غرفتي القصيدة

خضر سلامة

غرفتي قصيدة، والقصيدة لها أربع جدران، وسقف.

في الجدار الأوّل بطاقة بلاستيكية تشير إلى شرق المتوسّط وغرب الصحراء، بيروت سنبلة تتراقص طرباً لمزمار العولمة، مدينة الشعراء والفقراء والتجّار والقتَلة والقتلى، مصنع بارود هذه المدينة، يحضّر الحريّة للتصدير، لا للاستعمال الداخلي، تعلّمك كيف تقطف الحلم من حقول التعب، وتدلّك على أقصر طريق إلى المطار، لأن لا حقيبة تتسع لحلمك إلا حقيبة السفر، في الجدار الأوّل شكل الانسان الأوّل وهو يخترع أسباباً لقتل أخيه، لدينه أو لدَينه أو للونه، أو لأنه أخاك أنتَ بالذات، على قفا هذا الوطن ختم انتداب فرنسي، يقول: انتبه، بلدٌ معدّ للتقسيم، أبقه بعيداً عن متناول الأحرار.

في الجدار الثاني، أصل اللغة وجذور ملامحك وقصة جدٍّ هرب بقبيلته من فيضان كبير، فعلق أبنائه في فيضان الحنين إلى الرمال وهي تبتكر عدناً في خاصرة العرب، اليمن السعيد، كيف أضحكه؟ وكيف أخلّصه من فكّ الجزّار الذي لا يشرب إلا بآنية عليها رقم قتلى اليوم، أنا من جبل عامل، وجبل عامل تحفة صقلها النازحون من اليمن على كتف فلسطين قبل قرون، وهذا الوحش المتقمص في شاربين على عرش اليمن، عدوّ الحرف، وصديق المجزرة، لا تتركوا، يا رفاقي، له الأرض، بل لغّموها بأسرار الصبر على السيف، إلى أن يقول السيف: انكسَرت.

IsmetVoljevica

في الجدار الثالث دمشق، تحمل ياسمين الدار في كأسٍ من الألوان وتقدمه للأطفال بعد العشاء، تحصي عدد الأحرف في الأبجدية، لتتأكد من عافية الوطن هذا اليوم، أمنٌ وطنيٌ يقتل أبناء الوطن، إسلاميون يستربون كالدود من عروق الخارجين إلى الحريّة، ليشوّهوا، كعادتهم، وجه التاريخ، تخرج هذه الطاهرة سمراء من شاطئ الاسكندرون، وتركب أجنحة الفراش لتطل على حمص اليوم، لا زالت تلهو بدالية عنب، وتغفو على كف الجولان، تنتظر زهر الرمّان، وتعرف جيداً، أنّ أسلحة الأنظمة كلها، لا تؤخر صيفاً واحداً.

في الجدار الرابع، ولد يضع النيل في كفه الأيسر ويزيح بالكف الأيمن النسر قليلاً ليرتاح هوَ على العلم، ويصدح: أنا البلاد، بلادي! في الجدار الرابع رغيف عيش، يصبح هو القضيّة والشرعية الوحيدة للملايين المتعبة من جزمة العسكر التي تفصّل النظام على قياس الظابط الجديد، وفيه أيضاً، اسم مصر، حين يختصر نشرة الأخبار بحروفه الثلاثة، فيه فنّ اللعب بالفخّار، كيف نغيّر شكل المأساة إلى نكتة جديدة، كي لا يحزن الأطفال القادمون ليطلبوا الحياة العزيزة، والتي، إلى أن تصيح القابلة باسم الوطن الكريم، تسكن في الشعر الشعبي، وفي غريزة المصريّ الأصيلة لكلمته الأولى: صباح الخير.

أمّا السقف، فرحلة الفرات ودجلة من العراق إلى العراق، يبقى السقف للثريّا، والثريّا للسماء، والعراق نسر يحلّق في فضاء القافية، يجمع الأصداف من بطن البصرة ويسيّج بها بغداد كي تبقى أرجوحة عيد في البال رغم أنف الاحتلال، لا شيء يغيّر من طعم الموّال العراقي، لا صوت العبوة عند الفجر، ولا نعيق المحرّضين باسم الله على عباده، الموّال هو الموّال، هو الهالة حول عنق النخلة، والهال حول عنق الفنجان، الموّال هو الصوت الخارج مع جرّة الماء إلى الجدول، كي يكسر حكم الكوكاكولا لعقول العملاء، هذا العراق، سقفٌ من الضوء يخنق غيوم الاحتلال الأجنبي والمحلّي، ويظلّل كرامة عشاقه، بالنور.

هذه غرفتي، قصيدة واحدة بقافية واحدة، تبدأ بالكرامة، تتوضّأ بحرف النفي لكل الطغاة، وتنتهي بالحرّية.

Advertisements

الأوسمة: , , , ,

2 تعليقان to “غرفتي القصيدة”

  1. القط Says:

    من الناحية الأدبية و الكتابة، رائع كالعادة يا خضر!

    أما الثورة العربية، فإنها ستنتصر عاجلا أو آجلاً. فالحق دومًا مع الشعب. و النصر دومًا يكون مع الشعب.
    قد يطول الإنتظار أحيانًا، أكثر مما نتمناه، و لكن شعبنا يسير في طريق لا يؤدي إلا إلى مكان واحد: الحرية.

  2. Rafa Almasri Says:

    فكّ الجزّار الذي لا يشرب إلا بآنية عليها رقم قتلى اليوم
    أسلحة الأنظمة كلها، لا تؤخر صيفاً واحداً.
    لغة جميلة و تستحق ان تنسج عليها خيوط اخرى… بمعنى أنها ملهمة.
    اسمح لي ان أشارككم قصيدة عن غرفتي أيضا

    http://rafaalmasri.wordpress.com/2011/05/03/%D8%A3%D9%86%D8%AB%D9%89_-%D8%B4%D8%B1%D9%82%D9%8A%D8%A9/

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: