينقلبوا، كان وصول العسكر إلى الهرم السياسي ضرورياً في تلك المرحلة، لتبرير عسكرة اسرائيل وكيانها المسلح من قدمه إلى رأسه، طبيعتها القتالية بررت لاحقاً بطبيعة الأنظمة حولها، المفترض أنها معادية، ولو أنها لم تخدش اسرائيل خلال ستين عاماً من الصراع، بل أثخنت شعبها العربي بالجراح.

اليوم، الشعب في الشارع، مطالب كثيرة وشعارات كثيرة، ترهل العسكر في بلاد العرب وأصبح حملاً ثقيلاً يجب التخلص منه، الشعارات اليوم ليست السلم الذي صعد العسكر عليه، لا اشتراكية ولا وحدة ولا مواجهة، هذه الشعارات الفارغة خلال قرن، خرج الطلاب والشباب حاملين شعارات الحرية، الفضفاضة، والغير محددة الشكل ولا اللون، انتصرت الثورات في تونس، الثورة الأنظف، في مصر، أما في ليبيا فاكتشف العالم المؤامرة التي نصبت من أول يوم: التقسيم! اليمن يموج النظام فيها بين عقل التخريب وعقل التقسيم، في البحرين عقرت الثورة بجهود وهابية بحتة، وفي العراق، عتم على الحراك الشبابي، أما فلسطين، فتآمر الممانعون والمعتدلون من أجل إطفاء الحراك الرافض للانقسام وقمعه في الضفة وغزة، ليختلف هناك الحماسيون والفتحيون على كل شيء، إلا على قمع الشباب، اتفقوا، أما في سوريا، فلا مصدر صريح لما يحدث، إلا تهويل النظام بالمؤامرة التي استهلك شعاراتها خلال القرن المنصرم، وانغماس المتظاهرين بمشادات طائفية، مخيفة، دون أفق بديل، في كل هذه البلاد.

u1_Muslim-image-intense-US-FLAG

بكل الأحوال، الخطر الأكبر ليس هنا، الخطر الأكبر هو في من يسمون نفسهم، إسلاميون، لا سيما في الحركة الخبيثة السرطانية التي أطلق عليها لسنوات مضت، الأخوان المسلمون، الحركة الأم للارهاب العالمي وللنفس الطائفي في المنطقة، وما انتجت من حركات منشقة أو متطرفة على يمينها، في تونس، عملت حركة النهضة على تزوير نفسها وتاريخها لتقدم نفسها على أنها حركة تغييرية، مع انها كانت عوناً لكل أشكال الأنظمة المحيطة، رفعت البخ التكفيري إلى أعلى مستوى، وبعد أن أنهى الشباب ثورتهم، خرجت إلى الشارع لتطرح نفسها ثورياً، وتقطف الاعلام والاستقطاب، فاتحة حرباً ضد الدولة العلمانية، في مصر، يلوح في الأفق شبح تسوية بين الجيش وبين الأخوانجيون، لاستنساخ مسخ الدولة التركية إلى مصر، وضعت الحركة ثقلها من أجل عدم تغيير الدستور المصري العفن، وحوّل أذنابها صعيد مصر وقراه إلى حقل تجارب للشريعة الاسلامية في ظل غياب الدولة إلى حين، وشنت حرباً ضد الشباب الذي قاد الثورة، حملة تكفير وتشويه وطعن في الشعارات الكبيرة، في ثورة مضادة تحالفت فيه مع الأمن السري والاعلام النظامي، القرضاوي، الولد المدلل للخبيث القطري واعلامه، كان مظلة الحملات المتطرفة في المنطقة، لعب دوره ضد ثورة البحرين، وفي تشويه الثورة السورية، وقطف ما زرعه حقداً وتعبئة مذهبية.

إذاً، المنطقة ماضية بقدمين مكسورتين، إلى الأسلمة المطلقة، بديلاً عن العسكرة، ليست الثورة مسؤولة عن ذلك، لأن كل ثورة من أجل الحرية هي ثورة محقة، المسؤول هي هذه الحركات الانتهازية التي تعودت أن لا تتحرك قبل أن ينتهي تعب الآخرين، لتقطف، والواضح أن ذلك يتم برعاية أميركية، ولو بالسر، أما في العلن فتترك واشنطن أذنابها ليشنون حرباً كرتونية ضد هذه الحركات، بكل الأحوال، لا يمكن فصل هذه الأسلمة المستمرة، اجتماعياً وقريباً سياسية، عن مشروع اسرائيل جديد يرث العسكرة السابقة: تهويد اسرائيل.

اعلان يهودية الكيان الصهيوني، هو الهدف، أما المبرر الأخلاقي للقرن الجديد فسيكون، اسلامية الأنظمة المحيطة، أو مجتمعاتها على الأقل، التطرف يبرر التطرف، والحقد يبرر الحقد ليصبح دائرة مغلقة: حذار من أسلمة المجتمع فكرياً وسياسياً، لأن ذلك سيكون تحت شعارات سنكتشف لاحقاً، كما اكتشفنا مع القوتلية والناصرية والقذافية وغيرها، كذبها وشكلها الفخ.

أما نحن، القارئون للمشهد، والفاقدون للقدرة على المواجهة المباشرة، فدورنا هو هنا، وضع الحدود الملائمة، وعدم القبول بتسويات كما اعتدنا، لا حلول وسط، ولا حرية لأعداء الحرية، القضية المركز هي فلسطين، وكل ما يحدث في المنطقة يدور في فلكها، لا بديل عن الدولة المدنية خارج الأشكال الطائفية، والتي تضمن العدالة الاجتماعية والمساواة لجميع أبنائها، هكذا نتصالح مع الداخل، ونواجه الخارج، لا العسكر، ولا العمامات، قادرة على المواجهة، ولا أظنهم يريدون ذلك، لأن لا مبرر للقمع إلا وجود عدو، لن يتخلوا عن وجوده، مهما بالغوا في عقائدهم وشعاراتهم، الحرية والديمقراطية الشعبية والتقدمية في حقوق المواطن الانسان، رجلاً وامرأة، تعليماً وعملاً، هي السبيل الوحيد لبناء مجتمع مدني، يحمل القدرة الطبيعية على التصدي، دون السقوط في مركزية الدين والعسكر التي نسقط فيها في كل منعطف.

Advertisements

الأوسمة: , , ,

3 تعليقات to “حذار من الأسلمة”

  1. القط Says:

    نعم، لا بديل عن الدولة المدنية. عملنا الثورة من اجل التقدم لا العودة الى الوراء في ماضي الانهزام و السقوط.

  2. ليلى Says:

    ثقافة الهزيمة .. العتبة الخضراء‏

    و تقول الحكومة المصرية التعيسة أنها تسعى لبناء أربع محطات نووية بحلول عام 2025، على أن يبدأ تشغيل أولاها في 2019 ، وأن يضيف البرنامج النووي الجديد ما يصل إلى 4000 ميجاوات !!! علما بأن تكاليف بناء 4 مفاعلات نووية حوالى 20 مليار دولار. و نشرت جريدة المصرى اليوم فى 20 سبتمبر 2010 تصريح د.حسن يونس وزير الكهرباء و الطاقة جاء فيه سيتم إيفاد 67 مهندساً مصريا إلى كل من الولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، وكوريا الجنوبية، للتدريب على التكنولوجيا النووية. وبالفعل هذا مفيد لأرسال الأصدقاء و المعارف فى رحلة مدفوعة الأجر على حساب الشعب المصرى الفقير.

    ..تكلفة مفاعل نووى جديد يبلغ 5.52 مليار إيرو ، و 300 من مراوح توليد طاقة الرياح تنتج ما يعادل مفاعل نووى و تتكلف 900 مليون إيرو فقط!!! باقى المقال ضمن مقالات ثقافة الهزيمة بالرابط التالى

    http://www.ouregypt.us/culture/main.html

  3. bahaa Says:

    شيء جميـــــــل جدا ……

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: