Archive for 24 أغسطس, 2011

بين الغزالي وابن رشد

24/08/2011

خضر سلامة

قبل ثمانية قرون، انتصر الغزالي على ابن رشد، كانت المعركة بين معسكر “تهافت الفلاسفة” التكفيري ومعسكر “تهافت التهافت” المنتصر للعقل على أشدها، حين خرج ابن رشد بعد عشرات السنوات من وفاة الغزالي، ليقود حملة كسر الموروث وانقاذ أرسطو وأفلاطون وسقراط وغيرهم ممن ترجموا ثم طوّروا، من سيف ال”بدعة” الذي رفعه الغزالي على رقابهم، هُزم ابن رشدٍ في الشرق بسمّ الأفعى نفسها الذي خرج في صيدها، كُفّر ثم مات غمّاً، وحكم الغزالي بلادنا، ولا زال: الغزاليّ اليوم صاحب بئر نفط، يضع أسعار المعارك والحروب والسلام ويشتري الثورات ويبيع البلاد ويستأجر الأقلام والحبر، الغزاليّ صاحب فضائيّتين اثنتين، تتنازعان على عرش الحقد والفتنة وصناعة الخبر لا نقله، ونخر الرأي العام لا ترميمه… الغزاليّ سائق سيارة أجرة عاديّ في مدينة لم تتعلم أصول المدنية بعد، يشتم سائقاً آخراً قادم من الريف، وهو طفلٌ يرشق عاملاً أفريقياً بالحجارة، لأن لون بشرته لم يعجبه، الغزاليّ هو الطاغية، يحكم أربعين عاماً، بأربعين جهاز مخابرات، وأربعين ألف معتقل وأربعين مليون حلمٍ مقتول، ثم يسأل: لماذا يكرهني شعبي؟ هو الجريدة الرسمية للطاغية، تخوّن كل فلاسفة الحرية وتلامذتهم، وتهدر دم كل كل فلاسفة لقمة العيش، الغزاليّ هو أن يكون النظام الحاكم هو الثابت لا المتحول، أما المعارضة فهي المتحولة دائماً.. إلى جثثٍ، أو خدَم.

ابن رشد - خضر سلامة

وضمن لائحة المسروقات الوطنية، وما نُهب من متحف البلاد، كان ابن رشدٍ، دخل الغرباء ليل حروب القبائل والعشائر باسم “الحق في الحكم” (للصدفة؟!) قبل ألف سنة، وصادروا فيما صادروا، عمامة ابن رشدٍ وما فيها، وابتسامته التي شغلت بال رجال الدين المسعورين طويلاً، وضعوها في مختبر الحداثة، وصنعوا منها الفلسفة الحديثة بكل ما قادت عالمنا إليه، من حقوق انسانٍ وأنظمة رعاية وعناية، وسلطة قضائية رقيبة مجتهدة في القوانين لا جامدة، إلى جمهوريات متصاعدة لا تقف عند جمود الجمهورية الأولى، أما نحن، فتركوا لنا جيفة الغزاليّ لنعلق في نتانتها، فكانت مستنقعاً لا ينبت في أحسن حالاتها إلا كتاباً أخضراً سخيفاً! وفي أسوأ حالاته، آل سعود وزبانيتهم.

الغزاليّ هو النظام العربيّ اليوم، وهو المسجد اليوم، وهو اتصال الاثنين الذي يجعل من الكتابة جنحة، ومن الصوت جريمة، واتصالهما، تحت عباءة الغزاليّ، هو شريعة الدم، وصورة فوتوغرافية لـ”تهافت الانسان”، فيصبح القتل حدثاً عادياً، والمجزرة خبراً يومياً، والتعذيب والذلّ إعلاناً مبوّباً في بيانات الأحزاب والعشائر والطوائف، وبينهم جميعاً، في خطاب الحاكم المقدّس الذي لا شريك ولا معارض، له.

يا ابن رشد، تعال و”افصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال”، عُد إلى بلادٍ تُسقط اليوم خريفها كفرسٍ تنفض عنها وحل الغابة، قتلنا بعدك أكثر من ابن رشد، بالرصاص وبالسكاكين وبأحكام التكفير وبالسكوت للنظام ولرجاله، وبمزاج مخبرٍ عابر، كثيرون قُتلوا في الطريق إلى العدالة والحرية والفكر الحر والعقل، وبقي الغزاليّ يحبسنا كعفريتٍ في قمقم المأساة.. اليوم نراكْ، شاهراً حبركَ، وصوتك الصارخ في وجه الممانعين والمعتدلين وما بينهما، مؤسساً لعقلٍ جديدٍ، لا يسجنه الغزاليون بين خيارات الذلّ والمحتل، وبين الموت والموت.

تعالَ يا ابن رشد، هذه الصحراء لا بد تنقرض.

Advertisements

خالد صاغية منتصراً

20/08/2011

خضر سلامة

على أمل أن يقبل، من بقي من قلة من الأصدقاء الزملاء، في جريدة الأخبار، رأيي برحابة صدر.

قلنا، حين دفنا جوزف سماحة، "رحل قليلاً.. انتظروه"، ولم نكن نتوقع، أن تأتيه في موته طعنة أخرى، تخرسه، هذا المشاغب الصغير، الذي اعتاد تجريح النظام العربي بطفولة عاشق، ولم يخجل من كشف عورات المعسكرات المتقاتلة، مهما كبرت الشعارات وتجارها، يخسر اليوم معركته الأخيرة أمام كاتم الصوت، بفعل اغتيال.

قطاع الكلمة يسطون على صحيفة الأخبار، هذا المشروع الجميل، الذي زرعه سماحة سنبلة قمح في جفافنا الفكري، وأرادها شباكاً لهذا الشعب الذي أقفل عليه المال النفطي كل شبابيك العصر، اليوم، يعلن ابراهيم الأمين في منبره، (أو مخفره ربما؟) انتهاء مشروع جوزف سماحة، بمغادرة خالد صاغية، الساخر الأنيق، الواضح المباشر في السياسة، لعدم إيمان الأخير بعمليات تجميل النقد، أو تقنيات التحوّل إلى مخبر، فيما يخص الحراك الشعبي الثوري في سوريّة، سوريّة التي خلعت عن جسدها ثوب البعث الممزّق بأربعين عاماً من القمع، وأسقطت أيضاً، في لبنان، أوراق التوت عن كل تقدمييه ومناضليه.

Untitled

خالد صاغيّة خارج الأخبار إذاً؟ أظنها الأخبار أصبحت خارج خالد صاغيّة وما يمثّل، خارج منطق عدم التملق للحلفاء، وعدم الارتهان للمساهمين، خالد صاغيّة، القامة التي تضمن الاختلاف والخروج عن الروتين الإخباري الممل، إلى ضرورة تحريك العقل بصورة الواقع البشعة، حسم إبراهيم الأمين الأمر، واختار إيقاف العقل النقدي، وإنهاء الاختلاف، والمصارحة، وانتقى من تاريخ الصحافة، صحف النظام، ليصلي على رئيسها وآله، يؤلمني اليوم، وأنا ابن الصحيفة، أن أرى في مقالة الأمين نعيٌ واضح للأخبار، وتنكيل أخير في جثة جوزف.. جوزف، لو أنّك لم ترحل، موتك خيانة وغدر، أيها الصديق.

"شبيحة" الصحافة في بيانهم التأسيسي، أزاحوا خالد صاغية عن الصحيفة، دون أن ينتبهوا إلى أنه نصّب أميراً في عيوننا الباحثة عن تكسير الأصنام الكثيرة التي تشوه المشهد، هؤلاء الذين يخرجون ليطبلون ويزمرون لأي قلم جديد يُكسر، ولتخوين كل مختلف برأيه عن رأي الصحيفة الرسمية للحزب، للطائفة، للشخص المقدس، هؤلاء، يسقطون حين تنتهي هذه الصحراء الطويلة، ويسكتون حين يخرج صوت الموسيقى ليبشر بانتهاء زمن الضجيج الشعاراتي الفارغ، هؤلاء الشبيحة، موقوتون في طغيانهم الفكري والأخلاقي، كقنبلة دخان، تكسرها شمس الحرية.

خالد صاغية، حين تخرج آخر أغراضك من مكتبك، بذقنك المشذبة، وابتسماتك الخفيفة، وهدوئك المزعج لمحبيك وكارهيك على حد سواء، خذ صورة جوزف سماحة، امسح عنها انعكاس جريدة "تشرين"، واعتذر من أصدقاء قلائل بقوا في الصحيفة، إلى أن يشاء الطاغية.

وداعاً جوزف سماحة، إلى اللقاء خالد صاغية.

كهربا يا كهربا

17/08/2011

خضر سلامة

التلفزيون حاضر في الغرفة كمخلب قط للاستعمار، النواب الذين سيكسرون عنق المشروع الصهيوني على الشاشة، يقابلهم آخرون مستعدون للذهاب في معركة العدالة الدولية الى النهاية، نواب الأمة تافهون كالحقيقة، ضعيفون كالحرية، فارغون كالسيادة، سخيفون كالاستقلال، التلفزيون مضيء كأنه هلال شيعي في الغرفة، صوته مزعج كصلوات سلفي يؤذن لمجزرة جديدة، وألوانه مملة كخطاب عقيد، لم يعد يضحكني منذ زمن، “إجت الكهربا”، تستطيع القوى الوطنية الآن أن تحرر القدس على ضو، ويستطيع اليمين أن يكمل فاشيته وهو يكحل عينه بالأرزة، ويستطيع اليسار أن يكمل معاركه على الفيسبوك، ويستطيع الديكتاتور أن يكمل تعذيب المعتقلين على الكهرباء أيضاً.. الجميع يعمل، طالما في كهربا.

إذاً، شركة الكهرباء العظيمة، منت علينا بالتيار الكهربائي، يا فرحتي، أستطيع الآن أن أشاهد وجه أبو مازن القبيح بوضوح، وهو يقبل جزار مخيم نهر البارد، ولا يزور نهر البارد، الدولة الفلسطينية قادمة، دولة؟ أعتقد أن أبو مازن أشبه بالأصلع الذي يريد الحصول على قصة شعر جنيفر لوبيز مثلاً، لا بأس، أيضاً، أستطيع الآن أن أمتّع بصري بنور ناصر قنديل، وهو يفند المؤامرة على النظام السوري الذي قضى عمره وهو يتآمر على الجميع، وحين فرغ، تآمر على شعبه، الآن فقط، أستطيع أن أرى سعد الحريري في جحره الفرنسي، يعلمنا كيف "نصمد" في معركة محكمة أبوه (على أبو الذي عمله رئيس)، هل يعلم دولته أننا صمدنا في ثلاث حروب في العشرين عاماً الماضية، دون جميلٍ منه، ولا جميلٍ من آل السيّد؟

cartoonji27-6-2007

"في حضرة الكهرباء"، أعود مواطناً عادياً، أكتب شعراً، أقرأ كتاباً، أنتظر ابريق الشاي، أقلب في التلفاز بحثاً عن نكسة جديدة من نشرة أخبارٍ قديمة، النظام المعتدل في تونس يقتل، والنظام الممانع في سورية يقتل، النظام الرجعي في البحرين يقتل، والنظام التقدمي في ليبيا يقتل، العرب بخير إذاً، ولا فرق بين عربي وعربي إلا باسم قاتله، أكمل رحلتي، دريد لحام عاد ممثلاً، مناوئاً لجاره، يبدو أن مناوئة النظام لم تعد "تطعمي خبز" يا غوار، واكتشفنا بعد أربعين عاماً، أنك "ممثل" بجدارة.

ثم، أنا كمواطن كامل الحقوق لمدة ست ساعات قبل انقطاع الكهرباء مرة أخرى، أريد أن أعرف من المسؤول عن حرارة الطقس؟ هل إذا حدث وفعلاً اكتشفنا نفطاً في بلدنا، يجب أن نتحول إلى بلد خليجي؟ بطقسه على الأقل، هل تتخايلون معي لبنان إمارة خليجية؟ والأنكى، أمين الجميّل أميراً عليها، أميراً فقط؟ أراهن أنه لن يرض بأقل من إعلان لبنان أمبراطورية.

لا بد لشركة الكهرباء أن تتبنى شعار، لديك ما يكفيك من كهرباء ولكن، ليس ما يكفي جميع الناس، انقطعت الكهرباء، لا حاجة بعد اللحظة للأوراق وللكتب وللتلفاز وللبراد وللصحيفة ولناصر قنديل وأمين الجميل واليسار واليمين، وبعد هذا كله، أعجب ممن يحدثني عن الاشعاع والنور، وحب الوطن، في العتمة!

بلد ملعوب فيه

12/08/2011

خضر سلامة

الأسابيع الماضية كانت مليئة بالأحداث السياسية والأمنية المهضومة، والتي سنسجلها للتاريخ، في مدونتنا اليوم

– ظهور الأستونيين المخطوفين فجأة، وتسلمهم من قبل السفارة الفرنسية دون أي تنسيق مع الأجهزة اللبنانية، وزارة الداخلية اللبنانية قررت تقديم طلب الى الأمن الفرنسي كي يستلم أيضاً تنظيم السير في لبنان، "هيك هيك عم يحل مشاكل البلد هالفترة"، كما يرجى من الراغبين بالتقدم إلى امتحان ظباط قوى الأمن، التوجه إلى مركز السفارة الفرنسية في المتحف، d’accord؟

– انفجار غامض في الضاحية الجنوبية، والتقارير الحزبية والأمنية أشارت إلى أنه انفجار "قارورة غاز، تبعه انفجار قارورة أخرى"، معلومات جوعان الخاصة، أشارت إلى أن القارورة الثانية فقعت من الضحك على القارورة الأولى، مع العلم أن الاحتياطات الأمنية التي أخذتها الأجهزة، كانت كفيلة بمنع باقي القوارير في المنطقة من أن "تفقع قهر" على القارورتين.

duh

– مجموعة من الشبيحة تعتدي على مجموعة من الناشطين السياسيين المتضامنين مع الثورة السورية بالضرب بالسكاكين والعصي، ويأتي هذا الاعتداء الذي أقيم تحت رعاية شركة "ممانعة كومباني" و جمعية "مؤامرة"، في إطار حملة خيرية تقوم بها الأحزاب الوطنية بعنوان "رمضان كريم والأسد أكرم" للحفاظ على شيكات آخر الشهر، هذا ويهم جوعان أن ينبه القارئ إلى أن الحرية تؤدي إلى أمراض خطيرة، خصوصاً لأزلام المخابرات.

– مقتل شابين بانفجار عبوة كانا يحملانها حسب الأجهزة الأمنية، عادي جداً، فمن المعلوم طبعاً، أن شباب اليوم، يتجوّل عادةً حاملاً محفظة، هاتف خليوي، وعبوة ناسفة، مجهزة للتصدي لأي تدخل أجنبي مفاجئ، أو أي إشكال فردي بين طائفتين متعايشتين، أو أي سياسي مش معاجبنا شكله، وزير الداخلية طمأن إلى أن العبوة بخير، أما البلد فمش ولا بد.

– الوزير السابق "الياس تلاتة بواحد" تبلغ من المحكمة الدولية بهوية المشتبه بمحاولة اغتياله، الوزير عرف من حاول أن يقتله، زهّر اللوز، نبت الحشيش، فُرجت، الشعب اللبناني ارتاح نفسياً، لأن الموضوع كان كتير كتير هاممنا يعني، وثمة اتجاه لرفع دعوى التقصير بالقيام بالواجب على مهندس الانفجار الفاشل.

بعض الأحلام تقتل

05/08/2011

خضر سلامة

مهدى إلى الصحفيين والكتاب والمدونين والمثقفين، من معتقلي الرأي في تونس، مصر، سورية والبحرين، وغيرها.

"هل تعرف الأمم المتحدة، أن عقارب الساعة أيضاً، هي أسلحة دمارٍ شامل؟" محبوسٌ كجنيٍ في قمقم غرفة التحقيق، بانتظار الظابط الذي سيسأله عن نصّه الأخير، ساعة مرّت، وهو لا يجد في الغرفة المظلمة إلا ظله الذي يصنعه مصباح تركه العسكر مضاءً، كي يتأكد جيداً أنه لا يزال حياً.

لم يعد يحصي الأيام، أسبوع مر على اعتقاله أو اسبوعين، كل ما فعله، أنه كتب، سأل عن حق المواطن في الحياة الكريمة، وسأل عن شرعية الموت المصدّر من نوافذ الأحزاب والأديان والزعامات، وهو المواطن العادي القادم من الريف إلى المدينة، واقعاً ضحيةً لكذب الزعيم الذي وصل على ظهر ثورة نادت بالحرية وبالانسان الكريم، فلم يبق من انسانٍ كريمٍ سوى الحاكم، ولا من حريةٍ سوى حريته، لم يعجب المقال المسؤول الفلاني، وأمر باعتقاله، لا مذياع ينقل له إدانات المنظمات الدولية، ولا جريدة يقرأ فيها خبر تضامن رفاقه معه، معتقل آخر في دفاتر الأنظمة التي تحتكر الكلمة، باسم القانون، وباسم الأمن الوطني: الظابط دخل أخيراً، والنسر على مقعده، يرسم في سقف الغرفة صورة أمه التي الآن لا بد تبكي وتلومه على تضحيته بنفسه فداءً لوطن، كانت تقنعه أنه لا يستحق، "يا بنيّ، هذا الوطن كومة نفايات، وأنت وحدك، دعها لمن اعتاد أن يأكل منها، خذ جواز سفرك، إلى أوروبا.." كان يضحك، يحضنها وهي تبكي ويقول "يا أمي، هذا الوطن حقل ورود، أخاف أن ييبس إذا تركته، أوروبا حلمٌ جميل للفقراء هنا، وأنا غنيّ بوطني الجميل"، يضحك الآن كما كان يضحك في حضن أمه… يضحك نسراً.

الظابط: "هل تعرف لماذا أنت هنا؟"

"أنا أعرف، وهل تعرف أنت لماذا أنت هنا"

"أنت هنا بتهمة التعدي على هيبة الدولة، وإهانة مقام الزعيم فلان"

"أما أنت فهنا بمهمة التعدي على هيبة الانسان، وإهانة مقام المواطن، كل مواطن"

الظابط بلكنة غاضبة: "ألا تتعلمون أنتم؟ ألم تتعلم من رفاقك الذين دخلوا السجن وخرجوا مكسورين، أنت هنا في دولة عليك أن تحترم قوانينها، ستنكسر أحلامك في الزنزانة، إجمع أوراقك وارحل من نافذة المطار إلى حيث تريد واكتب ما تريد، أو ابق، وتخلّ عن هذه الشعارات البالية، افهم يا بنيّ، ولى زمن التغيير، أنت في زمن القانون الذي يحكم كل شيء"

"إلا الفرد، لا شيء يحكمه إلا نفسه وذاته وحكمته وحلمه، يا حضرة الظابط، فلنفترض أني رحلت، من قال أن شعاراتي سترحل معي؟ أنت تحارب فكرة، قل لي، هل قلتُ كذباً؟"

يشعل الظابط سيجارة، ينفخ على الضوء ليشوّه المشهد بالدخان: "شعارات، شعارات، شعارات، ألم تتعب من رحلة المخافر والسجون والضرب؟ اسمع، للمرة الأخيرة، هل ستكون مواطناً صالحاً وتنشر اعتذاراً؟"

مبتسماً: "سأكون مواطناً صالحاً… وأصر على أقوالي!"

يضحك الظابط بصوت عالي، يرفع رجليه على المكتب في وجه المجرم الجميل، ويصرخ للحارس: "خذوه إلى حيث ينتمي"

banksy_illegal_crossing_yield_losangeles-thumb-240xauto-2362

كقذيفة، يدخل الحارس الغرفة، يسحبه من شعره إلى الأرض ويشده إلى الزنزانة، وفي الزنزانة يعود إلى امتحان التعذيب، دلو مياه يغطس الجلاد رأس السجين فيه، سوط على ظهره، وأصوات التعذيب تحيط به من كل الزنازين المجاورة، يغمض عينيه أمام الألم، ويردد بصوت ضعيف بقايا من قصيدة حفظها للشاعر التركي ناظم حكمت: "الأرساغ الدامية.. الأسنان المطبقة، الأقدام العارية، أرضٌ كسجادة الحريرِ الثمينة، هذه الجحيم .. هذه الجنة لنا" يرددها ألف مرة، أو ألفين، أو مليون مرة، لا يدري، لكنه يرددها.

انتهى دوام التعذيب اليوم، يعود إلى فراش، أكلتها الحشرات والأحزان وآلام من سبقوه إلى هذه التجربة، علمه السجن الرسم بالأوهام، قطرات الماء المزعجة من الحائط، وهم مطرٍ جميل يمشي تحته، تفسخ الطلاء في الجدران، وهم بيدر قمح يطلع من خد التراب، فراشه المملوء بالعث، علم الوطن ودفتر مذكراته، يسحب من تحتها رسالة من حبيبته، ليلى، تركها تخيط ضفائرها السوداء على ضفة النهر في قريته البعيدة، وقال لها أنه سيذهب لتغيير العالم ويعود بعد قليل، كان ذلك منذ زمن لا يذكره، يقرأ الرسالة كل يوم قبل أن يغفو، ثم لا يغفو: "حبيبي، الأوراق تترك الأغصان وتسقط إلى الأرض، أما أوراقك فلا زالت تعيش الربيع وحدها، لم تسقط، الأخبار هنا هي هي، الوضع الاقتصادي سيء والشعب يئن، بعض الشوارع تشهد مظاهرات، الجميع يتحدث عنك، أنت بطل في القرية، أنت بطل في التلفاز وفي الجريدة وفي الانترنت، أمام في قلبي، فأنت حبيبي، بطلي وحدي، لو أنهم يعرفون، أصدقائك يرون فيك ابناً باراً لهذا الوطن، وأنا أرى فيك وطني.. أنتظرك، اصمد"

لو أنهم لم يجرحوا يديه، كان يود لو يكتب لها، ثم يمزقها  كي لا يقرأها الجواسيس ويسرقون منها رائحة الحب، يقفز من سريره، يجول في زنزانته الضيقة، يريد أي الأشياء ليكسرها، أو قنينة خمرة لتكسره، وتنسيه هذا الوجع الأقسى من وجع التعذيب، يريد ليلى، من يحميها الآن من العيون والقيل والقال أو من حروب العالم القذرة؟ يكتب بعينيه على جدار الحبس: "لو أنك تعرفين يا ليلى، كلماتك الجميلة أقسى من كفوف المحقق، وخوفي عليك أكبر من خوفي من حبل المشنقة، وأنت في بالي أخطر في كل الثورات التي أخطط لها"، يكتب ذلك في باله، ثم يمحيه بسرعة، فالأنظمة تتنصت على الأفكار.

الفجر أتى، ليس أكيداً، ولكن دخول المحقق مجدداً إلى الزنزانة يشير إلى بدء دوام التعذيب في الدولة، يأخذه إلى غرفة أخرى:

"أنت انتهيت يا خائن"

"الآن بدأت، وقريباً تنتهون جميعاً، حين يصدر حكم الشعب "

يعود الحارس بالسجين إلى فراشه، ويطمأنه: "لن تتعذب، لن تعرض أمام المحاكمة، اطمئن، سيتم اعدامك صبيحة الغد"، يخرج ويغلق باب الزنزانة، بضجيج حمل في ثوانٍ ذاكرة المظاهرات التي شارك بها المحكوم بالمجد، وكان يراهن عليها: "صوت السوط أعلى من صوت صراخكم" كانت تقول له أمه.

أمه، ماذا تفعل الآن يا ترى؟ وماذا ستفعل في العشرين سنة القادمة، وهي تبحث عنه في المخافر والمستشفيات وتحمل صورته من شارع لشارع، هل ستصدق الإشاعات التي ستقول أنه أعدم في مثل هذا الصباح؟ هو في عتمة سجنه، والأفكار كلها تدور في رأسه، آمن بالانسان، بالحرية، بقيمة المواطن، بحقوق المرأة والأقليات وبحق التعبير عن الرأي وتقرير المصير وحرية التنقل، أين أصبح كل ذلك؟ هل كان يستحق الوطن كل هذا التعب، وهذا الموت الصغير بعد قليل؟

يتعوّذ برسالة حبيبته من هذه الأفكار، ويردد بصوت عال: "يستحق، نعم يستحق!"

يمضي الليل كالنهار، وتدخل كتيبة صغيرة من الحرس، يجرونه إلى الباحة الخلفية للمعتقل، رأى الشمس أخيراً، صديقه الجاسوس هنا، والظابط المحقق، وبواريد العسكر حوله، يسحب الظابط ورقة ويقرأها: "باسم القائد الأعلى المفدى، تقرر انزال الحكم العرفي بحق ثلة من المعارضين المتهمين بإثارة القلائل، والممولين من الأعداء والمتآمرين ضد وطننا، عاش وطننا، وعاش الزعيم"، يعيد الورقة إلى جيب بذلته العسكرية المزينة بالأوسمة، ويعطي الإشارة، يصفن في الشمس التي تبزغ من خلف الجبال رغم أنف النظام، لا يطفئها أحد… ثم تدوي الطلقة الأولى، والثانية، والعاشرة… يستيقظ!

"كان حلماً مزعجاً!!!!" يصرخ النائم، يتأكد من جسده، لا آثار للرصاص، ينظر إلى يمينه، ليلى غافية كدالية عنب جميلة إلى جانبه، لا آثار للدماء، يقفز إلى آلة طباعته، الساعة العاشرة صباحاً، والمقال الذي يكتبه لم ينته بعد، سيفضح النظام، ثم يعود إلى التظاهر ليلاً، يقول، الشمس في مكانها، والضوء قوي، وحبيبته معه، وقلمه لم يجف حبره بعد، يكمل مقاله مبتسماً، ويفكر في موته، وفي بزوغ الشمس رغم الرصاص، وفي الخارج أصوات لمتظاهرين موالين للنظام يرددون كألف ببغاء: "يعيش الزعيم، يعيش الزعيم، يعيش الزعيم."

سقط الأسد في بيروت

03/08/2011

خضر سلامة

ملاحظة/ هذا المقال يمكن اعتباره اخطاراً للنيابة العامة اللبنانية، لو أنها تمتلك القليل من الكرامة.
بماذا يفكر مواطن سوري، يمني، مصري أو لبناني.. وهو يضرب مواطناً آخر من طينة أرضه، لأنه يهتف للحرية والكرامة؟ هل يفكر بأي الأشياء سنقتل كرامتنا اليوم؟ أو كيف يمكن أن نبحث عن ذلٍ جديد، لن يمنعنا عنه هؤلاء الطارئون الحاملين شعارات الحرية؟

يوم الثلاثاء 2-آب-2011، أقمنا اعتصاماً من بضع عشرات من الناشطين السياسيين والحقوقيين اللبنانيين أمام السفارة السورية، تضامناً مع الحراك الشعبي السوري وتكريماً للشهداء، وكالعادة، قامت السفارة البعثية عبر مرتبطين بها في الشارع بإحضار قرابة الخمسين فرداً، أغلبهم من العمّال السوريين في لبنان، ليقودهم أربعيني لبناني من أمن السفارة الحاضر دائماً في الشارع، هتافاً وتحريضاً تحت شعار “حياة الرئيس بشار” و”رفض المندسين” و”كلاب بندر في بيروت”… بعض الأصدقاء من الحزب السوري القومي، الحاضرين في المنطقة التابعة أمنياً لمقر حزبهم، قاموا بتشكيل حاجز بشري مع المظاهرة الأخرى، إلى أن تطور الأمر لسحب شبيحة السفارة العصي والسكاكين والهجوم على اعتصامنا، ما أدى لاصابة ثلاث أشخاص باصابات بالغة، القصة لم تنتهي هنا، إذ أن عناصر البعث السوري، في سيارة تابعة لأحد المرتبطين بالسفارة السورية من نوع أفالانش أسود، قامت بملاحقة المشاركين في الاعتصام في شوارع الحمراء وزواريبها ومقاهيها، ما أدى لاصابة شاب وفتاة لاحقاً.

إذاً، انتهت قصة التشبيح في بيروت، من قبل عناصر البعث والنظام السوري، بحضور القوى الأمنية، القوى المتخاذلة من جيش قاصر، انشغل بشتم أحد الرفاق ببذاءة مشهود لها، وقوى شرطة، أسخف من أن يمكن الاعتماد عليها، إذ أن المؤهل المسؤول عن الدورية التي حضرت، وبحجة أمر من قائد عمليات بيروت، رفض اعتقال أحد حملة السكاكين أمام السفارة لأن “ما في أوامر بالاعتقال”، ومن ثم في المخفر، رفض قبول شكوى مقدمة من قبلنا ضد مجهول بأمر من القاضي كمال بوجودة على حد زعمه ل”عدم اختصاص المخفر” وطلب منا التوجه الى الشرطة العسكرية، مع العلم أننا لو فعلنا، كان ليتم اعتقالنا من قبل هذه الثلة من التابعين نفسياً ومادياً، للجهاز الأمني السوري المترسخ في حكومتنا وحكمنا، قالباً وقلباً، منذ أربعين عاماً.

bashar-assad-syria

أرفض تحميل أي حزب لبناني مسؤولية ما جرى بالأمس لأن ذلك لم يثبت على الأقل الى الآن، ما جرى هو من مسؤولية السفارة السورية بشخص سفيرها، الذي يجب استدعائه للتحقيق في امتلاك السفارة لمجموعة من الشبيحة والزعران في منطقة الحمراء جاهزين للتصدي لأي تحرك شعبي لبناني (هذا يحدث للمرة الثالثة على التوالي)، والجهة الثانية، هي الأجهزة الأمنية، التي رفضت القيام بواجبها من اعتقال لأفراد مسلحين حاولوا ارتكاب فعل جرمي بحق ناشطين سياسيين واعلاميين امام الكاميرات ورفضت حتى فتح شكاوي، تأكد لنا بعد مراجعة محامين، أنه رفض لا قانوني، بل سياسي.

أخيراً، كلمة واحدة لأعزائي القراء والأصدقاء: ما حدث بالأمس هو سقوط كذب النظام السوري، على الأرض اللبنانية، كنا مجموعة من عشرات الأصدقاء، المعروفون للجميع، انتماءً وهويةً، لم يكن بيننا سلفي واحد، ولا مندس غريب واحد، ولا مسلّح واحد، بل كان السلاح مع النظام، والعصي مع النظام، والشتائم، والأمن! فما بالك بشعب أعزل، يخرج، وتحت هذه التهمة وبسيل من الكذب والدعارة الفكرية، من لبنانيين وسوريين، صحافة وسياسة وعسكر، يتم قتله يومياً في شوارع سورية… سورية الجميلة، التي نحبها، وننتظرها على شرفة الشرق الجديد: شرقٌ لا طغاة فيه.

رمضانيات سورية

01/08/2011

خضر سلامة

بشار الأسد: صيام رمضان هو مطلب مشروع، ونحن سنقوم على تحقيقه، ومن هنا، أعلن تشكيل لجنة حكومية لمتابعة قضية رمضان.

وليد المعلم: سورية ستخرج من رمضان أقوى وسكسي أكثر، ورمضان سيمنى بالفشل، وسننسى وجود رمضان على الرزنامة وسأوصى القيادة بتجميد عضويتنا في منظمة الدول الاسلامية.

ماهر الأسد: أحذر الصائمين أني لا أزال في البيجاما، ولم ألبس الجلابية بعد، وأفراد الجيش لن يصوموا لأنهم على سفر من مدينة لمدينة هذا الشهر.

وكالة سانا: مجموعات ارهابية وعصابات مسلحة وتنظيمات سلفية وأصحاب سوابق قاموا بقطع الطريق الدولي ما أخّر وصول رمضان إلى سوريا، وتعمل القوى الأمنية بطلب من الأهالي، على فتح الطريق

التلفزيون السوري: صوت الانفجارات في المدن السورية هي نتيجة لتوصيات القائد الرئيس بضرب المدافع عند السحور والافطار على منازل المواطنين لضمان استيقاظهم.

تلفزيون الدنيا: ضمن سلة الاصلاحات التي وعد بها سيادته ومكننة مؤسسات الدولة، سيصبح رمضان اسبوع، وسنصومه بتقنية البلوتوث، وروسيا زودتنا بصحون فتوش ديجيتال.

قناة المنار: قدوم شهر رمضان بالتزامن مع صدور القرار الاتهامي للمحكمة الدولية، يدفعنا للتساؤل عن صدقيته

222770_123780207702196_115526721860878_183227_7524442_n

الاعلامي شريف شحادة: المخيمات في تركيا ولبنان ليست للاجئين، بل هي خيم شهر رمضان الفنية، ويتخللها فقرات قدود حلبية، وعروض راقصة لزملاء اعلاميين سوريين ولبنانيين.

رفيق نصر الله: رمضان مجرد إشاعة، لا يوجد أي رمضان، وما يحدث هو مجرد مخطط مريخي وسينتهي خلال ثلاثين يوماً عالزبط

دريد لحام: نحن نثق في سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد في قدرته على العبور بسوريا فترة الصيام

سلاف فواخرجي: أن نصوم للمرة الحادية عشر تحت راية الدكتور بشار الأسد، هو إكليل على رؤوسنا، وسأصوم السنة شوال أيضاً احتياطاً للسنة القادمة

طالب ابراهيم: من المستحبات في رمضان الصيام والقيام والتسبيح وقتل معارضي النظام.

ناصر قنديل: لا يوجد مظاهرات في سورية، ما يحدث هو افطارات جماعية يتخللها احراق لست سبع مدن ابتهاجاً بقدوم الشهر المبارك

رامي مخلوف: نزولاً عند تمنيات السيد الرئيس، قررت اعتزال العمل السياسي والاقتصادي، والتفرغ في رمضان لصلاة التراويح

مفتي سورية أحمد حسون: أي صيام يكون بدون وجود ضابط أمنٍ في سريرك، ومخبر في مطبخك، وجندي في حمامك، هو صيام باطل باطل باطل.

حزب البعث: رمضان رسالة وحدة، واشتراكية، وفشر يكون حرّية.


%d مدونون معجبون بهذه: