بين الغزالي وابن رشد

خضر سلامة

قبل ثمانية قرون، انتصر الغزالي على ابن رشد، كانت المعركة بين معسكر “تهافت الفلاسفة” التكفيري ومعسكر “تهافت التهافت” المنتصر للعقل على أشدها، حين خرج ابن رشد بعد عشرات السنوات من وفاة الغزالي، ليقود حملة كسر الموروث وانقاذ أرسطو وأفلاطون وسقراط وغيرهم ممن ترجموا ثم طوّروا، من سيف ال”بدعة” الذي رفعه الغزالي على رقابهم، هُزم ابن رشدٍ في الشرق بسمّ الأفعى نفسها الذي خرج في صيدها، كُفّر ثم مات غمّاً، وحكم الغزالي بلادنا، ولا زال: الغزاليّ اليوم صاحب بئر نفط، يضع أسعار المعارك والحروب والسلام ويشتري الثورات ويبيع البلاد ويستأجر الأقلام والحبر، الغزاليّ صاحب فضائيّتين اثنتين، تتنازعان على عرش الحقد والفتنة وصناعة الخبر لا نقله، ونخر الرأي العام لا ترميمه… الغزاليّ سائق سيارة أجرة عاديّ في مدينة لم تتعلم أصول المدنية بعد، يشتم سائقاً آخراً قادم من الريف، وهو طفلٌ يرشق عاملاً أفريقياً بالحجارة، لأن لون بشرته لم يعجبه، الغزاليّ هو الطاغية، يحكم أربعين عاماً، بأربعين جهاز مخابرات، وأربعين ألف معتقل وأربعين مليون حلمٍ مقتول، ثم يسأل: لماذا يكرهني شعبي؟ هو الجريدة الرسمية للطاغية، تخوّن كل فلاسفة الحرية وتلامذتهم، وتهدر دم كل كل فلاسفة لقمة العيش، الغزاليّ هو أن يكون النظام الحاكم هو الثابت لا المتحول، أما المعارضة فهي المتحولة دائماً.. إلى جثثٍ، أو خدَم.

ابن رشد - خضر سلامة

وضمن لائحة المسروقات الوطنية، وما نُهب من متحف البلاد، كان ابن رشدٍ، دخل الغرباء ليل حروب القبائل والعشائر باسم “الحق في الحكم” (للصدفة؟!) قبل ألف سنة، وصادروا فيما صادروا، عمامة ابن رشدٍ وما فيها، وابتسامته التي شغلت بال رجال الدين المسعورين طويلاً، وضعوها في مختبر الحداثة، وصنعوا منها الفلسفة الحديثة بكل ما قادت عالمنا إليه، من حقوق انسانٍ وأنظمة رعاية وعناية، وسلطة قضائية رقيبة مجتهدة في القوانين لا جامدة، إلى جمهوريات متصاعدة لا تقف عند جمود الجمهورية الأولى، أما نحن، فتركوا لنا جيفة الغزاليّ لنعلق في نتانتها، فكانت مستنقعاً لا ينبت في أحسن حالاتها إلا كتاباً أخضراً سخيفاً! وفي أسوأ حالاته، آل سعود وزبانيتهم.

الغزاليّ هو النظام العربيّ اليوم، وهو المسجد اليوم، وهو اتصال الاثنين الذي يجعل من الكتابة جنحة، ومن الصوت جريمة، واتصالهما، تحت عباءة الغزاليّ، هو شريعة الدم، وصورة فوتوغرافية لـ”تهافت الانسان”، فيصبح القتل حدثاً عادياً، والمجزرة خبراً يومياً، والتعذيب والذلّ إعلاناً مبوّباً في بيانات الأحزاب والعشائر والطوائف، وبينهم جميعاً، في خطاب الحاكم المقدّس الذي لا شريك ولا معارض، له.

يا ابن رشد، تعال و”افصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال”، عُد إلى بلادٍ تُسقط اليوم خريفها كفرسٍ تنفض عنها وحل الغابة، قتلنا بعدك أكثر من ابن رشد، بالرصاص وبالسكاكين وبأحكام التكفير وبالسكوت للنظام ولرجاله، وبمزاج مخبرٍ عابر، كثيرون قُتلوا في الطريق إلى العدالة والحرية والفكر الحر والعقل، وبقي الغزاليّ يحبسنا كعفريتٍ في قمقم المأساة.. اليوم نراكْ، شاهراً حبركَ، وصوتك الصارخ في وجه الممانعين والمعتدلين وما بينهما، مؤسساً لعقلٍ جديدٍ، لا يسجنه الغزاليون بين خيارات الذلّ والمحتل، وبين الموت والموت.

تعالَ يا ابن رشد، هذه الصحراء لا بد تنقرض.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

9 تعليقات to “بين الغزالي وابن رشد”

  1. William Outa Says:

    مع الملاحظة أن الغزّالي-إن تعمقنا في فلسفته- ينحو منحىً عقلانيًا ومنطقيًا على قدر من الأهمية في حججه ضد عقلانية الفلاسفة الآخرين وحججهم وبالأخص ابن سينا….ولكن ما انتصر هو لاعقلانية الغزّالي إجتماعيًا وعقلانيته الاستبدادية سلطويًا

  2. Ihsan Masri Says:

    تحيات رفيق خضر .
    طبعاً ابن رشد هوي من اهم الفلاسفة العقلانيين.
    بس بالخلاف بين جورج طرابيشي ومحمد عابد الجابري. كان الجابري ينتصر لابن رشد بينما دافع طرابيشي عن الغزالي واظهر حسناتو.

  3. جوعان Says:

    مرحبا رفاق، أهلا بالأعزاء.

    العزيز وليم، إن العقلانية في الكتابة والانتاج، والمحاججة، ليسا ضمانة الفكر، لقد كان نيتشه عقلانياً في كتاباته وذو حجة قوية، وأنتج النازيّة بفروعها، وكان ستروس عقلانياً، في وضعه أسس المحافظين الجدد، وأنتج لاعقلانية الحروب المابعد حداثوية، إذاً، فما هو مقياس العقلانية يا ترى؟ الشكل الكتابي للنص، أو الشكل للنتيجة والهدف المرسوم! لقد كان الغزالي متعصباً لفكر، رجعيٌ في مقاربته للأيديولوجيا – الاسلام في تلك الفترة، رافضا للاجتهاد، مخرجاً ما يدعي أنه سبع عشر بدعة وثلاث حجج للتكفير! يمكن مراجعتها، في موضوع يطول طبعاً.

    الصديق احسان، تفرغ الجابري لسلسلة نقد العقل العربي، أوصلته إلى نظرية العقل المستقيل، والتي تعتمد بالأساس على أفكار ابن رشد ومقاربته لأزمة العقل الغزاليّ، رغم اختلافي مع الجابري في فكرة وجود عقل شرقي وعقل غربي واعتقادي بالعقل الواحد الانساني، إلا أن الجابري كان، على الأقل برأيي الشخصي، محقاً بمواجهة الطرابيشي، الذي تبنى الرؤية المؤدلجة للواقع دون مراعاة الجدلية الضرورية للعقل، مؤمناً بجدلية المادة فقط – بناء على انتماءه العقائدي بطبيعة الحال… ولو أني أوافق من جهة أخرى، على فكرة الطرابيشي بموضوع أزمة العقل الداخلية لا الخارجية.

    تحياتي

  4. William Outa Says:

    رفيقي خضر، ما قصدته القول ان حجج الغزّالي إرتكزت على العقل وقوانينه ايضًا ولم تكن تعسفية او ترتكز على قراءة جامدة للنص الديني كما يُشَاع(بالاخص في ما تعلق بمواضيع الحركة، والخلق من عدم…). لم يكن الغزالي بنظري لاعقلانيًا تمامًا كما اعتدنا ان نتعلم في الكتب.ومن ناحية اخرى، لم يكن ابن رشد عقلانيًا وماديًا ولو طغت هذه النزعات احيانًا كثيرة على فلسفته او على قراءتنا-نحن معشر الماديين- لفلسفته، وإجتماعيًا عُرِف عن ابن رشد محافظته وتقليديته تمامًا كما الغزّالي، وهذا على كل حال مرتبطٌ بمدى تطور المجتمع الاسلامي العربي في تلك الفترة. وبالنسبة لنيتشه-الذي طغت على كتاباته البلاغة والسخرية وغياب الحجج العقلية والمنطقية- فلا اعتقد انه بامكاننا ان نحمّله ما لم يصرّح به يومًا-وهو الذي احتقر الى حد كبير “العرق” الالماني بالمناسبة- ومن تأويلاته خرجت الميول الفاشية كما العدمية ولكن كذلك تلك اليسارية منها ولو لم تكن ماركسية الطابع. والقول بأنه مسؤول عن النازية والفاشية والعنصرية يجعلنا نحمّل ماركس مسؤولية ديكتاتوريات الستالينيين في روسيا وكوريا الشمالية وبعض دول افريقيا….مع كل تحياتي وشكرًا على جهودك

  5. NAWZAT HADID Says:

    GOOD

  6. ..... Says:

    إذ لم يكن هناك مقياس للعقلانية “برأيك” فهذا يعني أنه ليس بإمكانك أن تتهم الغزالي بالتعصب الرجعي في مقاربته للأيدويولوجيا فليس هناك حقيقة ثابتة ولا منطق ثابت. الغزالي استعمل العقل في كل شيء إلآ أنه في النهاية وصل إلى قناعة أن الدين هو الجواب الثابت للوجود وهذا لا يجعل منه إنساناً متعصباً.

  7. جوعان Says:

    وليم، لا شك أن النازية استخدمت نيتشه وضخمت صورة علاقتها به من أجل الدعاية لنفسها في الجمهور الالماني، ولكن لا يمكننا نكران أن نيتشه هو أبرز مناصري النخبوية الديمقراطية ومعاداة الديمقراطية الشعبية، والتركيز على الفرد القوي الخارق وانتقاد العاجز او الناقص، او المرضى، ومن ثم لدى نيتشه فكرة الفرد القوي القائد الواحد، المنقذ والمخلص أضف إلى إيمانه بأن الحق بيد القوة.. على كلٍ، يطول الحديث فيه.. ولكن وهنا أجيب على الصديق الجديد، مع الاعتذار عن عدم امتلاك اسمه، أنا لم أقل أن لا مقياس للعقلانية، ولكن قلت أن مقياس العقلانية في نتيجة الفكرة عندما تطبق، وقد طبق الغزاليون الفكر الغزالي من حيث ابتداع ايديولوجيا البدعة والتكفير، لمن يدمج العقل الغربي بالشرقي أو يحاول تطوير الموجود… مطالبين بالبقاء على الجذور.
    وللأسف، لقد أجبت نفسك بنفسك يا عزيزي، ليس هناك حقيقة ثابتة صحيح، ولكن اقتناع الغزالي بان الدين ثابت ليس المشكلة، بل اقتناعه ان هذا الثابت هو أساس العلم والسياسة والمجتمع، فأصبح كل ما حولنا ثابت غير ممكن التطوير! ومن هنا أحيلك إلى مشكلة العقل مثلاً بين ابن رشد الذي آمن بقدرته، والغزالي الذي آمن بضعفه، إلى مشكلة توسع الكون وغيرها.. التي أعادها الغزالي جميعها إلى الدين، وأعادها ابن رشد، إلى عقل الانسان وقدرته على فهمها.

  8. The SumSum Says:

    شو مع الميول الصوفية تبعت الغزالي؟

  9. هزاع Says:

    ابن سيناء الرازي حسن بن الهيثم الفرابي الخوارزمي …. الخ تم تكفيرهم وصفهم بزنادقة في المقابل تركوا علم وفكر ونظريات… استفادت في نهضته اوربا في عصر الظلمات منهم في مقابل !!!!! منهو الغزالي ؟؟؟ خريج سجون تكفيري لماذا. لم نسمع عن ابن سيناء اي ان اعتقل او سجن. او

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: