بعض الأحلام تقتل

خضر سلامة

مهدى إلى الصحفيين والكتاب والمدونين والمثقفين، من معتقلي الرأي في تونس، مصر، سورية والبحرين، وغيرها.

"هل تعرف الأمم المتحدة، أن عقارب الساعة أيضاً، هي أسلحة دمارٍ شامل؟" محبوسٌ كجنيٍ في قمقم غرفة التحقيق، بانتظار الظابط الذي سيسأله عن نصّه الأخير، ساعة مرّت، وهو لا يجد في الغرفة المظلمة إلا ظله الذي يصنعه مصباح تركه العسكر مضاءً، كي يتأكد جيداً أنه لا يزال حياً.

لم يعد يحصي الأيام، أسبوع مر على اعتقاله أو اسبوعين، كل ما فعله، أنه كتب، سأل عن حق المواطن في الحياة الكريمة، وسأل عن شرعية الموت المصدّر من نوافذ الأحزاب والأديان والزعامات، وهو المواطن العادي القادم من الريف إلى المدينة، واقعاً ضحيةً لكذب الزعيم الذي وصل على ظهر ثورة نادت بالحرية وبالانسان الكريم، فلم يبق من انسانٍ كريمٍ سوى الحاكم، ولا من حريةٍ سوى حريته، لم يعجب المقال المسؤول الفلاني، وأمر باعتقاله، لا مذياع ينقل له إدانات المنظمات الدولية، ولا جريدة يقرأ فيها خبر تضامن رفاقه معه، معتقل آخر في دفاتر الأنظمة التي تحتكر الكلمة، باسم القانون، وباسم الأمن الوطني: الظابط دخل أخيراً، والنسر على مقعده، يرسم في سقف الغرفة صورة أمه التي الآن لا بد تبكي وتلومه على تضحيته بنفسه فداءً لوطن، كانت تقنعه أنه لا يستحق، "يا بنيّ، هذا الوطن كومة نفايات، وأنت وحدك، دعها لمن اعتاد أن يأكل منها، خذ جواز سفرك، إلى أوروبا.." كان يضحك، يحضنها وهي تبكي ويقول "يا أمي، هذا الوطن حقل ورود، أخاف أن ييبس إذا تركته، أوروبا حلمٌ جميل للفقراء هنا، وأنا غنيّ بوطني الجميل"، يضحك الآن كما كان يضحك في حضن أمه… يضحك نسراً.

الظابط: "هل تعرف لماذا أنت هنا؟"

"أنا أعرف، وهل تعرف أنت لماذا أنت هنا"

"أنت هنا بتهمة التعدي على هيبة الدولة، وإهانة مقام الزعيم فلان"

"أما أنت فهنا بمهمة التعدي على هيبة الانسان، وإهانة مقام المواطن، كل مواطن"

الظابط بلكنة غاضبة: "ألا تتعلمون أنتم؟ ألم تتعلم من رفاقك الذين دخلوا السجن وخرجوا مكسورين، أنت هنا في دولة عليك أن تحترم قوانينها، ستنكسر أحلامك في الزنزانة، إجمع أوراقك وارحل من نافذة المطار إلى حيث تريد واكتب ما تريد، أو ابق، وتخلّ عن هذه الشعارات البالية، افهم يا بنيّ، ولى زمن التغيير، أنت في زمن القانون الذي يحكم كل شيء"

"إلا الفرد، لا شيء يحكمه إلا نفسه وذاته وحكمته وحلمه، يا حضرة الظابط، فلنفترض أني رحلت، من قال أن شعاراتي سترحل معي؟ أنت تحارب فكرة، قل لي، هل قلتُ كذباً؟"

يشعل الظابط سيجارة، ينفخ على الضوء ليشوّه المشهد بالدخان: "شعارات، شعارات، شعارات، ألم تتعب من رحلة المخافر والسجون والضرب؟ اسمع، للمرة الأخيرة، هل ستكون مواطناً صالحاً وتنشر اعتذاراً؟"

مبتسماً: "سأكون مواطناً صالحاً… وأصر على أقوالي!"

يضحك الظابط بصوت عالي، يرفع رجليه على المكتب في وجه المجرم الجميل، ويصرخ للحارس: "خذوه إلى حيث ينتمي"

banksy_illegal_crossing_yield_losangeles-thumb-240xauto-2362

كقذيفة، يدخل الحارس الغرفة، يسحبه من شعره إلى الأرض ويشده إلى الزنزانة، وفي الزنزانة يعود إلى امتحان التعذيب، دلو مياه يغطس الجلاد رأس السجين فيه، سوط على ظهره، وأصوات التعذيب تحيط به من كل الزنازين المجاورة، يغمض عينيه أمام الألم، ويردد بصوت ضعيف بقايا من قصيدة حفظها للشاعر التركي ناظم حكمت: "الأرساغ الدامية.. الأسنان المطبقة، الأقدام العارية، أرضٌ كسجادة الحريرِ الثمينة، هذه الجحيم .. هذه الجنة لنا" يرددها ألف مرة، أو ألفين، أو مليون مرة، لا يدري، لكنه يرددها.

انتهى دوام التعذيب اليوم، يعود إلى فراش، أكلتها الحشرات والأحزان وآلام من سبقوه إلى هذه التجربة، علمه السجن الرسم بالأوهام، قطرات الماء المزعجة من الحائط، وهم مطرٍ جميل يمشي تحته، تفسخ الطلاء في الجدران، وهم بيدر قمح يطلع من خد التراب، فراشه المملوء بالعث، علم الوطن ودفتر مذكراته، يسحب من تحتها رسالة من حبيبته، ليلى، تركها تخيط ضفائرها السوداء على ضفة النهر في قريته البعيدة، وقال لها أنه سيذهب لتغيير العالم ويعود بعد قليل، كان ذلك منذ زمن لا يذكره، يقرأ الرسالة كل يوم قبل أن يغفو، ثم لا يغفو: "حبيبي، الأوراق تترك الأغصان وتسقط إلى الأرض، أما أوراقك فلا زالت تعيش الربيع وحدها، لم تسقط، الأخبار هنا هي هي، الوضع الاقتصادي سيء والشعب يئن، بعض الشوارع تشهد مظاهرات، الجميع يتحدث عنك، أنت بطل في القرية، أنت بطل في التلفاز وفي الجريدة وفي الانترنت، أمام في قلبي، فأنت حبيبي، بطلي وحدي، لو أنهم يعرفون، أصدقائك يرون فيك ابناً باراً لهذا الوطن، وأنا أرى فيك وطني.. أنتظرك، اصمد"

لو أنهم لم يجرحوا يديه، كان يود لو يكتب لها، ثم يمزقها  كي لا يقرأها الجواسيس ويسرقون منها رائحة الحب، يقفز من سريره، يجول في زنزانته الضيقة، يريد أي الأشياء ليكسرها، أو قنينة خمرة لتكسره، وتنسيه هذا الوجع الأقسى من وجع التعذيب، يريد ليلى، من يحميها الآن من العيون والقيل والقال أو من حروب العالم القذرة؟ يكتب بعينيه على جدار الحبس: "لو أنك تعرفين يا ليلى، كلماتك الجميلة أقسى من كفوف المحقق، وخوفي عليك أكبر من خوفي من حبل المشنقة، وأنت في بالي أخطر في كل الثورات التي أخطط لها"، يكتب ذلك في باله، ثم يمحيه بسرعة، فالأنظمة تتنصت على الأفكار.

الفجر أتى، ليس أكيداً، ولكن دخول المحقق مجدداً إلى الزنزانة يشير إلى بدء دوام التعذيب في الدولة، يأخذه إلى غرفة أخرى:

"أنت انتهيت يا خائن"

"الآن بدأت، وقريباً تنتهون جميعاً، حين يصدر حكم الشعب "

يعود الحارس بالسجين إلى فراشه، ويطمأنه: "لن تتعذب، لن تعرض أمام المحاكمة، اطمئن، سيتم اعدامك صبيحة الغد"، يخرج ويغلق باب الزنزانة، بضجيج حمل في ثوانٍ ذاكرة المظاهرات التي شارك بها المحكوم بالمجد، وكان يراهن عليها: "صوت السوط أعلى من صوت صراخكم" كانت تقول له أمه.

أمه، ماذا تفعل الآن يا ترى؟ وماذا ستفعل في العشرين سنة القادمة، وهي تبحث عنه في المخافر والمستشفيات وتحمل صورته من شارع لشارع، هل ستصدق الإشاعات التي ستقول أنه أعدم في مثل هذا الصباح؟ هو في عتمة سجنه، والأفكار كلها تدور في رأسه، آمن بالانسان، بالحرية، بقيمة المواطن، بحقوق المرأة والأقليات وبحق التعبير عن الرأي وتقرير المصير وحرية التنقل، أين أصبح كل ذلك؟ هل كان يستحق الوطن كل هذا التعب، وهذا الموت الصغير بعد قليل؟

يتعوّذ برسالة حبيبته من هذه الأفكار، ويردد بصوت عال: "يستحق، نعم يستحق!"

يمضي الليل كالنهار، وتدخل كتيبة صغيرة من الحرس، يجرونه إلى الباحة الخلفية للمعتقل، رأى الشمس أخيراً، صديقه الجاسوس هنا، والظابط المحقق، وبواريد العسكر حوله، يسحب الظابط ورقة ويقرأها: "باسم القائد الأعلى المفدى، تقرر انزال الحكم العرفي بحق ثلة من المعارضين المتهمين بإثارة القلائل، والممولين من الأعداء والمتآمرين ضد وطننا، عاش وطننا، وعاش الزعيم"، يعيد الورقة إلى جيب بذلته العسكرية المزينة بالأوسمة، ويعطي الإشارة، يصفن في الشمس التي تبزغ من خلف الجبال رغم أنف النظام، لا يطفئها أحد… ثم تدوي الطلقة الأولى، والثانية، والعاشرة… يستيقظ!

"كان حلماً مزعجاً!!!!" يصرخ النائم، يتأكد من جسده، لا آثار للرصاص، ينظر إلى يمينه، ليلى غافية كدالية عنب جميلة إلى جانبه، لا آثار للدماء، يقفز إلى آلة طباعته، الساعة العاشرة صباحاً، والمقال الذي يكتبه لم ينته بعد، سيفضح النظام، ثم يعود إلى التظاهر ليلاً، يقول، الشمس في مكانها، والضوء قوي، وحبيبته معه، وقلمه لم يجف حبره بعد، يكمل مقاله مبتسماً، ويفكر في موته، وفي بزوغ الشمس رغم الرصاص، وفي الخارج أصوات لمتظاهرين موالين للنظام يرددون كألف ببغاء: "يعيش الزعيم، يعيش الزعيم، يعيش الزعيم."

Advertisements

الأوسمة: , , , ,

2 تعليقان to “بعض الأحلام تقتل”

  1. القط Says:

    تعيش كلماتك يا خضر، و أسلوبك الأدبي الرائع.
    في نهاية الطريق، لا بد للشعب أن ينتصر.فالكلمة و القلم دائمًا إنتصروا على السيوف.. و لو بعد حين.

  2. عباس معنى Says:

    قلم يروي ألم الشعب .. منه و له !

    منتظرين كل جديد ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: