Archive for 26 مايو, 2011

غرفتي القصيدة

26/05/2011

خضر سلامة

غرفتي قصيدة، والقصيدة لها أربع جدران، وسقف.

في الجدار الأوّل بطاقة بلاستيكية تشير إلى شرق المتوسّط وغرب الصحراء، بيروت سنبلة تتراقص طرباً لمزمار العولمة، مدينة الشعراء والفقراء والتجّار والقتَلة والقتلى، مصنع بارود هذه المدينة، يحضّر الحريّة للتصدير، لا للاستعمال الداخلي، تعلّمك كيف تقطف الحلم من حقول التعب، وتدلّك على أقصر طريق إلى المطار، لأن لا حقيبة تتسع لحلمك إلا حقيبة السفر، في الجدار الأوّل شكل الانسان الأوّل وهو يخترع أسباباً لقتل أخيه، لدينه أو لدَينه أو للونه، أو لأنه أخاك أنتَ بالذات، على قفا هذا الوطن ختم انتداب فرنسي، يقول: انتبه، بلدٌ معدّ للتقسيم، أبقه بعيداً عن متناول الأحرار.

في الجدار الثاني، أصل اللغة وجذور ملامحك وقصة جدٍّ هرب بقبيلته من فيضان كبير، فعلق أبنائه في فيضان الحنين إلى الرمال وهي تبتكر عدناً في خاصرة العرب، اليمن السعيد، كيف أضحكه؟ وكيف أخلّصه من فكّ الجزّار الذي لا يشرب إلا بآنية عليها رقم قتلى اليوم، أنا من جبل عامل، وجبل عامل تحفة صقلها النازحون من اليمن على كتف فلسطين قبل قرون، وهذا الوحش المتقمص في شاربين على عرش اليمن، عدوّ الحرف، وصديق المجزرة، لا تتركوا، يا رفاقي، له الأرض، بل لغّموها بأسرار الصبر على السيف، إلى أن يقول السيف: انكسَرت.

IsmetVoljevica

في الجدار الثالث دمشق، تحمل ياسمين الدار في كأسٍ من الألوان وتقدمه للأطفال بعد العشاء، تحصي عدد الأحرف في الأبجدية، لتتأكد من عافية الوطن هذا اليوم، أمنٌ وطنيٌ يقتل أبناء الوطن، إسلاميون يستربون كالدود من عروق الخارجين إلى الحريّة، ليشوّهوا، كعادتهم، وجه التاريخ، تخرج هذه الطاهرة سمراء من شاطئ الاسكندرون، وتركب أجنحة الفراش لتطل على حمص اليوم، لا زالت تلهو بدالية عنب، وتغفو على كف الجولان، تنتظر زهر الرمّان، وتعرف جيداً، أنّ أسلحة الأنظمة كلها، لا تؤخر صيفاً واحداً.

في الجدار الرابع، ولد يضع النيل في كفه الأيسر ويزيح بالكف الأيمن النسر قليلاً ليرتاح هوَ على العلم، ويصدح: أنا البلاد، بلادي! في الجدار الرابع رغيف عيش، يصبح هو القضيّة والشرعية الوحيدة للملايين المتعبة من جزمة العسكر التي تفصّل النظام على قياس الظابط الجديد، وفيه أيضاً، اسم مصر، حين يختصر نشرة الأخبار بحروفه الثلاثة، فيه فنّ اللعب بالفخّار، كيف نغيّر شكل المأساة إلى نكتة جديدة، كي لا يحزن الأطفال القادمون ليطلبوا الحياة العزيزة، والتي، إلى أن تصيح القابلة باسم الوطن الكريم، تسكن في الشعر الشعبي، وفي غريزة المصريّ الأصيلة لكلمته الأولى: صباح الخير.

أمّا السقف، فرحلة الفرات ودجلة من العراق إلى العراق، يبقى السقف للثريّا، والثريّا للسماء، والعراق نسر يحلّق في فضاء القافية، يجمع الأصداف من بطن البصرة ويسيّج بها بغداد كي تبقى أرجوحة عيد في البال رغم أنف الاحتلال، لا شيء يغيّر من طعم الموّال العراقي، لا صوت العبوة عند الفجر، ولا نعيق المحرّضين باسم الله على عباده، الموّال هو الموّال، هو الهالة حول عنق النخلة، والهال حول عنق الفنجان، الموّال هو الصوت الخارج مع جرّة الماء إلى الجدول، كي يكسر حكم الكوكاكولا لعقول العملاء، هذا العراق، سقفٌ من الضوء يخنق غيوم الاحتلال الأجنبي والمحلّي، ويظلّل كرامة عشاقه، بالنور.

هذه غرفتي، قصيدة واحدة بقافية واحدة، تبدأ بالكرامة، تتوضّأ بحرف النفي لكل الطغاة، وتنتهي بالحرّية.

Advertisements

الخدعة الجديدة

16/05/2011

خضر سلامة

هل كان لا بدّ أن يموت آخرون بفعلٍ عاطفيٍ جميلٍ وعبثيّ، كي يكتب الشعراء ويخطب الساسة ويجتمع مجلس الأمن ويدين الرؤساء وتؤكد الفصائل وتنفي الأحزاب وتستهجن اللجان ويستنكر اليسار ويشجب اليمين؟ ماذا نقول للشهداء المقتولين كقصيدةٍ ملحقة بديوان مثقوب؟ أنا أعرف ماذا سنفعل بعد مجزرة الأمس، سنعلن افتتاح مهرجانات “التأبين والتشييع الرمزي والادانة والتأكيد وإعادة التأكيد”، لماذا؟ لأننا ببساطة شعب أصبح الموت خبزه اليومي، لم يعد الرقم، عشرة شهداء، يعني شيئاً، أصبح مجرد إحصاءٍ يوميّ، عشرة، عشرون، مئة، ألف، ما الفارق؟ ما دمنا لا نعرف أحداً من الشهداء، ما داموا من شعبٍ، يصح فيه أن نسميه مزاداً كبيراً، لكثرة المتاجرين بقضيته!

الأمن اللبناني، الذي يتجذّر في عنصريته بمنع الفلسطيني في لبنان من الوصول إلى الحدود كل أيام السنة، فتح الطرقات بالأمس، مع إهمالٍ من نوع عنصري جديد، تمثل بوضع أقل من عشرين جندياً لمنع أربعين ألفاً من الاقتراب من السياج! ثم، أين مكان الجيش اللبناني من الإعراب، حين يطلق الاسرائيلي النار عبر الحدود؟ متى، في أي قرن بالزبط، يمكننا أن نسمع عن تضحية وشرف ووفاء على الحدود؟

القوى المنظّمة، على رأسها حزب الله، الذي يتحكم بمفاصل مظاهراته المليونية التي ينظمها باقي السنة، إلى جانب ثلة من القوى الفلسطينية المعروفة بامساكها الأمني بكل عمل عفوي أو غير عفوي، في المخيمات المزدحمة، هذه القوى، فجأة، غابت عن الامساك بمظاهرة الأمس، ودفعت ببضع عشرات من الهواة والفتيان الصغار، ليكونوا هم انضباط المظاهرة! هل هو عمل بخطأ تقدير، أم عن تقدير لخطأ يمكن المتاجرة به؟

قوات اليونيفيل؟ من المضحك أن أسأل عن دورهم، وهي القوات المعينة أجهزة تجسس وتبضع على الجهة اللبنانية لا أكثر، وتكاد تصفق للاسرائيلي عند كل خرق، ويصفق لها الساسة اللبنانيون بطبيعة الحال.

app_full_proxy

أما بعض الأفراد المشاركين الآخرين، المفترض أنهم مفاتيح التحرّك، أخذتهم العاطفة، واندفعوا مع الآخرين، دون حساب لشيء، يحق لي أن أسأل، ما هو الأفق السياسي من محاولة تجاوز السياج التقني؟ أعترف أنه مشهد عاطفي جميل، وعمل يحرك القلب العربي المرهف، ولكن، لماذا؟ بمعنى، بعد أن نتجاوز الحدود ماذا نفعل؟ هناك ادراك لحجم الاجرام الاسرائيلي وحجم العتاد العسكري واستنفاره على الحدود او لا؟ هل هناك معرفة بأن المطلوب في هذه الذكرى اثبات وجود الفلسطيني وضرورة عودته إلى أرضه كي لا يسقط من حسابات السلطة في الداخل ولا المقاومة لا اكثر؟

للأسف، أثبت ما حدث بالأمس، أن الشعب الفلسطيني بعد ثلاثة وستين سنة، لا زال دمه رخيص بعين العرب، وعين شعراء العرب، وعين مثقفي العرب، وعين إعلام العرب، ومن ورائهم العالم، هذا الدم يمكن أن يعوّض بسهولة بصفقة سياسية، أو بقصيدة مبكية، أو بنشرة أخبار واحدة، أو بمسيرة تشييع حاشدة وطبعاً “غاضبة”، وبعد هذا، بعد أن ندفن الشهداء العشرة، نعود لنفكّر، من سنختار شهيداً في الأسبوع المقبل، في الفخّ المقبل؟ كي نعتبره رقماً لا أكثر، تنتهي قضيته بانتهاء النهار، ويغيب سنة، إلى أن يحين موعد لمناسبة أخرى، أو حتى تشعر الأنظمة أنها بحاجة اليوم لفتح حدودها لساعات معدودة أمام الفلسطيني، لتقتله هي بالفخ، قبل أن يقتله الاسرائيلي.

حق العودة مقدّس، ولكن دم العائد مقدس أكثر، وروحه مقدسة أكثر، إلى متى سنبقى نتعامل مع قضايانا بعاطفة متسرعة، ودون أفق تخطيطي وسياسي يتجاوز حد التفكير بعاطفة اللحظة وجدارتها، إلى جدارة القضية الأكبر، كرامة كل انسان فينا وسلامة وجوده الشخصي، كي، مرة أخرى، لا “نموت نموت ويعيش الوطن”، بل “نعيش نعيش، ويعيش الوطن”.

الفرق الوحيد بين 15 أيار و16 أيار، هو أن عدد الفلسطينيين في لبنان أصبح 400 ألف ناقص عشرة شباب، الانتصار الوحيد للمتحمسين، و”المباركين” باستشهاد الآخرين، هو أنهم لم يموتوا هم، بل مات غيرهم.

مهرجانات مزارع لبنان

09/05/2011

خضر سلامة

تعلن جمهورية المزارع اللبنانية، عن افتتاح مهرجاناتها السنوية، الثقافية (ثقافة حرب)، الفنية (الهابطة)، والتي تأتي ضمن رسالة الاشعاع والنور التي تقودها الجمهورية (باستثناء أوقات التقنين وقطع الكهرباء، حيث لا إشعاع ولا نور ولا ماء ساخنة)، وتقام المهرجانات كتحية سنوية لميشال شيحا، سعيد عقل، الأخوين رحباني، وكل من شارك في خلق هيك وطن وكسر القالب.

مهرجان بعبدا، ويتخللها حفلة شعرية للشاعرة نايلة معوّض تحت عنوان "تحصين موقع الرئاسة"، وحفل راقص لنقيب الصحافة محمد بعلبكي ضمن مسابقة "قالَ، شدّد، وأضاف فخامته"، ويختتم المهرجان بالأغنية الملتزمة مع الوزير زياد بارود: "أعدني إلى وزارتي عندليب".

مهرجان الرابية، ويُعرض فيه مسلسل "أنا أو لا أحد" للمخرج ميشال عون، وتحية فنية للمطرب جبران باسيل بعنوان "ناطر أنا ناطر"، كما يقدّم الشاعر إميل رحمة ألبومه الجديد "أنا نائب ومش نائب"، ويختتم المهرجان بحملة "أما اليتيم فلا تقهر" لإيصال عون إلى سدة الرئاسة.

مهرجان عين التينة، يفتتح بحفل توقيع لكتاب "مئة عام من رئاسة المجلس" للكاتب نبيه بري، ومن ثم حفل كوكتيل للشيف النائب علي حسن خليل ضمن حملة "هذا الشبل من ذاك الأسد"، ليختتم بعدها المهرجان بحفلة "مهما الدنيا تتغير، حركة أمل ما تتغيّر"، للمطرب الوزير محمد خليفة، (يقام برعاية ويكيليكس).

2642372207_a7778725a8

مهرجان قريطم، ويلقي فيه الفنان العائد، النائب خالد الضاهر، قصيدته العاميّة "يا سعد يا عينينا، سلّحنا والباقي علينا"، ومن ثم يطلع علينا النائب عقاب صقر في أغنية حضّرها خصيصاً للمناسبة، عن فوائد السنيورة الصحية، ومضارّ المحاسبة، ومن ثم نتابع مع النائب مصطفى علّوش، في فيلم وثائقي تحت عنوان "أنا سنّي آه يا نيالي"، ويختتم المهرجان بمسرحية درامية للمخرج سعد الحريري "كنتُ.. إييييييييه.. رئيساً".

مهرجان المختارة، يبدأ المهرجان بمفاجأة مع الفنان وليد جنبلاط، الذي سيهدي أغنية "غلطة وندمان عليها" للسفارة السورية في لبنان، كما يتخلل المهرجان دروس في الجمباز السياسي، يقيمها جنبلاط، أما الخبير الدولي في شؤون الرواق وتجارة الحكي ، غازي العريضي، فسيقدم عرض لتحف تعود إلى الزمن اليساري للحزب التقدمي، مع أسعار خاصة للراغبين بشراء موقف سياسي من البيك.

مهرجان الحكومة – السراي، ويشارك فيه نخبة من رجال الأعمال في مؤتمر "اسرق ولا يهمّك، الطائفية بتلمّك": عن فضائح السيلولير، الملياردير المسؤول عن شؤون الرعية العاطلة عن العمل، نجيب ميقاتي، عن فضائح السوليدير، الملياردير الممثل الأكبر لسنة عكار الفقيرة، سعد الحريري، عن فضائح شركة الكهرباء والماء، الممثل الشخصي للملياردير من حركة المحرومين نبيه بري، عن فضائح الأملاك البحرية في الشمال، الملياردير الممثل لفقراء طرابلس، محمد الصفدي، عن فضائح شركات النفط، الملياردير الاشتراكي جداً، وليد جنبلاط، عن فضائح تفريغ البنك المركزي، الملياردير المقهور من هجرة اللبنانيين بحثاً عن رزق، أمين الجميّل، ويحضر المفتون والبطاركة الحاليون والسابقون كضيوف شرف على المؤتمر.

هذا ويرجى من الحضور، الالتزام بارتداء الشروال، ودفع الضرائب، واحترام الدولة، الدولة التي، شاطر ولاقيها يا بابا.

يختتم الموسم بإطلاق النشيد الوطني اللبناني الجديد: “بلّو وشراب مايتو”

الشعب يريد

04/05/2011

خضر سلامة

عناصر مندسة، أجندات، مشاريع مشبوهة، سلفيون، بوكيمون، أتباع الكابتن ماجد، محبي جون ترافولتا، سنافر، كلهم، اتحدوا ضد الأنظمة العربية، هذه الأنظمة الوطنية التي لا تملك من يدعمها.. إلا الولايات المتحدة واسرائيل، والتي لم تقترف خطيئة بحق الوطن، إلا أنها باعته!

ليست الآثار وحدها، في العالم العربيّ، مصنفة على لائحة التراث العالمي، هناك أنظمة ذات طابع تراثي أيضاً، خريطة بعرضها وطولها، ملكية خاصة لرئيس ذو طابع ملكي هنا، ولملك ذو طابع إلهي هناك، أما الشعب، فهو ذو طابع حيواني أليف، هذا هو البند الأوّل في جامعة العلل العربية، أما البند الثاني، فهو الإعلام الرسمي، يفصّل على قياس حذاء المخبر، ثم المخابرات الوطنية، أنّى لها الوقت لكشف مخططات العدوّ، وهي مشغولة بكشف خطة المواطن للعشاء؟

5-aristides-hernandez-ares-cuba

كان النظام العربيّ أمام أسئلة وجودية:

من أين أتى الفقراء بكل هذه الأجندات، ونسبة الأميّة في أقصى ما يمكن الوصول إليها؟

من أين اندسّت هذه الملايين في المظاهرات، والنظام عمل على فتح المطارات الرسمية للشباب المهاجر، وللسائحين الوافدين؟

كانت الحريّة هي حرية الزعيم في فعل ما يريد، فجأة، اكتشف الزعيم أن الشعب أيضاً حرّ، في ما يريد.

كانت الوحدة، هي وحدة اجهزة الأمن في قمع المواطن، فاصبحت الوحدة، هي وحدة الشعب ضد اجهزة الأمن.

كانت العروبة هي اتصال السجن بالسجن، فأصبحت العروبة اتصال القضية بالقضية، من تونس إلى مصر إلى اليمن إلى البحرين وسوريا..

الأجندة الأجنبية الوحيدة في بلادنا، هو النظام المحمي من السفارات، والمندسون الوحيدون بين المتظاهرون، هي دبابات الأمن وأسلحته، والمؤامرة الوحيدة هي مؤامرة الإعلام الرسمي على عقولنا، والمشروع المشبوه الوحيد، هو الممانعة والاعتدال، والمدربون الوحيدون على أيدي الدول الأجنبية هم المخبرون المخصيون.

حسناً، يا وطني: النظام يريد، والسفارات تريد، والتلفزيون يريد، ولكن، الشعب وحده، يفعل ما يريد.


%d مدونون معجبون بهذه: