Archive for 20 يونيو, 2011

الكرامة أنثى

20/06/2011

خضر سلامة

*ضمن إطار يوم التدوين ضد التحرش والعنف الجندري في العالم العربي

نضع السياسة على الرف، نترك العروش لمن يحرسها بجماجم شعبه، ونترك الحكومات لأهلها في السفارات الأجنبية كي يلهوا بها، ونفتح نافذةً تطل على الشارع، كل شارع فيه قصة لامرأة تحمل في جسدها آثار حضارة الذكورة: كدمة من أخٍ راعه فعل الأنوثة، كفّ أبٍ يرى في الأنثى عورة لا تُستَر إلا بالعنف، سوط زوجٍ يظن الزواج سوق نخاسة، لكل امرأةٍ قصة، تلك عبر ذئبٌ في بيدر طفولتها ولوّن بعضها بالأسود من الذاكرة المؤلمة، أو تلك ترى في الخروج من المنزل فخٌ يوميٌ ينصبه المرض الذكوري المضطرب، لكرامة تُهان بخنجر الكلمة البذيئة، غريبةٌ هذه البلاد التي تنشغل بطولها وعرضها، بكيف تهين نسائها اليوم، أحزاب دينية تدافع عن العنف ضد المرأة بحجة أنه من صلب الشريعة، ميليشيات تربط بين سلاح زعرانها، وبين سلوكهم المشين مع كل أنثى تمر أمام متاريسهم، وأسرٌ تصوم عن الكرامة الوطنية، وتفطر على سحق كرامة أنثى فيها، بعنفٍ تارة، أو تحرّشٍ يظل مكتوماً، تارةً أخرى.

إلامَ ستبقى يا وطني مقبرةً للانسان؟ نصف انسانٍ لا يقيم وطناً، إما وطن بجناحيه، كريمين عزيزين يحكمان السماء والأرض، وإما وطن للذكور فقط، أعرجٌ يتكأ على أكوامٍ من نفايات التقاليد والأعراف، وأرشيف طويل من أخبار اليوم، فلانة تعرضت للتحرش، وفلان عنف أخرى، وتلك تشكو التمييز، أو الاهانة اليومية.. أو..، إلى متى سنبقى نعلّب المرأة في علبٍ من تقية، نسمي الجريمة التي ترتكب تحرشاً أو تعنيفا، بحقها، نسميها سراً من أسرار الوطن، أو ثابتاً من ثوابت القبيلة! ومتى سنعيد اكتشاف الكرامة الوطنية لنعرف أنها لا تكون إلا بانسان مواطن كريم عزيز، ذكراً وأنثى، أو لا تكون!

الذئاب في البلاد كثيرة، المتحرّش مجرم، ليس صديقاً للعائلة ولا أباً ولا أخاً ولا خالاً… هو مجرمٌ لا يجب التستر عليه بأي حجة، ولا تحميه قداسة “الفضيحة” التي تخيفنا منذ كنا أطفالاً، فأصبحت تحكمنا حين أصبحنا كباراً، المتحرّش مجرم، وليس مجرد شابٍ عاطل عن العمل أو مارٍ في الطريق أو متسكع عابر، والكلمة سيف ذو حدين، تُقطع رقبتها حين تصبح إهانة أو عادةٍ يومية، والمعنّف للمرأة مجرم، والدين الذي يحميه دين كاذب ومزوّر، والقانون الذي يبرر له، قانون سافل ساقط.

هذه خلاصة المرحلة: الأنوثة علمٌ وطني، وكل المبررات والحجج التي تغطي الجرائم بحقها، خرقة أمسح بها وجه نساء بلادي الضحايا.. الجميلات بحزنهنّ والجليلات بثورتهن القادمة، من خلف مقود في جدة، إلى حق بجنسية في لبنان، إلى كسر عين المتحرش بمصر، إلى صنع الحرية في بلاد العرب كلها، حرية لا تتجزّأ: الكرامة للجميع.203487_137525606321902_2014420_n

Advertisements

مزرعة أورويل لبنانية

04/06/2011

خضر سلامة

قبل نصف قرن، توقع أورويل أن تحكم الخنازير مزرعة البشر، كان يقصد بذلك الفكر الستاليني، سقطت الستالينية، ولكن، حكم الخنازير، لبنان، هذه المزرعة الكبيرة، الحظيرة المفتوحة لكل احتمالات الصراعات الغريزية، طائفية أو عشائرية، كلها برعاية أجنبية مبررة عند كل مزرعة صغيرة.

فرع المعلومات، يستطيع أن يتمرد على قرار وزير، بل ويشهر سلاحه بوجه وزارة بأمها وأبيها، وأن يجد من يدافع عنه من نواب الأمة أنفسهم، فرع محسوب على الدولة، يدفن الدولة، وفي الجهة الأخرى، منافقين يتحدثون عن مؤسسات الدولة، وهم لا يكترثون لها، مواكب مسلحة في مطار بيروت قبل عام، أمن ذاتي في مناطقهم وينزعجون من أمن ذاتي في مناطق الآخرين، وفي الخندقين، جمهور مريض، يبرر للأول ويهاجم الثاني، أو يبرر للثاني ويهاجم الأوّل، وبعد هذا، نغني للبنان الفريد بأمراضه.

خنازير أورويل تحكم في لبنان، استهلكوا الشعارات الجميلة حتى صرت أقرف منها، حرية وسيادة؟ "بلّوها واشربوا ميتها"، مقاومة وممانعة؟ "انفخوها حتى تفقع"، هذه الشعارات الجميلة، التي تكفي لبناء دولة، كانت كافية في لبنان لتحطيم أي مشروع دولة يمكن أن يقوم يوماً لا، هذا النفاق الكبير من الجهتين، كل مرتهن، وكل يتهم الآخر بالارتهان، وبين هذا وذاك، نجلس نحن، نعد التجاوزات على الدستور، ثم نتهم الدستور بأنه أقل من سافل، نحصي خروقات حقوق الانسان، ولم يعد في البلد انسان واحد يحسب حساباً لحقوقه، مزرعة كبيرة هذا البلد، كل له حصته، يدجّن فيها ما أعطاه الطائف من قبائل، يعلّم الأطفال أمن الطائفة والخوف الضروري من "الآخر"، الآخرون هم الجحيم، يقول سارتر، أما في لبنان، فكل حزب، كل عشيرة، كل طائفة، كل بيتٍ لجار، هو جحيم محتمل، اذا تغيرت تحالفات الزعيم الذي لا يخطئ.

p06_20071211_pic1_full

مزرعة أورويل لا تنتهي في هذه الرواية، الخنازير تحكم، والجميع يهلل لها، الثقافة والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية، وضرورة الكهرباء والمياه، والتعليم الرسمي وسلامة الجامعة الوطنية وغيرها، مفردات زائدة، كماليات تجميلية لنخب صغيرة متهمة بالجنون أو الفوضوية، أما صنّاع الفوضى، فهم المقدسون، يجلسون فوق رقاب أزلامهم، فوق أرزاقهم، في حفل ماجن كبير، أسوأ ما فيه، أن ثمة دائماً مبرر لحاجز طائفي، وشتيمة لآخر مختلف، مبرر لسرقة باسم الطائفة، وامتعاض من أخرى، مبرر لخوف طائفي، وقرف من خوف آخر… الآخرون هم الجحيم، نحن، جحيم بعضنا البعض، في وطن مزرعة.

من هنا، من موقعي كنصف مواطن أو أقل، من منبري مع الخائفين من كل اشراقة شمس في وطن مظلم، أعلن أن هذه الدولة هي في أحسن حالاتها الممكنة مع هؤلاء النواب والوزراء والمشايخ والمراجع السياسية والدينية والحزبية، في أحسن حالاتها: مزرعة.


%d مدونون معجبون بهذه: