مزرعة أورويل لبنانية

خضر سلامة

قبل نصف قرن، توقع أورويل أن تحكم الخنازير مزرعة البشر، كان يقصد بذلك الفكر الستاليني، سقطت الستالينية، ولكن، حكم الخنازير، لبنان، هذه المزرعة الكبيرة، الحظيرة المفتوحة لكل احتمالات الصراعات الغريزية، طائفية أو عشائرية، كلها برعاية أجنبية مبررة عند كل مزرعة صغيرة.

فرع المعلومات، يستطيع أن يتمرد على قرار وزير، بل ويشهر سلاحه بوجه وزارة بأمها وأبيها، وأن يجد من يدافع عنه من نواب الأمة أنفسهم، فرع محسوب على الدولة، يدفن الدولة، وفي الجهة الأخرى، منافقين يتحدثون عن مؤسسات الدولة، وهم لا يكترثون لها، مواكب مسلحة في مطار بيروت قبل عام، أمن ذاتي في مناطقهم وينزعجون من أمن ذاتي في مناطق الآخرين، وفي الخندقين، جمهور مريض، يبرر للأول ويهاجم الثاني، أو يبرر للثاني ويهاجم الأوّل، وبعد هذا، نغني للبنان الفريد بأمراضه.

خنازير أورويل تحكم في لبنان، استهلكوا الشعارات الجميلة حتى صرت أقرف منها، حرية وسيادة؟ "بلّوها واشربوا ميتها"، مقاومة وممانعة؟ "انفخوها حتى تفقع"، هذه الشعارات الجميلة، التي تكفي لبناء دولة، كانت كافية في لبنان لتحطيم أي مشروع دولة يمكن أن يقوم يوماً لا، هذا النفاق الكبير من الجهتين، كل مرتهن، وكل يتهم الآخر بالارتهان، وبين هذا وذاك، نجلس نحن، نعد التجاوزات على الدستور، ثم نتهم الدستور بأنه أقل من سافل، نحصي خروقات حقوق الانسان، ولم يعد في البلد انسان واحد يحسب حساباً لحقوقه، مزرعة كبيرة هذا البلد، كل له حصته، يدجّن فيها ما أعطاه الطائف من قبائل، يعلّم الأطفال أمن الطائفة والخوف الضروري من "الآخر"، الآخرون هم الجحيم، يقول سارتر، أما في لبنان، فكل حزب، كل عشيرة، كل طائفة، كل بيتٍ لجار، هو جحيم محتمل، اذا تغيرت تحالفات الزعيم الذي لا يخطئ.

p06_20071211_pic1_full

مزرعة أورويل لا تنتهي في هذه الرواية، الخنازير تحكم، والجميع يهلل لها، الثقافة والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية، وضرورة الكهرباء والمياه، والتعليم الرسمي وسلامة الجامعة الوطنية وغيرها، مفردات زائدة، كماليات تجميلية لنخب صغيرة متهمة بالجنون أو الفوضوية، أما صنّاع الفوضى، فهم المقدسون، يجلسون فوق رقاب أزلامهم، فوق أرزاقهم، في حفل ماجن كبير، أسوأ ما فيه، أن ثمة دائماً مبرر لحاجز طائفي، وشتيمة لآخر مختلف، مبرر لسرقة باسم الطائفة، وامتعاض من أخرى، مبرر لخوف طائفي، وقرف من خوف آخر… الآخرون هم الجحيم، نحن، جحيم بعضنا البعض، في وطن مزرعة.

من هنا، من موقعي كنصف مواطن أو أقل، من منبري مع الخائفين من كل اشراقة شمس في وطن مظلم، أعلن أن هذه الدولة هي في أحسن حالاتها الممكنة مع هؤلاء النواب والوزراء والمشايخ والمراجع السياسية والدينية والحزبية، في أحسن حالاتها: مزرعة.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: